عندما انهار نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، لم تكن السويداء خارج المشهد كما حاولت بعض السرديات لاحقاً أن تقول، بل كانت حاضرة في لحظة السقوط بوجه مختلف عن الجبهات العسكرية، لكنه لا يقل تأثيراً عنها. ففي الأشهر الأخيرة التي سبقت الانهيار، تحولت ساحات المدينة إلى منصات احتجاج يومي، وارتفع سقف الهتاف إلى إسقاط النظام علناً وتكرس العصيان المدني، وامتنعت آلاف العائلات عن إرسال أبنائها إلى أي تشكيل عسكري تابع للسلطة، وبهذا المعنى ساهمت السويداء في نزع ما تبقى من شرعية النظام من الداخل وكانت جزءاً من لحظة التفكك الكبرى التي سبقت السقوط.
بعد ذلك بدت المحافظة وكأنها تدخل زمناً جديداً على قاعدة أنها شريك في الخلاص، لا طرفاً مهزوماً. ففي الأسابيع الأولى، سادت حالة من الترقب الحذر في العلاقة مع الحكومة الانتقالية لم يحصل فيها أي صدام مباشر، لكن الثقة لم تكن موجودة. وفي الجهة المقابلة، تعاملت الدولة الجديدة مع السويداء بوصفها محافظة يجب إعادة دمجها بسرعة ضمن المنظومة الأمنية، بينما تعاملت السويداء مع الدولة بوصفها سلطة قيد الاختبار لا تمتلك بعد تفويضاً كاملاً لإدارة شؤونها.
ومع تقدم الأشهر، تزايدت الخلافات بصمت، خصوصاً مع المرجعية الدينية المتمثلة بالشيخ حكمت الهجري الذي بدأ يرفع نبرة الخطاب الرافض لأي عودة غير مشروطة إلى المركزية، معتبراً أن ما جرى بعد السقوط، لا يرقى إلى مستوى التغيير الجذري الذي خرج الناس من أجله، خصوصاً بعد الإعلان الدستوري الذي وصفه الهجري بأنه إعادة إنتاج لـ"حافظ الأسد" جديد.
فصائل ثورية عسكرية خارج الحسابات
كانت الخريطة المسلحة داخل السويداء تتغير من دون ضجيج، فالفصائل التي شكلت في سنوات سابقة نقطة توازن، وعلى رأسها حركة "رجال الكرامة"، تراجعت تدريجياً عن واجهة المشهد إما بفعل الاستنزاف أو تغير طبيعة الصراع، وحلّ مكانها مجموعات مسلحة أكثر تشتتاً وأقل انضباطاً، معظمها مرتبط باقتصاد السلاح والتهريب، فألغى هذا الواقع وجود مرجعية عسكرية واحدة قادرة على ضبط القرار الأمني، وراكم عناصر الانفجار المؤجل.
ذلك الانفجار وقع في تموز/يوليو 2025، حين تحول التوتر السياسي والأمني إلى صدام مباشر بين مجموعات درزية مسلحة من جهة، وقوات الدولة من جهة أخرى، مدعومة بشكل واضح من العشائر البدوية. لم يكن الصدام مجرد مواجهة عابرة، بل لحظة كسر كبرى في توازنات الجنوب وجدت فيه السويداء نفسها للمرة الأولى في مواجهة مفتوحة مع الدولة، لا عبر وسطاء محليين بل بقوة السلاح وبخطاب سياسي متبادل لا يخلو من بُعد هوياتي خطير.
مع انتهاء تلك الجولة الدامية، لم تعد لغة التهدئة هي السائدة، فخرجت مطالب الانفصال إلى العلن، وتحول الحديث عن القطيعة من همس سياسي إلى موقف معلن في الشارع. ومنذ تلك اللحظة، دخلت السويداء في حالة عداء سياسي صريح مع الدولة السورية الجديدة، لم تعُد فيها المشكلة في شكل الإدارة أو في حصة المحافظة من السلطة، بل في أصل العلاقة بين الطرفين. فالدولة ترى أن ما يجري تهديد مباشر لوحدتها وسيادتها، فيما ترى قطاعات واسعة في السويداء أن الدولة الجديدة تسير في طريق إعادة إنتاج المركزية القديمة، وأن أحداث تموز أثبتت أن الحوار لم يعد كافياً لضمان أمن المحافظة وخصوصيتها.
السويداء ورقة في لعبة كبرى
في هذا المناخ المشحون، بدأ البعد الإقليمي يظهر إلى السطح بوضوح. فاسرائيل التي بقيت تراقب الجنوب السوري سنوات طويلة من زاوية أمن حدودها، بدأت تتعامل مع السويداء بوصفها ورقة ضمن إعادة تشكيل المشهد بعد سقوط الأسد، سواءً عبر قنوات إنسانية أو أمنية أو لوجستية، والتي ظهرت بشكل شبه علني بعد أحداث السويداء الأخيرة. وهذا الحضور الإسرائيلي لا يُقرأ فقط كمحاولة حماية الأقليات كما يتم التسويق له، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إنتاج حزام اضطراب مُسيطر عليه في جنوب سوريا، يمنع عودة دولة مركزية قوية، ويؤمّن حدود الجولان المحتل ضمن بيئة مفككة قابلة للتأثير.
