في شقته الصغيرة وسط العاصمة، يجلس رغيد الطتري، الرجل الذي تحول لعقود إلى أسطورة غامضة، سجينٌ قيل إنه مات، ثم صار اسماً يُذكر في كتب التاريخ والصحافة من دون أن يُرى. بعد 43 عاماً قضاها في منظومة الاعتقال الأكثر قسوة في الشرق الأوسط، خرج أخيراً إلى الحرية. لكن المفاجأة ليست في خروجه، بل في نبرة التفاؤل الهادئة التي يتحدث بها عن مستقبل بلاده.
وفي حديثه لصحيفة "التايمز" البريطانية، يقول الطتري وهو في السبعين، بصوت منخفض ونظرات غائرة تُخفي حمولات أربعة عقود: "كنت سعيداً لا لنفسي بل لسوريا، التي تحررت أخيراً من مجموعةٍ من المجرمين المسلحين… أما نفسي فلم أعد أهتم بها كثيراً"، موضحاً أنه نجا طوال تلك السنوات عبر "إلغاء نفسه" قدر ما يستطيع: "كان عليّ أن أُخفي وعيي بذاتي. أن أتعامل مع نفسي كظلّ… هذا ما أنقذني".
الرفض الذي كلفه العمر
بدأت القصة في نوفمبر 1980، حين رفض الطتري، الطيار في سلاح الجو السوري، تنفيذ أوامر بقصف مدينة حماة خلال الانتفاضة ضد حافظ الأسد. وفرّ مع طيارين آخرين، لكنه عاد عندما علم أن النظام يهدد زوجته الحامل.
يقول: "كنت أعلم أنني سأُقتل. ولكن عندما صادفت ابني لاحقاً، كنت أقول لنفسي: رفضتُ قتل طفل يشبهه… وربما منحتُ ذلك الطفل فرصة ليذهب إلى المدرسة مع ابني".
من فرع المخابرات الجوية إلى سجن المزة، ثم إلى سنوات الرعب في سجن تدمر، حيث قتل سجناء أمامه، بينهم رفيق تحطم رأسه بحجر.
لكنه يصر: "لا أحب أن أتحدث عن التعذيب… تكراره هو إعادة عيشه. يجب أن نرويه مرة واحدة فقط، كي لا يتكرر".
ومع ذلك، يعترف أن العقدين الأولين كانا الأكثر قسوة، وأن إصاباته في تدمر هي ما جعلت خطواته اليوم بطيئة ومنحنية.
تحرّر بلا عناق… وخسارات لا تُحصى
في الساعة 3:30 فجراً، قبل عام، فُتح باب زنزانته فجأة: "أنت حرّ"، قال له السجّان. لم يكن هناك قرار رسمي، ولا محكمة، ولا ملف أصلاً. خرج الطتري إلى عالم فقد فيه كل شيء تقريباً: زوجته توفيت، ابنه يعيش لاجئاً في كندا، بيته صودر وبيعت معظم أجزائه لموالين للنظام، يقول: "أشعر بالذنب… أنجبتُ ولداً وحرمته من أب. لكنه يفهم، وهذا يخفف عني".
ويروي عن لقائه الأول بابنه عام 1997: "دفع أهلي رشوة كبيرة ليسمحوا بزيارة. حين دخل، شعرت أنني رأيت الحياة نفسها، لكنني كنت بلا قدرة على احتضانها".
تفكك النظام… ومشهد جديد لسوريا
خروجه لم يكن حدثاً فردياً. في اليوم نفسه، ومع انهيار حكم بشار الأسد، فُتحت السجون وأُطلق سراح آلاف السجناء. كان الطتري خلال سنواته الأخيرة في سجن طرطوس قد تقاسم الزنازين مع شخصيات من النظام نفسه قادة ميليشيات، وتجار مخدرات، ومسؤولون متورطون في صراعات داخل العائلة الحاكمة. يقول: "كنت أرى النظام وهو ينهار من الداخل. كانوا يتقاتلون على ما تبقى من السلطة والمال… لم يكن هناك دولة، بل عصابات".
عدالة معلّقة على إرث ثقيل
في الوقت الذي تعمل السلطات الجديدة على تحديد مواقع المقابر الجماعية التي تضم عشرات آلاف المفقودين. وينقسم السوريون بين العدالة والانتقام، يرفض الطتري الانتقام ويقدّم تفسيره الفلسفي الذي حافظ به على عقله لسنوات "كنت دائماً أفكر: أنا هنا لأنني اتخذت قراراً. أما الذين قُتلوا في بيوتهم، أو الذين اختفوا بلا سبب… فذلك ما كان يؤلمني. على الأقل ما تعرضت له لم يكن عبثياً".
ويرى الطتري أن المعضلة ليست سقوط النظام، بل سقوط "ثقافة الخوف"، ويروي أنه عندما عاد إلى منزله بعد 43 عاماً، سألته امرأة من الجوار بقلق عن سبب وجوده. قال لها: "أنا صاحب البيت… كنت معتقلاً". فتغيرت لهجتها فوراً إلى اللطف. ثم أدرك السبب: "ظنت أن السلطة الجديدة منحتني البيت… هذا هو الخلل. الناس تخاف من السلطة وتتماهى معها. يجب أن نتخلص من هذه الذهنية".
انظروا إلى الأطفال
بعد أربعة عقود من السجون، يلخص الطتري حكمته: "انظر إلى الرجل أمامك… ثم فكر في أطفاله. لا تصنع أعداء من أطفال الآخرين".
يبتسم ويضيف: "هؤلاء الأطفال سيكبرون… ولديهم وقت طويل للانتقام. إذا أردنا سوريا جديدة، يجب أن نكسر دائرة الكراهية قبل أن تبدأ".
