قبل أن يطل تنظيم "القاعدة" على العالم، وقبل أن ينفجر الشرق الأوسط على إيقاع احدث 11 سبتمبر/أيلول، كان هناك رجل واحد يتقدم الصفوف في واشنطن ليقدم تعريفاً جديداً للشرق بأكمله، انه بنيامين نتنياهو.
لم يكن نتنياهو رئيس حكومة بعد، ولا زعيماً لليمين الإسرائيلي، لكنه كان يعرف جيداً ماذا يريد: تحويل الإسلام إلى متهم جاهز، وإعادة رسم خريطة الصراع باعتباره حرباً حضارية بين الغرب من جهة، والإسلام من جهة أخرى.
وتكشف وثائق مؤتمرات دولية ومحاضر من الأرشيف، أن استعمال هذا المصطلح لم يظهر باعتباره توصيفاً بريئاً للظاهرة، بل جاء نتاج هندسة فكرية وسياسية شارك فيها نتنياهو شخصياً عبر سلسلة مؤتمرات نظمها في واشنطن والقدس، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات.
اللحظة التي ولد فيها المصطلح رسمياً
تشير مجموعة من الوثائق، بينها البرنامج الرسمي للمؤتمر دولي حول الإرهاب عام 1984، في أرشيف مكتبة ريغان، إلى أن المؤتمر المنعقد في واشنطن بين 24 و27 تموز/يونيو 1984، كان حدثاً فارقاً. المؤتمر نظمه معهد "جوناثان نتنياهو" الذي أسسه بنيامين نتنياهو تكريماً لشقيقه الذي قُتل في عملية عنتيبي، وشكل منصة تجمع وزراء خارجية أميركيين (مثل جورج شولتز)، وسفراء، وأكاديميين من المدرسة الاستشراقية البريطانية والأميركية. في هذا المؤتمر ظهرت للمرة الأولى جلسة تحمل عنواناً مباشراً: "الإرهاب الإسلامي"
تم تسجيل الجلسة ونشرها لاحقاً في كتاب "الإرهاب، كيف يمكن للغرب أن ينتصر" والصادر عام 1986 والذي حرره نتنياهو بنفسه. هنا، يبدأ الدور المحوري. بنيامين نتنياهو لم يكن مجرد مضيف أو شخصية رمزية، بل كان المحرر الفكري الذي صاغ الفصول، وراجع الأوراق، وربط بينها في مقدمة سياسية تصب في اتجاه واحد، اعتبار الإسلام لا الدول أو التنظيمات فقط، إطاراً تحليلياً لمفهوم الإرهاب الحديث.
المساهمون.. شبكة تنظيرية واحدة
من يراجع قائمة المتحدثين في مؤتمر واشطن عام 1984، يدرك أن اختيار الأسماء لم يكن عشوائياً. فقد ضمت الجلسة التي ترأسها برنارد لويس، وهو مستشار للبيت الأبيض في فترة إدارة الرئيس جورج بوش الأب، وساهم في تشكيل بعض سياسات الولايات المتحدة تجاه المنطقة. كلا من:
• إيلي كيدوري (Eli Kidron) ، كاتب وصحافي إسرائيلي يكتب مقالات رأي حول القضايا الإسرائيلية الفلسطينية، الأمن القومي والعلاقات الدولية.
• جيه بي كيلي (J. P. Kelly) كاتب ومفكر بريطاني يُستشهد بأعماله في الأوساط الأكاديمية والعسكرية.
• ب.ج. فاتيكيوتيس (Panayiotis Jerasimof Vatikiotis)، مؤرخ ومفكر يوناني-أميركي ولد في القدس لأسرة يونانية أرثوذكسية، وتخصص في تاريخ وسياسة الشرق الأوسط، خصوصاً مصر والعالم العربي.
وجميعهم من أكثر الأكاديميين تأثيرا في تشكيل الرؤية الغربية للإسلام باعتباره مشكلة سياسية. في الفقرة الافتتاحية لجلسة "الإرهاب والعالم الإسلامي"، استخدم لويس صياغات تُعتبر اليوم حجر الأساس لفكرة العنف المتأصل في الإسلام السياسي.
