بدون أي مقدمات، تفاجأ العراقيون اليوم بتداول مواقع التواصل قراراً صادراً عن الحكومة العراقية قبل نحو أسبوعيين، يقضي بتصنيف جماعة حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن، "جماعات إرهابية".
القرار نشرته جريدة الوقائع العراقية الرسمية، في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وهي الصحيفة الرسمية التي تعني بنشر كل القرارات الصادرة عن الحكومة العراقية، ويُعتبر نشر القرارات في هذه الصحيفة ايذاناً بدخولها حيز التنفيذ بشكل رسمي، بحسب القانون العراقي.
وجاء في عدد الصحيفة المرقم 4848، القرار المرقم 61، ويتضمن تفاصيل توصية صادرة عن "مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب" لعدد من الجماعات التي ارتبط اسمها بارتكاب أعمال إرهابية. وتبنى القرار المنشور قراراً سابقا صادر عن لجنة تجميد أموال الإرهابيين في جلستها المنعقدة في 2 تشرين الاول/أكتوبر الماضي، بتجميد الأموال المنقولة وغير المنقولة والموارد الاقتصادية التابعة لـ24 كياناً، من بينها حزب الله والحوثي.
الموقف السياسي
رسميا، وجّه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بإجراء تحقيق عاجل وتحديد المسؤولية ومحاسبة المقصرين في ما ورد من خطأ في قرار لجنة تجميد أموال الإرهابيين، مؤكداً أن "مواقف الحكومة السياسية والإنسانية من العدوان على أهلنا في لبنان أو في فلسطين، هي مواقف مبدئية لا تخضع للمزايدات، فضلاً عن كونها تعكس إرادة الشعب العراقي بكل أطيافه".
وقبله أصدرت لجنة تجميد أموال الإرهابيين التي اتخذت القرار، بياناً مستعجلاً، قالت فيه إن "القرار كان يفترض أن يكون مقتصراً على ادراج الكيانات والافراد المرتبطين بداعش والقاعدة حصراً"، وأن "إدراج أسماء الكيانات الاخرى كان بسبب نشر القائمة قبل التنقيح".
ووعدت اللجنة في بيانها، بأنها ستقوم بنشر "تصحيح ورفع الكيانات والأحزاب من القائمة"، في إشارة الى حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن.
لم يمنع هذا البيان صدور رودو فعل غاضبة. أول المعترضين على القرار هي كتائب حزب الله العراقية. فقد أعلن النائب حسين مؤنس الذي يترأس حركة "حقوق" التي تُعتبر الجناح السياسي للحزب، رفضه الكامل للقرار.
وقال مؤنس في تغريدة، إن حكومة بغداد "ليست حكومة ذات سيادة ولا شجاعة"، في إشارة إلى أن الحكومة الحالية أصبحت حكومة تصريف أعمال بموجب القانون العراقي بسبب انتهاء ولايتها الدستورية مع بدء الإنتخابات البرلمانية في الحادي عشر
من الشهر الماضي.
وأضاف أن حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، هي "سلطة مرتجفة وتابعة ولا تملك الحد الأدنى من الكرامة التي تخولها أن تمثل شعباً أو تدافع عن سيادة وطن".
تخبط عراقي
حالة التخبط التي وقعت فيها السلطات العراقية قد تعكس حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة تجاه مواقف دولية باتت تمارس ضغوط كبيرة، لإرغام الحكومة العراقية في التماهي مع مواقف دولية تدفع باتجاه تبنى مواقف هذه الدول، في مقدمتها الولايات المتحدة التي تسعى إلى إعادة رسم خريطة المنطقة وتوزيع مناطق القوة والنفوذ فيها، من خلال ما بات يُعرف بالشرق الأوسط الجديد.
ومن شأن هذه التطورات أن تضع السوداني في موقف صعب، خصوصاً في هذا التوقيت، حيث يسعى الرجل إلى الفوز بولاية ثانية لرئاسة الوزراء، بعد فوز تحالفه بالانتخابات البرلمانية.
لكن هذا الفوز لن يكون كافياً لتحقيق حلمه، إذا لم يتمكن من تشكيل تحالف برلماني قادر على فرض نفسه بأنه الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً. وهذا يعني أنه سيكون بحاجة إلى التحالف مع العديد من القوى السياسية، أهمها القوى الشيعية التي يتشكل منها الإطار التنسيقي، والتي من المؤكد أن ما حدث اليوم من تطور بشأن حزب الله والحوثيين، سيزعجها كثيراً.
وفي محاولة أخرى لتدارك ما حدث، أصدر البنك المركزي العراقي، كتاباً عاجلأ وسرياً حصلت "المدن" على نسخة منه، موجه إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، يطالب فيه "بحذف الفقرات التي وردت في القرار الذي أصدرته جريدة الوقائع العراقية"، خصوصاً تلك المتعلقة بحزب الله اللبناني وجماعة الحوثيين في اليمن. كما طالب محافظ البنك المركزي من الأمانة العامة لمجلس الوزراء، بنشر بيان توضيحي عاجل جداً لتوضيح الموضوع إلى وسائل الاعلام، نظراً لأهميته".
خلفية القرار
وبعيداً عن التطورات المتسارعة بشأن ما حصل، فقد وصف مقربون من السلطة، القرار الذي اتخذته لجنة تجميد أموال الإرهابيين، بأنه واقعي ويأتي في سياق تجنب أي عقوبات أميركية محتملة على القطاع المصرفي العراقي، خصوصاً بعد تداول أتهامات صادرة من واشنطن، تفيد بأن هذا القطاع متورط بتمويل عمليات مالية لصالح جماعات مسلحة عراقية مرتبطة بإيران.
وكانت الخزانة الأميركية قد اتهمت أطرافاً عراقيةـ، من بينها بنوك ومصارف وشخصيات، بـ"الالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، من خلال تمويل فيلق القدس الإيراني، المنصف أميركياً كمنظمة إرهابية، وأيضاً عمليات غسيل أموال تتم لصلح فصائل مسلحة عراقية تمت تسميتها بالإسم". وأصدرت الخزانة الأميركية، حزمة عقوبات طالت هذه الأطراف جميعها.
لا يُعتقد أن ينتهي الموضوع عند هذا الحد. ويُتوقع أن تشهد الساحة العراقية ردود فعل متباينة تجاه ما حصل. لكن المؤكد أن توقيت الكشف عن هذا القرار، تقف وراءه دوافع سياسية مبيتة، أوقعت حكومة بغداد، خصوصاً رئيسها محمد شياع السوداني، في حرج كبير وقد يتسبب هذا الأمر في إفشال مسعى الرجل بالفوز بولاية ثانية لرئاسة الوزراء.
