سقوط الأسد… وصعود الأسئلة الكبرى

مها غزالالاثنين 2025/12/08
Image-1765132326
ما بعد الأسد: ملامح سلطة جديدة وصراع الهويات في عام واحد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد عام واحد فقط على سقوط بشار الأسد، يمكن القول إن سوريا نجت من أسوأ سيناريوهات الفوضى التي خشي منها الجميع، لكنها دخلت في مرحلة أشد تعقيداً مما سبق. فالعنف لم يختفِ تماماً، والانتقام الكبير الذي توقعته العواصم الدولية لم يقع، غير أن البلاد وجدت نفسها أمام مسار جديد يبحث عن شكل دولة لم تُبنَ بعد، وعن سلطة تحاول تثبيت نفسها فوق أرض رخوة، وعن شعب أنهكته الكوارث حتى صار يرى في الاستقرار البسيط أعظم أشكال النجاة.


هذا العام لم يكن عاماً من البناء، بقدر ما كان محاولة دائمة لفهم ما بقي من سوريا بعد أن انهار عالمٌ كامل كان يحكمها. فإرث الأسد كان أكبر من مجرد نظام سياسي، كان شبكة متداخلة من القمع والفساد والميليشيات، تمتد جذورها إلى كل زاوية في البلاد. لم يسقط النظام لأنه هُزم عسكرياً أو لأن المجتمع الدولي قرر ذلك، بل سقط لأنه كان منهكاً من الداخل. البنية الصلبة التي أسسها حافظ الأسد، وإن كانت استبدادية وقاسية، كانت تمتلك منطقاً داخلياً وقدرة على السيطرة، لكن بشار الأسد دمر تلك البنية حين ورث السلطة دون أن يمتلك أدوات إدارتها. أطلق العنان للأجهزة الأمنية لتعمل كجزر مستقلة، وحوّل الجيش إلى ميليشيات متنازعة، وسمح لمراكز الفساد أن تكبر حتى ابتلعت مؤسسات الدولة، وانحدرت البيروقراطية نحو شلل كامل. 

وفي قلب هذا الانهيار تلاشى الاقتصاد المنتج، وحلّ مكانه اقتصاد الجريمة المنظمة: تهريب المخدرات، نهب الثروات، تبييض الأموال، وبيع مقدرات البلاد لحلفاء خارجيين. وهكذا ضعفت الدولة إلى الحد الذي باتت فيه لقمة سهلة للهيمنة الروسية والإيرانية، وانفتحت أرضها أمام كل أشكال التدخل.


لم تكن الثورة السورية سوى التعبير الأكثر صدقاً عن هذه الفجوة العميقة بين دولة منهارة وشعب مقموع. ومع مرور السنوات صار سقوط الأسد حتمياً، ليس لأن المعارضة امتلكت القوة الكافية، بل لأن النظام وصل مرحلة لم يعد يستطيع فيها الوقوف على قدميه. كان السقوط الداخلي أسرع من السقوط الخارجي، واللحظة التي انهارت فيها دمشق كشفت عما هو أعمق من انهيار سلطة: سقوط دولة بلا مؤسسات، ومجتمع بلا حماية، وشعبٍ بلا بوصلته.


في هذا الفراغ ظهر أحمد الشرع، ليجد نفسه – بشخصيته البراغماتية وقدرته على المناورة – في موقع اللاعب القادر على الإمساك بخيوط المرحلة. لم يأتِ الشرع بوصفه شخصية توافقية، بل بوصفه الرجل الوحيد الذي احتفظ بانضباط عسكري أثناء تفكك جيش الأسد، وبأنه قادر على جمع القوى المتناثرة وتقديم نفسه كجدار يمنع الفوضى الشاملة. المجتمع الدولي، الذي لم يجد بديلاً آخر، تعامل معه بوصفه "القائد الضروري" الذي يمكن أن يعبر بالبلاد من لحظة انهيارٍ كارثية إلى مرحلة انتقالٍ مضبوطة. الشعب المنهك، الذي فقد ثقته بمعظم القوى السياسية والعسكرية، اختار بدوره أن يتجاوز لحظة الانتقام، وأن يراهن على الاستقرار قبل الحرية، وعلى الأمان قبل العدالة، وعلى النجاة قبل أي شيء آخر.


