أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طرح مطلب إنشاء "منطقة خالية من السلاح" تمتد من دمشق حتى الحدود مع إسرائيل، مع تركيز خاص على جبل الشيخ، وذلك خلال تصريحات متلفزة حملت طابعاً استباقياً واضحاً قبيل لقاء مرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض.
وشدد نتنياهو على "الالتزام بحماية الدروز"، و"الحفاظ على أمن إسرائيل من أي تهديد بري"، مُضيفاً أن الحل مع سوريا "ممكن بالتفاهم والروح الطيبة، شرط التمسك بالمبادئ".
التصريحات لم تُقدَّم كاقتراح تفاوضي، بل كشرط مسبق لتفاهم محتمل، ما يجعلها أقرب إلى مناورة استراتيجية تُعبّئ فيها إسرائيل ملف الحدود السورية لطرحه على طاولة ترامب خلال زيارة نتنياهو المرتقبة إلى البيت الأبيض.
ما وراء التوقيت والصيغة
ويرى مراقبون، أن توقيت المناورة ليس اعتباطياً، فمع إعلان الإدارة الأميركية عن مراجعة شاملة لسياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط، وبروز مؤشرات أولية على انفتاح أميركي متحفظ تجاه دمشق (خاصة في الملفات الاقتصادية والأمنية غير المباشرة)، بادر نتنياهو إلى تثبيت خط أحمر مُبكّر: أي تطبيع أو ترتيب أمني مع سوريا يجب أن يمر عبر إسرائيل أولاً.
الملاحظ في الصيغة الإسرائيلية ارتفاع سقفها إلى مطلب جيوستراتيجي: منطقة منزوعة السلاح تمتد لأكثر من 60 كيلومتراً داخل العمق السوري، أي أبعد بكثير من اتفاقية فك الاشتباك عام 1974 التي حددت منطقة مراقبة بعمق لا يتجاوز 25 كم من الخط الأزرق.
هذا التمدد يتجاوز حدود "المنطقة العازلة" التقليدية، ويُعيد تعريف مفهوم "الأمن" الإسرائيلي ليشمل سيطرة غير مباشرة على قرار عسكري سوري في قلب هضبة الجولان المحتلّة وصولاً إلى محيط دمشق.
كما أن الإشارة إلى "الدفاع عن الدروز" لا تُقرأ فقط في سياق حماية المجتمع الدرزي في الجولان، بل تحمل تلميحاً سياسياً إلى إمكانية استخدام أي توتر في جبل الدروز (الذي يتمتع بحساسية ديموغرافية واستراتيجية) كذريعة تدخل.
التداعيات المحتملة على سوريا
على المستوى السوري، قد لا تُثير التصريحات استجابة رسمية فورية، فالحكومة السورية تُبقي ملف الحدود مع إسرائيل ضمن دائرة "القضايا السيادية غير القابلة للمساومة"، لكنها في المقابل، تتعامل معها عملياً بسياسة "الاحتواء الهادئ"، خصوصاً في ظل أولويات إعادة الإعمار وعدم استفزاز القوى الدولية.
وحول ذلك، قال الكاتب والمحلل السياسي، فراس السقال في حديث لـ"المدن": "ما يطرحه نتنياهو اليوم لا أظنه أمراً جديداً أو مستهجناً، فهو يأتي في لحظة ضعف داخلية، يحاول فيها تصدير أزمته، لا سيما بعد ما شهده من احتجاج عالمي واسع على ممارساته الوحشية في غزة، فهذا الإنسان في كل تاريخه يعتاش على الحروب والدماء والتوترات وإشعال النيران، وطلبه في إقامة منطقة عازلة من دمشق حتى جبل الشيخ يعكس القلق الإسرائيلي بشكل جدي من تغيّر موازين الجنوب السوري بعد التطورات الأخيرة".
وفي رد على سؤال: "هل يستطيع فرض المنطقة العازلة؟" أوضح السقال قائلاً: "لا أرجح قدرته على فرض ذلك الأمر ولأسباب عدة: فالمنطقة العازلة لن تُفرض إلا بضوء أخضر أميركي، وتوافق روسي، إضافة - وهو الأهم - إلى بنية وبيئة سورية داخلية هشّة، وأيضاً الحياد التركي وعدم تدخله في سوريا، فهذه الأمور الأربعة غير متوفرة في الوضع السوري الحالي، فأميركا في كل يوم ترسل ثناءها وتقديرها للقيادة السورية، وكذلك تعد بزيارة ترامب لسوريا، وأرى أن واشنطن تميل إلى التهدئة والسلام والانفتاح على دمشق. وبذلك لن يحظى نتنياهو بتفويض من ترامب يجر المنطقة إلى أزمة جديدة".
