بوتين في نيودلهي: كسر الضغوط الغربية وإعادة رسم التحالفات

وائل عوادالجمعة 2025/12/05
Image-1764881875
قمة بوتين ومودي حدث استثنائي في سياق جيوسياسي متقلب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تأتي زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند، في الرابع والخامس من كانون الأول/ ديسمبر، في لحظة دولية شديدة الحساسية تشهد إعادة تشكيل عميقة للنظام العالمي، بفعل الحرب الروسية–الأوكرانية، وتصاعد المنافسة الأميركية–الصينية، وتنامي دور القوى الإقليمية الصاعدة. وفي خضم هذه التحولات، تبدو موسكو ونيودلهي وكأنهما تعيدان ضبط بوصلتهما الاستراتيجية بحثاً عن هامش أوسع للمناورة يتيح لهما الحدّ من ضغوط القوى الكبرى وبلورة مسار ثالث أكثر استقلالية.

تعد هذه القمة الثنائية بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الروسي حدثاً استثنائياً في سياق جيوسياسي متقلب؛ إذ تُعد النسخة الثالثة والعشرين من سلسلة القمم الثنائية التي توّجت أشهراً من المشاورات رفيعة المستوى. فقد شهدت هذه الفترة اتصالات هاتفية متكررة بين الزعيمين، وزيارات متبادلة لمسؤولين بارزين من الجانبين، أبرزها زيارة وزير الخارجية الهندي سوبراهمانيام جايشانكار إلى موسكو للمشاركة في اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون وإجراء مباحثات ثنائية مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، إضافة إلى زيارة مستشار الأمن القومي أجيت دوفال ولقائه بالرئيس بوتين، علاوة على زيارة مودي إلى موسكو في تموز/ يوليو خلال القمة السنوية الثانية والعشرين.

 

ضغوط أميركية

وتنعقد هذه القمة فيما تتزايد الضغوط الأميركية على نيودلهي لتقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، وهو ما ألقى بظلاله على العلاقات الثنائية وفرض على الهند التعامل بحذر مع شبكة معقدة من العقوبات وسياسات الطاقة، خصوصاً مع استعدادها لاستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال قمة الرباعية المقبلة. وفي ظل هذا المشهد المترابط، فإن هذه القمة بين مودي وبوتين تشكّل محطة مفصلية سوف تسهم في إعادة رسم التوازنات الاستراتيجية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وربما واحدة من أهم القمم بين البلدين خلال العقد الأخير.

هذه القمة لا تُقرأ كبروتوكول دبلوماسي اعتيادي؛ بل باعتبارها حلقة مفصلية في إعادة بناء تحالف تاريخي يواجه اليوم عقداً من التحوّلات الجذرية. بالنسبة إلى موسكو، فإن العلاقات الاستراتيجية مع الهند تمثل خياراً أساسياً لتوسيع ممراتها الاقتصادية والاستراتيجية بعيداً عن الاعتماد الكامل على الصين. فالهند، بقوتها الديمغرافية والاقتصادية، تشكّل شريكاً مثالياً يسمح لموسكو بتحقيق توازن شرقي دون الوقوع في تبعية لبكين.

على الصعيد العسكري، مع تقلص أسواق السلاح الروسية في أوروبا وتراجع قدرات التصدير بفعل العقوبات، تُعد الهند زبوناً استراتيجياً يُعوّض جزءاً من هذا الانكماش. وتدرك موسكو أن إغراء نيودلهي لا يقتصر على بيع منظومات جاهزة، بل يشمل نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، بما يتوافق مع طموحات برنامج "صنع في الهند". وهذا ما دفع بوزيري دفاع البلدين لعقد اجتماعات مكثفة لابرام صفقات عسكرية ضخمة. أضف إلى ذلك أن هذه الصفقات ستدفع بروسيا لتعزيز أنظمة الدفع البديلة، مثل الربط بين SPFS الروسي وUPI  الهندي، وبناء شبكات اقتصادية مستقلة عن الدولار والبنية التحتية الغربية، لتفادي قيود العقوبات.

 

تجنب الابتزاز السياسي

من جانبها، تسعى الهند للحفاظ على استقلالها الاستراتيجي وسط الضغوط الأميركية المتزايدة؛ إذ تريد تنويع مصادر الطاقة والسلاح لتجنب الابتزاز السياسي. فالاعتماد على أسواق الشرق الأوسط وحدها يُعد مخاطرة، في حين توفر روسيا نفطاً بأسعار مخفضة وشروط محسّنة، ما يعزز أمنها الطاقوي. وفي الوقت نفسه، تحرص نيودلهي على الحفاظ على شراكتها مع الولايات المتحدة، شريكها التكنولوجي الأكبر، دون التنازل عن استقلالها الاستراتيجي التاريخي.