ومع انسحاب الميليشيات الإيرانية وانكفاء روسيا عن دعم النظام المنهار، تسلمت القوى المحلية زمام المبادرة. تخلى الجيش عن سلاحه، ومالت مجموعات واسعة إلى التسويات، فيما تقدمت غرفة عمليات "ردع العدوان" نحو المشهد السياسي والعسكري، لتصبح، مع وصولها إلى دمشق، القوة الأكثر قدرة على فرض نموذج من الانضباط. لم تكن إدلب نموذجاً يُحتذى به، لكنها كانت النموذج الوحيد القابل للتقديم في لحظة انهيار شامل، ولذا تم تسويقها باعتبارها "مثالاً عملياً" لإمكان قيام سلطة جديدة قادرة على الاستقرار.


اختار الشرع منذ اللحظة الأولى أن يتحدث إلى الخارج أكثر مما يتحدث إلى الداخل. أراد الاعتراف، وأراد أن يثبت أنه قادر على السيطرة على الأرض وإدارة الفوضى. لذلك خاض معركتين مفصليتين في الساحل والسويداء، دفعتا ثمناً بشرياً قاسياً، وكسرتا صورة السلطة الجديدة التي وعدت بإنهاء الدم، لكنهما قدمتا للشرع ما كان يحتاجه: تثبيت صورته كقائد قادر على إعادة ضبط السلاح ومنع الانزلاق نحو حرب أهلية واسعة. كان ذلك مكسباً له، وخسارة لخطاب العدالة، وجرحاً عميقاً في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا، لكنه عزز موقعه في حسابات الإقليم والعالم.


غير أن التحديات لم تكن عسكرية فحسب. فقد وجد الشرع نفسه أمام واقع ديمغرافي وثقافي واجتماعي شديد التعقيد، في بلد لا يمكن لقوة متشددة حكمه مهما بلغت قبضتها من الشدة. والأقليات التي تعرضت لمجزرتين متتاليتين صارت تعيش شعوراً عميقاً بالمظلومية، وتلوح – حتى لو رمزياً – بفكرة الانفصال كورقة ضغط سياسية. وفي المقابل تقف قسد كقوة لا يمكن تجاوزها: مدعومة أميركياً، تمتلك ملفات استخباراتية حساسة تخص تنظيم "داعش"، وترتبط بعلاقات إقليمية تجعل تجاوز مطالبها أمراً شبه مستحيل. لكن الشرع، الذي يعرف حساسية الموقف التركي، لا يستطيع تقديم تنازلات تُقرأ في أنقرة كخطوة نحو الاعتراف بالكيان الكردي. وهكذا يقف الملف الكردي عند نقطة التعطيل، حيث كل خطوة نحو الحل قد تشعل جبهة جديدة.


هذا المشهد السياسي المعقد ترافق مع اقتصاد يعيش على أجهزة الإنعاش. فمنذ سقوط الأسد لم تعد في خزائن الدولة أموال حقيقية، لا قمح، ولا محروقات، ولا احتياطي نقدي، ولا قدرة على تأمين الخدمات الأساسية. فتقدمت قطر لدفع رواتب الموظفين، فكانت تلك الكتلة النقدية الوحيدة تقريباً التي حركت السوق. وقدمت السعودية النفط، وفتحت تركيا بواباتها التجارية فأغرقت الأسواق بالبضائع الاستهلاكية. لكن هذه المساعدات ليست اقتصاداً، بل تسكينٌ لأوجاع متكررة. فالكهرباء تحتاج مليارات لإعادة بناء البنى التحتية، والمياه أزمة وجودية، والقمح رهينة الجفاف والسياسات الإقليمية، والطرقات والمواصلات في حالة انهيار شبه كامل.