وتابع: "أما روسيا فتبحث الآن عن توافق ومياه هادئة في الشرق الأوسط، ولا تريد التخلّي عن قاعدة حميميم العسكرية في الساحل السوري، وهذا لن يكون إلا برضى القيادة السورية، في حين أن البنية السورية والشعب السوري هو قلباً وقالباً مع قيادته، ولن يقبل بالتنازل عن حقّ بلاده في حماية نفسه، والاشتباكات الأخيرة في بيت جن دليل واضح على رفض الشعب السوري لما تريده إدارة نتنياهو، إضافة إلى أن تل أبيب في حالة توتر وتوجس حذر من أنقرة، لاسيما من رغبة القيادة السورية وأنقرة في توقيع اتفاقية الدفاع المشترك وهذا يعيق ما يحلم به نتنياهو".
وأشار إلى أن الضغط الإسرائيلي على دمشق يمكن أن يُولّد رغبة سورية سيادية وشعبية في تعزيز تواجدها العسكري أكثر في الجنوب السوري، حسب تعبيره.
وختم بالقول: "ما يصدر من تصريحات عن نتنياهو هو مناورة إسرائيلية لرفع سقف المطالب لا أكثر، فنتنياهو يريد مكسباً سياسياً فقط، وترامب يريد استقرار المنطقة. وسوريا لن تقبل منطقة عازلة بأيّ شكل من الأشكال".
ترامب بين دعم نتنياهو وحسابات الواقع في سوريا
في ولايته الأولى، قدّم ترامب دعماً غير مسبوق لنتنياهو: الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، نقل السفارة، الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، وإغلاق مكتب التفاوض الفلسطيني في واشنطن. لكن الوضع تغير منذ 2021.
اليوم، لا تتعامل الإدارة الأميركية مع سوريا كحالة "معادية" بالكامل، فهناك اعتراف ضمني بأن الاستقرار السوري (ولو جزئياً) يخدم مصالح أميركية في مكافحة التهريب، واحتواء النفوذ الإيراني غير المباشر، وتأمين حدود مع الأردن ولبنان، ولهذا، فإن الانفتاح الأميركي على سوريا ليس "تطبيعاً"، بل "إدارة أزمة" واقعية.
السيناريو الأرجح في ظل موقف الإدارة الأميركية من دمشق، هو حصول إسرائيل على ترتيب أمني ميداني، وليس اتفاقاً سياسياً.
وفي هذا الجانب، قال الدكتور أنس البو، مستشار وخبير في القانون الدولي، في حديث لـ"المدن": "إن ما قاله بنيامين نتنياهو بشأن إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية ليس جديداً، لكنه يأتي اليوم في سياق مختلف تماماً، فمن الواضح أن نتنياهو يحاول استباق أي تفاهمات أميركية سورية قد تتبلور قريباً، مستفيداً من اللحظة الانتقالية التي تعيشها المنطقة، وهو يدرك أن خريطة النفوذ في سوريا تتغير، وأن دمشق تتجه تدريجياً نحو استعادة دورها الإقليمي ولذلك يريد وضع (خطوط حمراء) مسبقة قبل أن تتضح ملامح المرحلة المقبلة".
وأضاف: "جوهر المناورة الإسرائيلية واضح: فنتنياهو يريد عمقاً أمنياً واسعاً داخل سوريا، وليس (منطقة خالية من السلاح) فقط، وهذا الطرح مغلف بحديث تقليدي عن حماية الدروز ومنع أي تهديد حدودي، لكنه بالأساس محاولة لإعادة إنتاج سياسة (الأمن الوقائي) التي اعتمدتها إسرائيل لعقود".
ورأى أنه: "من غير المرجح أن يحصل نتنياهو على ما يريد، فالمرحلة الحالية تتجه نحو إعادة تثبيت سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها، والمجتمع الدولي بما فيه الولايات المتحدة يريد استقراراً طويل الأمد، وليس ترتيبات أمنية مفروضة من طرف واحد، في حين أن الطرف الوحيد القادر على فرض أي صيغة داخل سوريا هو السوريون أنفسهم، ضمن تفاهمات دولية لا يمكن لإسرائيل أن تتجاوزها، ولذا فإن ما يفعله نتنياهو هو مناورة سياسية موجهة للرأي العام الإسرائيلي قبل أي شيء آخر، أكثر من كونه مشروعاً قابلًا للتنفيذ، فسوريا اليوم ليست سوريا قبل عشر سنوات والملف يتجه نحو تفاهمات إقليمية ودولية أوسع، لا نحو مناطق عازلة داخل الأراضي السورية، وما يمكن لإسرائيل الحصول عليه في أفضل الأحوال هو ترتيبات أمنية بضمانات دولية وليس منطقة تُفرَض من جانب واحد".
مناورة نتنياهو ليست محاولة حقيقية للتفاوض مع سوريا بقدر ما هي محاولة لفرض جدول أعمال على الإدارة الأميركية المقبلة، وتحديد سقف لأي ترتيبات إقليمية قد تشمل دمشق، إضافة إلى أنها رسالة إلى واشنطن: "إذا أردتم الانخراط مع سوريا، فنحن جزء لا يتجزأ من المعادلة".