وفي كتاب نتنياهو اللاحق، يقدم لويس فصلاً بعنوان واضح وصريح: "الإرهاب الإسلامي" (ص. 65–69)، ويذكر فيه: "من المناسب استخدام مصطلح الإسلام كتعريف وتصنيف عند مناقشة الإرهاب الحديث". هذا النص وحده يعد من أوائل وأبرز المراجع المطبوعة التي توثق استعمال المصطلح بصيغته المتداولة اليوم.
حين تحول المصطلح إلى عقيدة سياسية
بعد عامين من مؤتمر واشنطن، نشر نتنياهو كتابه "الإرهاب، كيف يمكن للغرب أن ينتصر"، والصادر عن دار (Farrar Straus & Giroux, 1986). أعاد الكتاب إنتاج أوراق المؤتمر بما يخدم سردية واضحة:
الإرهاب ليس مجرد عنف مسلح، بل هو تهديد حضاري مصدره الأساسي هو العالم الإسلامي. في مراجعة لصحيفة "واشنطن بوست"، قالت إن الكتاب يقدم "معالجة مطولة لتاريخ الإرهاب ذي الدوافع السياسية والدينية في الإسلام"، ما يعني أن الخطاب خرج من قاعات المؤتمرات ليصل إلى الجمهور الأميركي العام.
لم يكن هذا الكتاب مجرد تحرير أكاديمي، بل عمل سياسي دعائي وضع بذور الربط بين الإسلام والإرهاب في ذهن النخبة الأميركية قبل 15 عاماً من 11 سبتمبر/أيلول.
من "الإرهاب الدولي" إلى "الإرهاب الإسلامي"
قبل مؤتمر واشنطن، كان نتنياهو قد أشرف على مؤتمر آخر في القدس عام 1979، نُشرت أوراقه عام 1981. ذلك المؤتمر تناول الإرهاب الدولي بشكل عام، مع تركيز على الاتحاد السوفياتي، والمنظمات اليسارية، والمنظمات الفلسطينية. لكن الفارق في 1984 كان جوهرياً، في 1979، إرهاب دولي. أما في 1984، إرهاب مرتبط بالعالم الإسلامي تحديداً. هذا الانتقال الواضح يشير إلى أن نتنياهو بمزيج من خلفيته العسكرية، والسياسية، وعلاقاته في واشنطن، ساهم في توجيه البوصلة الخطابية نحو الإسلام كفئة تحليلية مستقلة في فهم الإرهاب.
دور لوبي نتنياهو
لم يقتصر الأمر على المصطلحات الأكاديمية. فالمؤتمر جمع شخصيات ذات نفوذ حقيقي في دوائر صنع القرار، مثل: جورج شولتز وزير الخارجية الأميركية، ودانيال موينيهان (Daniel Patrick Moynihan) وكان سياسياً ودبلوماسياً وعالم اجتماع أميركي، وجين كيركباتريك (Jeane Kirkpatrick) وهي عالمة سياسة دولية ودبلوماسية أميركية. وجود هذه الشخصيات في أروقة مؤتمر يربط الإرهاب بالإسلام، جعل الأفكار تتسرب مباشرة إلى سياسات الأمن القومي الأميركي.
وبالفعل، ظهرت خلال الثمانينيات تقارير في الخارجية والبنتاغون، تستخدم لغة قريبة من لغة نتنياهو ولويس في وصف إيران، وحزب الله، والحركات الفلسطينية، وغيرها من المنظمات والجماعات. هكذا انتقل المصطلح من مفهوم تنظيري إلى خطاب سياسي ومن ثم إلى مرجع في الوثائق الرسمية.
مؤتمر واشنطن عام 1984 ومن ثم الكتاب المنشور عام 1986، مع شبكة الأكاديميين الاستشراقيين والدعم السياسي من واشنطن، جعلت من نتنياهو مهندس اللحظة التي تحول فيها المصطلح من فكرة هامشية إلى إطار عالمي .وبالتالي وضعت الأسس الخطابية والبحثية التي استخدمتها الإدارات الأميركية لاحقاً، حرفياً، في تبرير حروب واحتلالات وتدخلات استمرت لعقود.
قد لا يكون نتنياهو من خلق الظاهرة، لكنه أعاد تعريفها وتدويلها وإعادة إنتاجها بطريقة تركت أثرها العميق في الأمن والسياسة والدعاية، وما زالت قائمة حتى اليوم.