وفي قلب هذا المشهد الغائم ارتكبت الحكومة الجديدة خطأً استراتيجياً بالغاً حين تجاهلت البرجوازية السورية التقليدية، خصوصاً في دمشق وحلب. هذه الطبقة – رغم ارتباط جزء منها بالنظام السابق – كانت تمتلك خبرة اقتصادية، وشبكات تجارية، ورساميل قادرة على المساهمة في إعادة البناء. لكن الحكومة عاملتها كعدوٍ محتمل، وحرصت على استبعادها من أي دور اقتصادي، مفضلةً دعم ولادة طبقة اقتصادية جديدة، صغيرة وضعيفة، تديرها شخصيات قريبة من السلطة الجديدة في دمشق. هذه الطبقة الناشئة لا تمتلك القدرة على تحريك السوق، ولا على جذب استثمارات، ولا على إعادة تشغيل الصناعات التي شكلت عماد الاقتصاد السوري لعقود. وبهذه السياسة، أعادت الحكومة إنتاج خطأ بشار الأسد حين ركز قوته الاقتصادية في يد رجال أعمال جدد بلا خبرة، لكنه هذه المرة يحدث فوق ركام اقتصادٍ منهار بالكامل، ما يجعل أثره أشد تدميراً.


ثم جاء تفكيك الأجهزة الأمنية والعسكرية بطريقة غير مدروسة ليضيف مزيداً من الفوضى. فقد تم حل مؤسسات كاملة، وتسريح آلاف الموظفين على أسس طائفية أو سياسية، دون خطة لإعادة بناء جهاز الدولة. أُضعفت البيروقراطية بدل إصلاحها، وفُتح الباب أمام شبكات الفساد القديمة للتحالف مع السلطة الجديدة عبر تسويات أمنية واقتصادية ساهمت في إبقاء سوريا ضمن دوائر الشبهات الدولية المتعلقة بغسيل الأموال وتهريب المخدرات، وهو ما يهدد بإطالة أمد العقوبات على البلاد.
وفي الوقت نفسه أغلقت أبواب السياسة بإحكام. حُلت الأحزاب، وجُمدت الحياة السياسية، وتحول الحوار الوطني إلى اجتماعات مع العشائر ورجال الدين والقيادات المحلية، في عودة واضحة إلى ما قبل الدولة. تجاهلت الحكومة القوى السياسية، وأبعدت الشخصيات السورية في الخارج التي تمتلك خبرات اقتصادية وقانونية وسياسية قادرة على دعم المرحلة الانتقالية. بدا أن السلطة تخشى من المشاركة، وتخشى من المنافسة، وتخشى من الانكشاف أمام عالمٍ يدرك أن أي بناء للدولة يحتاج إلى عقول قبل أن يحتاج إلى سلاح.


ومع كل ذلك يبقى الملف الأكثر تعقيداً والأشد حساسية هو ملف العدالة الانتقالية والمفقودين. فالسلاح يمكن جمعه، والمفاوضات يمكن إدارتها، والاقتصاد يمكن إنعاشه، لكن الذاكرة لا يمكن حذفها. آلاف المفقودين بلا مصير واضح، ومئات ألاف الضحايا ينتظرون إنصافاً لم يقترب حتى الآن. وهو الملف الذي يكشف ارتباك السلطة، لأنها لم تتخذ موقفاً صريحاً من إرث النظام القديم، ولم تحدد طبيعة الدولة الجديدة: هل هي دولة عدالة أم دولة تسويات؟ هل تفتح باب الحقيقة أم تغلقه؟.
بعد عام على سقوط الأسد، ليست سوريا اليوم في كارثة مطلقة ولا في نهضة واعدة، بل في منطقة رمادية تحاول فيها أن تعيد تعريف نفسها. الشرع يتمدد فوق مشهد مرتبك، والناس يبحثون عن أمانٍ أبسط، والدول الإقليمية تراقب بقلق، والمجتمع الدولي ينتظر أن يرى ما إذا كان ما يحدث انتقالاً حقيقياً أم مجرد إعادة إنتاج لسلطة جديدة بوجه مختلف.
سوريا اليوم تمشي فوق حقل من الرماد، تبحث عن طريق لا يجرها إلى الماضي ولا يدفعها نحو الهاوية، لكن الطريق لا يزال طويلاً، وأصعب ما فيه أن ملامحه لم تتضح بعد، وأن البلاد لم تتفق حتى الآن على أي مستقبل تريد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث