عملية كناكر: مسارات تتجاوز تنظيم داعش والجماعات الإسلامية

مهيب الرفاعيالخميس 2025/12/04
Image-1764865048
عملية كناكر تدفع باتجاه إدراك أعمق لطبيعة البنية العسكرية في البلدة (الداخلية السورية)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تسمح لنا القراءة الدقيقة للمشهد الذي كشفته العملية الأمنية المشتركة بين وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات السوري، في بلدة كناكر، بالتعامل مع الحدث بوصفه مجرد تفكيك لخلية تابعة لتنظيم "داعش"، ولا بوصفه ضربة محدودة لجيوب متطرفة تمتد بين الجماعة الاسلامية وخلايا لحزب الله وإيران على حد سواء، كانت تعمل في الظل؛ بل تدفع باتجاه إدراك أعمق لطبيعة البنية العسكرية في البلدة، والمنطقة المحيطة بها.

تشير هذه العملية إلى طبيعة الفصائلية التي تشكّلت في البلدة في المدة بين 2012 و2018، والانشقاقات الفصائلية، وتمدّد الجماعات الإسلامية، وتحول المجموعات المسلحة المحلية إلى وحدات أمنية موازية، بحيث أصبحت كناكر نفسها أشبه بفضاء مفتوح يتشابك فيه السلاح القديم مع الاقتصاد الأمني الجديد، وتتشابك الفصائلية المتوارثة مع الخلايا الجهادية المتحولة، ما جعل البلدة بيئة مركّبة لا تُختزل بتنظيم واحد ولا تُدار بمنطق واحد، بل تبدو كقوس طويل من الفاعلين الذين يختلفون في الولاء ويتقاطعون في السلاح.

 

 كناكر في المسار العسكري

بلدة كناكر واقعة في مسار مهم جداً من العمل الأمني والعسكري في الريف الجنوبي الغربي من البلاد، فهي محاطة بمجموعة كبيرة من القطع العسكرية التابعة للفرقة السابعة والفرقة الأولى من جيش نظام الأسد، ومحاطة بألوية مثل اللواء 121 ميكا و90 مشاة  جبهة؛ وبفرع سعسع 220 - أمن عسكري سابقاً - الأمر الذي جعلها بيئة ينشط فيها السلاح واقتصاد التسليح الموازي. 

جغرافياً، أدى انفتاح البلدة على مناطق سهل جبل الشيخ شمالاً و ريف القنيطرة غرباً و ريف درعا جنوباً (مثلث الموت)؛ إلى جعل البلدة ممراً للفصائل والجماعات الإسلامية الجهادية المعتدلة منها والمتطرفة، والشيعية والسنية على حد سواء. لا تشير  المضبوطات، من ألغام مضادة للدروع خارجة من مستودعات هندسة نظامية، وعبوات "TNT" ذات منشأ عسكري مباشر (حصلوا عليها من اللواء 121 وكتيبة الدفاع الجوي في القصاري والحواجز المحيطة بالبلدة)، وصواعق تفجير ميكانيكية وكهربائية أصلية، وقاذفات "RPG"، ورشاشات "PKC"، وسيور رصاص، وقنابل متنوعة، وصولاً إلى قطع سلاح مفككة وأخرى معدة للتعديل أو التهريب، إلى سلسلة إمداد واحدة أو بنية تنظيمية مفردة، بل تعكس تعددية هائلة في مصادر السلاح، وتنوعاً في أنماط التهريب والتخزين، ووجود إرث طويل من التشكّل العسكري لم يختفِ في لحظة التسوية التي نفذتها فصائل المعارضة من قبيل ألوية الفرقان وأحرار الريف الغربي وألوية السبطين وأجناد الشام، وامتداد لجيش الإسلام العامل في الغوطة الشرقية وغيرها، بل دخل في حالة سبات يختزن كل ما تركته سنوات الصراع من مهارات ومخزونات وارتباطات سرّية بين المجموعات.

