كشف الاجتماع الأخير بين وزارة العدل السورية وأعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عن تقدم ملحوظ في مسار عمل الهيئة التي أنهت تشكيل لجانها، ووضعها المسودة الأولية لمشروع قانون العدالة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وجرائم الحرب الجديد، بانتظار عقد مجلس الشعب أولى جلساته لتشريعه.
وفي شهر آب/أغسطس الماضي، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم الرقم 149، القاضي بتسمية أعضاء لجان الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف و12 عضواً آخرين، والذي جاء مكملاً للمرسوم الرئاسي رقم 20، الذي صدر في شهر أيار/ مايو الماضي.
وحددت مهام الهيئة بالكشف "عن الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي سببها النظام البائد، ومحاسبة ومساءلة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية".
وقال رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف إن "الهيئة قد أنهت تشكيل لجانها الست، موزعة على لجنة الحقيقة ولجنة المحاسبة والمساءلة ولجنة الإصلاح ولجنة الذاكرة الوطنية ولجنة جبر الضرر ولجنة بناء السلام والسلم الأهلي"، مشيراً إلى أن قانون العدالة الانتقالية وصل مراحله الأخيرة، وسيعرض على مجلس الشعب فور تشكيله.
مسودة قانون العدالة الانتقالية
وبحسب رئيس لجنة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية رديف مصطفى، فقد أنجزت المسودة الأولية لقانون العدالة الانتقالية والمحاسبة، بالاشتراك مع فريق متخصص من كلية الحقوق في جامعة دمشق، بالاعتماد على المعايير الدولية في ضمان حقوق الضحايا وتجريم الانتهاكات، مع حفظ حق الدفاع المشروع بالنسبة إلى الجناة.
ويوضح مصطفى أن الهيئة تعمل حالياً على افتتاح 7 فروع لتغطية محافظات درعا وحمص وحلب وحماة ودير الزور وريف دمشق، إلى جانب المقر الرئيسي في مركز العاصمة، بالإضافة إلى وجود 5 دوائر قضائية، تمثل محاكم خاصة بالعدالة الانتقالية، وفق خطة عمل جاءت بعد اجتماعات مع منظمات حقوقية ومدنية ودولية، والاستماع إلى الضحايا وفق مبدأ مركزية الضحايا.
ويقول: "لا يمتلك القانون السوري القديم والمترهل، أهلية الاعتماد، بسبب غياب القوانين المجرمة للأعمال العدائية وجرائم الحرب والإبادة وجرائم ضد الإنسانية، وأيضاً غياب التعريف الواضح لجرائم التعذيب من حيثية العقوبات، إلى جانب تغييبه قوانين محاسبة القيادات أو مسؤولية القيادة كما حصل في سوريا، وهذا ما ركزت عليه مسودة القانون الجديد التي تجرم كل الانتهاكات".
وبموجب القانون الجديد، يضيف مصطفى: "سيجري تأسيس 5 دوائر قضائية، تبدأ عملها فور تشريع البرلمان لقانون العدالة، ويديرها قضاة معروفون بالحيادية والنزاهة، وسيتم تدريبهم، لتكون الدوائر المستحدثة متكاملة بدءً من خطوة العرض على النيابة وصولاً إلى محكمة النقض، تختص بمحاكمة مجرمي الانتهاكات كافة، من جرائم الحرب والابادة وصولاً إلى الجرائم الاقتصادية الكبرى التي تشمل نهب الأموال وغصب الأملاك".
ويؤكد رديف مصطفى التي ستكون لجنته المختصة بالمحاسبة والمساءلة، المتعاون الرئيس مع محاكم العدالة الانتقالية، باعتبارها لجنة قضائية، أن "الهيئة قد عقدت اجتماعات موسعة مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، كما وقفت على التجربة الراوندية، إلى جانب اطلاعها على الأرشيف الألماني ومسار تخليد الذاكرة الألماني، وغيرها من اللقاءات والتعاون مع العديد من الدول لدعم مسار العدالة وتعزيز شفافيتها ومشروعيتها القضائية".
محاكم تحت مظلة القضاء
بدوره يؤكد مدير العلاقات العامة في وزارة العدل أحمد الهلالي، أن المحاكمات الخاصة بمجرمي الانتهاكات بحق الشعب السوري من رموز وعناصر النظام البائد "ستجري عبر القضاء السوري، بالرغم من وجود مقترحات وآراء تدعو لتشكيل محاكم خاصة ضمن إطار العدالة الانتقالية".
ويوضح الهلالي في حديثه لـ"المدن" أنه " لا يوجد قانون نهائي معلن يخص العدالة الانتقالية، فالهيئة أُنشئت بمرسوم رئاسي، وليس بقانون تشريعي واضح، وبالتالي فإن اعتماد القانون رسمياً من قبل وزارة العدل وإدراجه ضمن القوانين السورية، يكون فور تشريعه من قبل أعضاء مجلس الشعب".
ويشير إلى أن التعاون بين الوزارة مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في سياق كشف السجون ومراجعة ملفات المعتقلين، باعتبار أن "الهيئة كيان مستقل إدارياً ومالياً، وغير تابعة لأي من فروع الوزارة".
قانون حماية دائم
ومن المتوقع أن يسد القانون الجديد الثغرات التي يعاني منها القانون السوري، وكانت مدخلاً لكثير من النقاشات حول مسار عمل الهيئة والآليات المتوقع اعتمادها، خاصة وأن سوريا ليست طرفاً في الاتفاقيات الدولية، مثل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أو اتفاقية الاختفاء القسري وغيرها من قبيل البروتوكول الإضافي لمناهضة التعذيب.
وهذا ما يتفق معه عبد الناصر خاني، مدير البرامج في المعهد السوري للعدالة، الذي اعتبر تشريع قانون العدالة والمحاسبة كجزء ثابت من المنظومة القانونية السورية، يمثل ضمانة دائمة للضحايا، ورسالة واضحة بأن سوريا بعد النزاع لن تسمح بالإفلات من العقاب، وأن حماية المدنيين لن تكون مجرد تعهد سياسي، بل نصاً قانونياً ملزماً يحاسب كل من يرتكب الجرائم، مهما كانت صفته أو الجهة التي ينتمي إليها.
ويقول: "مشروع قانون العدالة والمحاسبة ليس مسألة تقنية أو إجراء قضائي فحسب، بل هو خطوة تأسيسية في بناء دولة سورية جديدة قائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، لذلك فإن أهمية إدراجه ضمن التشريعات السورية، تتمثل في أنه يحدد بشكل واضح حقوق الضحايا، وآليات المساءلة عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة، ويضمن عدم ترك مصير العدالة رهناً بالتوازنات السياسية أو التوافقات المرحلية بعد سقوط النظام".
تؤكد خطوات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية انتهاء أهدافها الأولية، ونقلها ملف المحاسبة إلى البرلمان السوري المنتظر انعقاده، في الوقت الذي تزيد الدعوات الحقوقية والإنسانية بضرورة انضمام سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما لضمان ملاحقة مجرمي الحرب وعدم إفلاتهم من العقاب.