ضمن هذا السياق تحديداً، طُرح لأول مرة بشكل علني مطلب فتح ممر آمن يربط السويداء بالكرمل في فلسطين المحتلة. لا يمكن لهذا المطلب فهمه خارج السياق الإسرائيلي، لأنه يتجاوز البعد الإنساني أو الاقتصادي إلى مستوى إعادة توجيه الجغرافيا السياسية للمحافظة. وفتح ممر من هذا النوع، يعني عمليا نقل السويداء من عمقها السوري إلى تخوم الفضاء الإسرائيلي، وهو ما سيُقرأ إقليمياً كخطوة أولى في مشروع فصل طويل الأمد، لذلك فإن هذا الطرح وحده كفيل بتفجير صدامات كبرى ليس فقط مع الدولة السورية بل أيضاً مع الأردن الذي يرى أن أي خطوة من هذا النوع تهديداً مباشراً لأمنه وحدوده.
وسط هذا التشابك لم يعد السؤال: هل ستبقى السويداء داخل الدولة أم لا؟ بل أي شكل من الدولة يمكن أن تقبله السويداء، وأي ثمن هي مستعدة لدفعه مقابل خياراتها. فالذهاب بعيداً في مسار الانفصال، سيعني عزلة خانقة بلا أي غطاء دولي فعلي، وسيحول المحافظة إلى جزيرة محاصرة تعتمد في بقائها على شبكات دعم خارجية تحمل في طياتها أثماناً سياسية باهظة، والبقاء في حالة العداء المفتوح من دون تسوية، سيحول السويداء إلى ساحة استنزاف طويلة تعيش على جولات عنف متقطعة، وتنهار فيها البنية الاجتماعية والاقتصادية تدريجياً من الداخل.
أما محاولة فرض حكم ذاتي واسع ضمن الدولة، فهي المسار الأكثر واقعية نظرياً، لكنه يصطدم بحائط انعدام الثقة، وبسؤال الضمانات، وبقدرة الدولة أصلاً على قبول نموذج لا مركزي حقيقي في منطقة بهذه الحساسية الجيوسياسية.
ما الذي تملكه السويداء من خيارات واقعية؟
في مقابل هذه المسارات الخطرة، لا تزال السويداء تمتلك مجموعة حلول واقعية إذا ما قررت تحويل قوتها الاجتماعية إلى مشروع سياسي منظم، لا إلى أوراق ضغط متفلتة.
أول هذه الحلول يتمثل في إعادة بناء مرجعية تمثيلية موحدة تجمع المرجعية الدينية مع الفاعلين المدنيين والعسكريين ضمن إطار سياسي واضح، بدل ترك القرار رهينة مجموعات متفرقة متصارعة، لأن امتلاك عنوان تفاوضي واحد سيحمي السويداء من استغلال انقسامها، ويمنحها وزناً حقيقياً في أي مسار تفاوضي قادم
أما الحل الثاني، فيكمن في نزع الطابع الفوضوي عن السلاح عبر دمج القوى المحلية ضمن جهاز أمني منضبط يحمي الداخل، ولا يُستخدم في الصراع مع الدولة، وهو شرط أساسي لأي تفاوض جدي، ولأي استقرار اقتصادي واجتماعي، ومن دون هذا التحول ستبقى السويداء أسيرة التوتر الدائم مهما تغيرت التفاهمات السياسية.
والحل الثالث والأكثر حساسية، يتعلق بقطع الطريق على تحويل المحافظة إلى ساحة صراع إقليمي، سواءً عبر إسرائيل أو غيرها. فكلما تعمق الارتباط بالخارج، كلما تقلص هامش القرار المحلي، وتحولت السويداء من لاعب إلى ورقة فالحفاظ على مسافة واضحة من كل المشاريع العابرة للحدود، وهذا هو وحده الكفيل بمنع انزلاقها إلى سيناريو العزلة والاشتباك الدائم.
ويبقى الحل الأهم، في إعادة فتح باب التفاوض مع الدولة، لا على قاعدة الغلبة أو الإخضاع، بل على قاعدة الشراكة المتوازنة التي تعترف بخصوصية السويداء، وتضمن حقوقها الإدارية والأمنية ضمن دولة سورية لا مركزية حقيقية.
هذا المسار وحده القادر على إخراج المحافظة من موقع الخصم الدائم إلى موقع الشريك القادر على التأثير في شكل سوريا المقبلة، بدل أن يدفع ثمن انهياراتها.
بعد عام واحد فقط على سقوط الأسد، تجد السويداء نفسها أمام أخطر مفترق في تاريخها الحديث، من شريك في إسقاط النظام إلى خصم للدولة الجديدة إلى ورقة في لعبة إقليمية معقدة تتقاطع فيها مصالح سوريا والأردن وإسرائيل والولايات المتحدة.
هذه المحافظة التي حاولت طوال سنوات، أن تبقى خارج خطوط النار، تقف اليوم في قلبها تماماً، وما سيُتخذ من قرارات في المرحلة المقبلة لن يحدد مصيرها وحدها، بل سيمتد أثره إلى شكل الجنوب السوري كله، وربما إلى شكل الدولة السورية المقبلة.