من منظور استراتيجي أوسع، تُعيد القمة تشكيل أبعاد الشراكة الروسية–الهندية بما يتجاوز العلاقات التقليدية بين مورد وسوق أو حليف عسكري. فموسكو تبحث عن شريك يمنحها حرية المناورة في مواجهة الضغوط الغربية، بينما تسعى نيودلهي لضمان استقلالها الاستراتيجي في مجالات الأمن والطاقة والتكنولوجيا. وفي هذا الإطار، يصبح نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك أكثر من مجرد اتفاقيات تجارية، إذ يمثلان ركيزتين أساسيتين لبناء علاقة مستدامة تُعزز القدرات الدفاعية والاقتصادية للطرفين، وتحدّ من المخاطر الناجمة عن الاعتماد الأحادي على أي قوة كبرى.

تأتي هذه القمة إذاً في لحظة مفصلية، حيث يمكن أن تُترجم خطوات التعاون المستقبلية—من تصنيع مشترك للمقاتلات إلى تحديث منظومات الدفاع الجوي وتطوير الغواصات النووية التكتيكية—إلى إطار عملي يرسخ استقلالية الهند الاستراتيجية ويمنح روسيا شريكاً موثوقاً على المدى الطويل. وسيكون نقل التكنولوجيا أداة الإغراء المركزية التي تحاول موسكو من خلالها تحقيق هذا التوازن الدقيق.

ووفق مسؤولين هنود تحدّثوا في جلسات خاصة، فإن "القمة هذه المرة ليست لقاءً بروتوكولياً، بل إعادة صياغة للتحالف بعيون القرن الحادي والعشرين"، خصوصاً أن الأشهر الستة الماضية من التبادلات رفيعة المستوى بين البلدين كانت بمثابة "بروفة سياسية" لما سيحمله بوتين في جعبته إلى نيودلهي.

 

تحالف متعدد الأبعاد

لم تعد طموحات البلدين محصورة في التعاون الدفاعي أو تجارة الطاقة، بل تتجه نحو بناء تحالف متعدد الأبعاد يشمل:

  • شراكات تكنولوجية متقدمة في الدفاع والفضاء والذكاء الاصطناعي.

  • تعزيز التعاون في البنية التحتية والطاقة والنقل عبر القطب الشمالي.

  • تطوير مسارات مالية وتجارية تتجنب تأثير العقوبات الغربية.

  • توسيع الدور الهندي في المنصات الإقليمية التي تقودها موسكو مثل منظمة شنغهاي للتعاون.

هذا التوجه يعكس إدراكاً مشتركاً بأن مستقبل التوازن الدولي سيتطلب بناء "شراكات مرنة" وليس تحالفات مغلقة، وهو ما يتناسب مع المقاربة الهندية القائمة على "التعددية المحسوبة" ومع السعي الروسي لتوسيع خياراته خارج الغرب.

 

الطاقة النووية

ومع تجدد التركيز العالمي خلال قمة المناخ الجارية على التحول المبكر نحو مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات، تبدو الطاقة النووية المدنية مرشحة لتكون إحدى أهم أولويات قمة مودي–بوتين. فقد أصبحت محطة كودانكولام للطاقة النووية، أكبر مشروع للطاقة النووية في الهند، رمزاً بارزاً للشراكة الهندية–الروسية في البنية التحتية الاستراتيجية.

 

خلاصة القول

تشكل القمة المقبلة بين مودي وبوتين اختباراً لقدرة البلدين على تحويل شراكتهما التقليدية إلى هندسة استراتيجية جديدة تراعي التوازنات الدولية المتغيرة. وفي الوقت الذي تواصل فيه الهند السير على خيط رفيع بين واشنطن وموسكو، فإن نجاح القمة قد يضع أسساً لتحالف مرن قادر على الصمود أمام التحديات—من ضغوط الطاقة والعقوبات إلى التحولات العميقة في النظام الدولي. وبالتالي يمكن القول بأن زيارة بوتين إلى الهند ليست حدثاً دبلوماسياً عادياً… بل فصل جديد في إعادة هندسة ملامح النظام الدولي. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث