كشف تحقيق استقصائي عن وفاة أكثر من 10 و200 معتقل سوري في سجون نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، معظمهم ما بين العامين 2015 و2024، وذلك بالاستناد إلى 134 ألف وثيقة استخباراتية بحجم بيانات يصل إلى نحو 243 جيغابايت.
وثائق لـ3 عقود
وتعود الوثائق إلى استخبارات القوى الجوية، ومديرية المخابرات العامة، وجهات أمنية أخرى، مدرجة على لوائح العقوبات الدولية، حيث تمتد هذه الوثائق على مدى أكثر من ثلاثة عقود، من منتصف العام 1990 حتى كانون الأول/ديسمبر 2024.
وتتضمن التسريبات مذكرات داخلية وتقارير واتصالات تكشف عن العمليات اليومية لشبكة المراقبة والاعتقال التابعة لنظام الأسد المخلوع، كما تُظهر التنسيق مع حلفاء أجانب مثل روسيا وإيران، والتواصل مع وكالات الأمم المتحدة العاملة داخل سوريا.
وكشفت الوثائق التي حصلت عليها هيئة الإذاعة الألمانية (NDR)، التي شاركتها مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ)، عن كيفية عمل أجهزة الأمن التابعة للأسد وعلاقاتها مع حكومات أجنبية ومنظمات دولية.
ولفت التحقيق إلى أن (NDR) و(ICIJ) و20 مؤسسة إعلامية شريكة من 20 دولة أكثر، عملت من ثمانية أشهر في تنظيم وتحليل الوثائق، واستشارة خبراء، ومقابلة عائلات سورية لا تزال تبحث عن أحبائها الذين اختفوا في عهد الأسد.
وتحتوي الملفات المسربة بيانات حساسة، تشمل أسماء ضباط سابقين في أجهزة الاستخبارات السورية، وأكثر من 70 ألف ملف وصورة، من ضمنها أكثر من 33 ألف صورة عالية الدقة، توثق وفاة أكثر من 10 آلاف و200 معتقل معظمهم ما بين عامي 2015 و2024.
وتُظهر الوثائق والصور، التي التقطها مصورون عسكريون، جثث المعتقلين مرقمة ومصنفة، بعضها عارٍ ويظهر عليها آثار تجويع وتعذيب، إضافة إلى تنسيق أجهزة الأمن السورية وحلفاء مثل روسيا وإيران، وارتباطات مالية بشركات أمنية موالية للنظام تلقّت أكثر من 11 مليون دولار من وكالات تابعة للأمم المتحدة.
دولة ممنهجة للاعتقال
وتؤكد الوثائق على سياسة دولة ممنهجة للاعتقال الجماعي والإعدام في عهد نظام الأسد، والذي اعتقل وأخفى قسرياً ما لا يقل عن 160 ألف سوري خلال قمعه للثورة السورية.
ووفق التحقيق المعروف باسم "ملف دمشق"، فقد حول مسؤولو النظام المخلوع قيمة الإنسان إلى مجرد أوراق، إذ أن معظم شهادات الوفاة التي وقعها أطباء في مستشفيي حرستا وتشرين العسكريين، حيث نُقل ضحايا التعذيب، أدرجت سبب الوفاة على أنه "توقف قلبي تنفسي" أو "توقف قلب".
وبحثت العائلات بعد سقوط الأسد، في السجون والمشارح عن آثار أقربائهم المفقودين، فحصوا كتابات على جدران الزنازين، ونبشوا مقابر جماعية، وقارنوا بقايا ملابس، غالباً دون الحصول على إجابات.
وأشار التحقيق إلى أن كل ملف يمثّل عائلة تُركت تتساءل، حياة أُزيلت، ونظاماً صُمم لإخفاء القتل الجماعي خلف واجهة بيروقراطية، فيما قدمت فرق التحقيق من خلال قاعدة البيانات هذه أدلة لعائلات حول مصير أقربائهم.
وأكد أن الصور المسربة هي أكبر مجموعة من صور معتقلي النظام السوري حصل عليها صحافيون، حيث التُقطت على يد مصورين عسكريين، وتُظهر معتقلين قضوا في مستشفيات وسجون النظام، جُهزت جثثهم بأرقام وسُجلت بدقة بيروقراطية، بينهم الناشط المعروف مازن الحمادة.
آثار تجويع
وأظهرت التحليلات أن معظم الضحايا بدت عليهم آثار تجويع وأذى جسدي، وكثير منهم كانوا عراة، كما تُظهر الصور أن الجثث، كانت تُنقل وتُصور وتُوثق، بعد الوفاة.
وأشار التحقيق إلى أن رقم المعتقل كان يوضع غالباً على بطاقة بيضاء فوق الجثة، أو يكتب بعلامة على الذراع أو الساق أو الجذع أو الجبهة، أو أُضيف على الصورة رقمياً. التقط المصور العسكري، مرتدياً حذاء مطاطياً أو غطاء جراحي، صوراً للجثة من عدة زوايا، ثم خزنها في مجلدات رقمية منظمة بدقة.
وعلم الفريق أن هذه الصور قُدمت بشكل مستقل للسلطات الألمانية، التي تقود جهود ملاحقة أفراد سابقين في نظام الأسد، وتحتفظ بها حالياً "المؤسسة السورية للدراسات والأبحاث القانونية"، وهي منظمة غير حكومية ألمانية توثق انتهاكات حقوق الإنسان.
وتمكن القائمون على التحقيق من استخراج أسماء الضحايا مع ثلاث جهات لمساعدة العائلات في التعرف على أقربائها المفقودين.
