خلال عام كامل بعد سقوط نظام بشار الأسد؛ كان بريق الحدث السوري ساطعاً على مشهدية المنطقة برمتها، برُغم هوّل الكارثة التي حلَّت في غزَّة وفي جنوب لبنان من جراء تمادي العدوان الإسرائيلي. واستقطبت دمشق الاهتمام، لأن التغيير فيها طوى صفحة كانت تُكتب سطورها بأقلام محور الممانعة، وفتح صفحة مختلفة، يرسم عليها لاعبون جُدُد حبكةً جديدة، بخطوط متنوعة ومختلفة، عربية وغير عربية في آنٍ واحد، وغطت الأفراح مساحةً كبيرة من المأساة السورية المؤلمة، بينما كانت مساحة الأتراح واسعة وموجعة أيضاً.
الحملُ على الإدارة السورية الجديدة كان ثقيلاً، والهموم السورية الناتجة عن حروب ونكبات متعددة استمرَّت لسنوات عديدة؛ كانت أكبر من قدرة شخص واحد أو مجموعة أشخاص متجانسين على تحمُلها، فكيف إذا كان هؤلاء من فئة تعودت أن تعارض وتشاكس، وتُلقي المحاضرات التي تدفع بإتجاه التعبئة العقائدية "الفئوية" ذات التوجُّه المُتشدِّد، بينما إدارة بلاد غنية بالتنوع وقوية بالموقع وبالكفاءات كسوريا؛ يحتاج الى مهارات فائقة في حبكِ التسويات، وإدارة الحوار، وعدم الانزلاق في المهالك التي ينصبها الأعداء – خصوصاً إسرائيل – الجارة الجنوبية الّلدودة التي تضمُرُ الشر على الدوام.
هل يكفي الاستثمار بموبقات نظام الأسد لمواجهة الاستحقاقات الداهِمة؟
خلال العام المنصرم بكامله، جهدت الإدارة السورية الجديدة في الاستثمار بالمهالك التي أصابت سوريا والناتجة عن موبقات النظام البائد، وهي بطبيعة الحال كبيرة، ومتشعبة. لكن ذلك لم يكفِ لإقناع شرائح واسعة من الشعب السوري ومن أصدقاء البلاد وأشقائها، بحيث أن هؤلاء كانوا يتطلعون لإشراك الذين عارضوا الأسد وبذلوا التضحيات الكبيرة في سبيل انقاذ سوريا؛ في إدارة الدولة، وأملوا ترشيق العملية الانتقالية بشفافية وعدالة، والانتباه الى مسألة احتضان - ما يسمى بغير منطق - "الأقليات" وبأي ثمن، وحماية ساحات هؤلاء من فجور الحاقدين، او المتفلتين من القانون (كما يحلوا للإدارة الجديدة تسميتهم).
حققت الإدارة الجديدة منجزات دبلوماسية خارجية وازنة خلال العام المُنصرم، واستطاعت فكّ الحصار المُحكم الذي وضع حول سوريا في السنوات الماضية من جراء تجاوزات النظام السابق، وطاف الرئيس أحمد الشرع الى غالبية عواصم القرار مُرحباً به كما لم يحصل مع أي رئيس سوري سابق، وعادت سوريا الى المنتديات العربية والدولية على اختلافها، وآخر المُنجزات في هذا السياق؛ كان صدور قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2/12/2025 بغالبية 123 صوتاً، وهو دعا لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي لأراضي الجولان السوري حتى خط 4 حزيران/يونيو 1967، كذلك زيارة وفد ممثلي دول مجلس الأمن الـ15 الى دمشق وبيت جن الخميس الماضي، وتأكيدهم على وحدة سوريا وحفظ حقوق وسلامة كل مكوناتها.
إخفاقات كبيرة
لا يمكن القفز فوق الإخفاقات الكبيرة التي وقعت فيها الإدارة السورية الجديدة، وكان يمكن تلافي جزءاً كبيراً منها.
هي أهملت تنظيم حوار داخلي وازن مع مكونات الشمال الشرقي والساحل والسويداء، وأكتفت بالحصول على تأييد أغلبية شعبية من لونٍ واحد لها، وهو ما أثار امتعاض لا يستهان به عند الشرائح الأخرى. والسوريون الذين ذاقوا لوعة ممارسات النظام البائد؛ لم يتخلوا بغالبيتهم عن سِمة الانفتاح والتسامح والتطور التي يتحلون بها منذ القِدم، وبالتالي فهم تواقون للعيش في كنف نظامٍ يحترم التعدُدية والتنوع، يرتكز على القانون والمساواة بالمواطنة. والإدارة الجديدة لم تظهر في هذه الصورة العصرية، أو أنها سمحت للمتطرفين والمُتشددين دينياً بفرض رؤياهم على الشرائح الاجتماعية، بما يتعارض مع إرادة أغلبية وازنة من السوريين.
الحكومة الجديدة؛ فشلت في احتضان المكونات المجتمعية التي لا تنتمي الى الأكثرية "العربية السنية"، ودفعت هؤلاء للخوف جدياً من إبادة قد تطالهم في المستقبل، وقد طالتهم عمليات قتل شنيعة بالفعل، سواءً في الساحل أو في السويداء. ولا يكفي الاعتداد بمؤامرات خارجية حضَّرتها إسرائيل أو فلول النظام السابق للسماح بتجاوزات طالت الأبرياء، بينما ممارسات بعض المحسوبين على الحكومة خدمت مخططات إسرائيل الّلئيمة في جنوب سوريا تحديداً، ودفعت ببعض الخائفين لطلب حمايتها، وذكرُ ذلك لا يعني الغفران للمتعاملين مع العدو، ولا للذين ارتكبوا تجاوزات غير مقبولة من المعارضين للحكومة.
بعض الأمل ينبعث من جراء خطوات حصلت في المدة الأخيرة، ولا سيما بدء محاكمة المتهمين بجرائم ارتُكبت ضد المواطنين الأبرياء في الساحل، ولاحقاً في السويداء، كما في كشف مرتكبي عمليات خطف طائفي، كذلك توقيف قاتل ضحايا جريمة زيدل في حمص. أما التباين الواضح بين التوجهات العدوانية لرئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو، وبين رغبة الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في تحقيق استقرار بسوريا؛ فهو عامل هام يُبنى عليه ويبعث على التفاؤل، ويساعد الجهود العربية التي تدفع باتجاه التعافي في البلد المُنهك.