 

تعدد الولاءات

لم تكن كناكر، قبل إجراء "المصالحة الوطنية" عام  2018، والتي أعلنها نظام الأسد بالتنسيق مع القوات الروسية، مجرد بلدة تحمل ولاءً واحداً أو تصطفّ خلف فصيل واحد تابع للمعارضة السورية المسلحة حينها؛ وكانت فضاءً تمرّ فيه قوى متعددة الهوية والاتجاه؛ فيها فصائل ارتبطت بأجناد الشام، وأخرى توزعت بين كتائب شهداء الإسلام، بينما احتفظت مجموعات سلفية محلية بصلاتها بهيئة تحرير الشام سابقاً عبر خطوط قريبة من بيت جن والقنيطرة، ومع الوقت ظهرت مجموعات صغيرة بايعت داعش أو نسّقت لوجستياً معه دون إعلان، و تبنت دعماً سياسياً  وإعلامياً من حزب التوحيد الذي نشط في البلدة في المدة بين 2012 و2016، لتتحول البلدة إلى فسيفساء أمنية جرى تعليقها فوق تسوية هشة مع نظام الأسد، ولم تُعالج جذور البنية الفصائلية، ولم تُفكك شبكاتها، بل أبقت هذه الجماعات في حالة تجمّد تنظيمي دون تفكيك البنية الداخلية التي تشكلت خلال الحرب.

بعد برنامج المصالحة، انخرط شباب من البلدة بعدة أنماط امنية تبدأ من التطوع في المخابرات العامة، الانتساب إلى كتائب حزب الله، التطوع في اللواء الثامن الذي تشرف عليه القوات الروسية في قاعدة حميميم وقواعد الجنوب السوري، الانخراط في المخابرات العسكرية والسيطرة على الحواجز المحيطة بالبلدة؛ وبالتالي لديهم معرفة واسعة بآليات دخول وخروج السلاح من وإلى البلدة. وقد أسهمت هذه التعددية الفصائلية في جعل البلدة بيئة مثالية لإيواء السلاح وإخفائه وتدويره، ليس لصالح  الجماعة الإسلامية أو تنظيم داعش او خلايا حزب الله فقط، بل لصالح كل شبكة مسلّحة استطاعت الحفاظ على جزء من آلياتها التنظيمية أو رغبت بشكل أو بآخر باستدامة وجودها في المنطقة الجنوبية الغربية. يعود هذا لكون كناكر تمتلك ذاكرة قتال صلبة ضد نظام الاسد، وتاريخاً متراكماً من التهريب عبر الأراضي الوعرة المتصلة مع الهبارية ودير ماكر، وخبرة في التعامل مع السلاح منذ اللحظة التي تمددت فيها خطوط التهريب بين درعا والقنيطرة وريف دمشق الغربي، وهي الخطوط التي مهّدت لعمليات واسعة استهدفت مستودعات اللواء 68 في خان الشيح، واللواء 121، ومستودعات سعسع وقطنا، إضافة إلى مواقع الفرقة الرابعة، مما خلق خلال الأعوام 2012–2016 سوقاً سوداء ضخمة تسربت عبرها كميات هائلة من الألغام والذخائر من المستودعات النظامية إلى البيئة المحلية، ومنها إلى كناكر التي كانت تُستخدم كممر ومخزن ووسيط في الوقت ذاته.

 

نقطة التقاء مسارات السلاح

ويؤكد تحليل طبيعة الألغام المضبوطة، والذخائر الثقيلة، والصواعق العسكرية الأصلية، بصورة قطعية أن جزءاً من السلاح الذي جرى ضبطه مرتبط بشكل عضوي بالمستودعات النظامية التي جرى تخزينها  في السنوات الأولى للثورة السورية، وثم الأسلحة والذخائر التي نُهبت خلال عملية ردع العدوان وليلة سقوط النظام وجرى تخزينها وبناء اقتصاد عليها. وبالتالي، فإن هذه الذخائر انتقلت عبر مسارات تهريب متعاقبة، وتناقلتها أجيال مختلفة من الفصائل، قبل أن تستقر في شبكة تمتد جذورها إلى بقايا مجموعات إسلامية وخلايا جهادية، وهذا يفسر السبب الذي يجعل البلدة لا تُصنَّف اليوم كفضاء نظيف من السلاح، بل كحيّز ما زال يحتفظ بكل ما خلّفته الحرب في بنيته الاجتماعية والعسكرية.

وتشير المعطيات بوضوح إلى أن تنوع الهويات الفصائلية داخل البلدة كان عامل حماية لداعش عند دخوله إليها بصورة لوجستية؛ إذ لم يكن التنظيم بحاجة لإعلان وجوده أو بناء بنية مستقلة، بل كان قادراً على الذوبان داخل النسيج القائم، مستفيداً من خبرات المهندسين السابقين في الفصائل الإسلامية المعارضة التي عملت في القنيطرة ودرعا، ومن شبكات تهريب وتمويل مرتبطة بمجموعات محلية لا تتحرك بدافع أيديولوجي بل بدافع اقتصادي، ومن أفراد ينتمون إلى فصائل قديمة ما زالوا يحتفظون بمخازن خاصة أو بقدرة على تداول السلاح بعيداً عن الرقابة، إضافة إلى الفراغات الأمنية التي نشأت بسبب تداخل نفوذ الأمن العسكري مع الفرقة الرابعة والمخابرات الجوية التي كانت تابعة لنظام الاسد، ما أتاح وجود مساحات رمادية لا تخضع لضبط مركزي فعّال.

وبذلك تصبح كناكر بلدة ذات طابع هجيني يصعب وضعها في خانة واحدة؛ فهي ليست بلدة داعش، وليست بلدة موالية لنظام الاسد، وليست بلدة فصائلية محضة، بل فضاء انتقالي بين ثلاثة عوالم تتعايش وتتقاطع؛ تنتقل من عالم الفصائل الإسلامية التي تقلّص نفوذها العلني لكن خبراتها بقيت حية، وعالم التهريب الذي نما كاقتصاد موازي يتغذى على الفوضى و تنوع الولاءات، وعالم الخلايا الجهادية التي تعلمت أن البقاء يحتاج إلى العيش داخل أنسجة اجتماعية لا تُدار بقبضة أمنية مغلقة.

 

من كناكر إلى جنوب لبنان

اعتقال ثلاثة أشخاص من البلدة من المنتمين إلى تنظيمات إسلامية عنيفة ومتشددة، في عملية هي الثالثة من نوعها وضخامتها (كانت سبقتها عمليتان أمنيتان في تموز/يوليو وفي أيلول:سبتمبر 2025) مؤشر قوي على وجود تدريب وتنسيق لهذه الجماعات ضمن البلدة؛ ويديرون هذا التسليح وفق مسارات تقليدية (تخزين في المحال التجارية وأقبية المنازل) مستغلين غياب الوجود الأمني الفعلي للدولة السورية في البلدة، إذ أن الأمن فيها محلي من أبناء البلدة بعد رفض أهاليها وجود الأمن العام فيها كنقاط رئيسية. وإذا عدنا إلى تفاصيل السلاح المضبوط، فسنجد أن كمية الألغام ومعدات التفخيخ ومواد الهندسة العسكرية لا تشير إلى نشاط تفجيري معزول، بل إلى سلسلة إمداد كاملة تشمل التخزين طويل الأمد، وإعادة تأهيل السلاح، وتصنيع العبوات، وتوفير المواد الخام، وربما إرسال جزء من العتاد نحو الجنوب ضمن شبكة تمتد من كناكر ودرعا والقنيطرة وصولاً إلى القلمون وجنوب لبنان. وهذا يعني أن البلدة لم تكن مركز تنفيذ عملياتي فقط، بل مركز عبور وتغذية وتزويد وتوضيب، ما يجعلها عقدة لوجستية لا يمكن النظر إليها بمعزل عن جغرافيا الجنوب التي ما زالت تملك القدرة على إعادة إنتاج التهديد.

ولذلك، فإن ما جرى كشفه لا يمثل مجرد مستودع تابع لتنظيم متطرف، بل يمثل خريطة سلاح متراكمة تشكل ذاكرة عقد كامل من الصراع، جرى فيها تسرّب السلاح من الجيش إلى الفصائل إلى المهربين إلى الخلايا، في عملية تدوير مستمرة سمحت لداعش بالعودة إلى الهامش اللوجستي دون الحاجة لبناء مركز صلب. 

كناكر ليست نقطة تمرّد تنظيم واحد، بل بنية مركّبة تجمع بين التدين المسلح، والاقتصاد الأمني، وبقايا الفصائل، وشبكات التهريب، وتعدد الأجهزة، وهي بذلك تمثل نموذجاً مكثفاً لكيفية إعادة تشكل الجهادية داخل بيئات التسوية التي لم تُفكك جذور الصراع ولا جمعت سلاحه القديم ولا أغلقت طرقه، ما يجعلها بيئة مثالية لعودة الخلايا في اللحظة التي يلتقي فيها السلاح المتناثر مع الخبرة المتوارثة ومع الفراغ الأمني المتشكل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث