سوريا: التحريض الطائفي وخطورة الأفراد المنفلتين

مالك ونوسالأربعاء 2025/12/03
Image-1764697561
شعارات تفريقية خلال تظاهرات ذكرى "ردع العدوان" في سوريا (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أيّاً يكن من أمر الرجل المنتمي للطائفة السنية، والذي حاول قتل سائق تكسي من الطائفة العلوية، ذبحاً في طرطوس، يوم الأحد الفائت، إلا أنه لا يمكن فصل الحادثة عن التحريض والهياج الطائفي الذي عم البلاد، خلال مسيرات يوم الجمعة التي دعا الرئيس أحمد الشرع إلى خروجها، احتفالاً بذكرى انطلاق عملية "ردع العدوان" قبل سنة. أما وأن الموضوع قد جرت لفلفته، عبر مسارعة الجهات المختصة إلى إصدار تقريرٍ طبي يفيد بأن الجاني يعاني مرضاً نفسياً، إلا أن أثره قد انتشر بين أبناء المدينة بكافة انتماءاتهم الطائفية، في شكل حالةٍ من الذعر الحقيقي والاستياء، بعدما لمسوا أن التحريض الطائفي غير المسبوق الذي ساد خلال مسيرات التأييد تلك، قد وجد طريقه إلى أرض الواقع في شكل عملٍ فردي قد يتكرر مع أي منهم، وقد تظهر ردود فعل عليه، ويتطور إلى شكلٍ آخر مختلف، أكبر وأكثر اتساعاً وغير محسوب النتائج والتداعيات. 
ربما سلَّم الجمهور المؤيد للسلطة، أن المسيرات الاحتفالية التي دعا الرئيس الشرع إلى خروجها في كل محافظات القطر، ليست سوى ردٍّ، أو بديلٍ عن المواجهة التي كانوا يرجونها للمظاهرات الاحتجاجية التي خرج بها أبناء الطائفة العلوية في الساحل السوري وريفي حمص وحماه، بدعوةٍ من رجل الدين غزال غزال. وربما لأن الرئيس الشرع قد ظهر بذلك التسجيل المصوَّرٍ القصير في ساعةٍ متأخرةٍ من ليل الخميس، 27 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وبموضوعٍ وحيد هو دعوة جماهير السوريين بالخروج في المسيرات المؤيدة. وكان لافتاً أن إطلالة الشرع قد حصلت في ساعة متأخرة من الليل، وقال فيها: "أدعو في هذه المناسبة العظيمة كامل أطياف الشعب السوري بكل فئاته ومكوناته للنزول إلى الساحات والميادين للتعبير عن فرحتهم بهذه المعركة العظيمة وإظهار اللحمة والوحدة الوطنية وسلامة التراب السوري". لذلك ربما فهم كثيرون من مؤيديه، أن الدعوة أتت بعد اتهام الطائفة العلوية بالسعي للانفصال، كون بعض المتظاهرين رفعوا شعار اللامركزية والكونفدرالية، فكان لازماً الرد على تلك الدعوات بمسيرات تشدد على "سلامة التراب السوري".


شعارات تفريقية
غير أن المسيرات أتت عكس ما جاء في الخطاب، فرفعت فيها شعارات تفريقية، تدعو لمنع أي قيامة للعلويين، وتتهجم عليهم وعلى الدروز والأكراد. وقد شهدت هياجاً طائفياً وصل حد هتاف المحتشدين في ساحة الساعة في حمص، بصوت واحدٍ، بعبارات فيها تحقير وسب للطائفة العلوية. وفي تجمعات أخرى دعوا إلى إعلان الجهاد على العلويين، وهددوهم بالجيوش الجرارة "إذا لم يكمموا أفواههم"، مع تحذيرهم أنه لن يسمح لهم "العودة" إلى الحكم. كما جرى تهديد الدروز والأكراد وتحقيرهم بعبارات وتصرفات مهينة، من دون نسيان الدعوة للجهاد ضدهم. ويأتي هذا التحريض تتويجاً لسنة كاملة شهدت تحريضاً طائفياً ومجازر في الساحل والسويداء، وانتهاكات وفصل لمئات آلاف الموظفين من الطائفة العلوية من أعمالهم. كما شهدت القتل العشوائي وخطف النساء في مناطق الأقليات، في مشهد يُظهر سوريا بلاداً مريضة بالمرض الطائفي، ولا همّ لأبنائها سوى التحريض ضد بعضهم، في حين تأجَّلَ البت في استحقاقات شديدة التعقيد والأهمية.


التهجّم والتخويفّ
وفي الوقت الذي يجري فيه التهجم والتخويف من الطائفة العلوية، بعد التظاهرات التي نفذها عدد من أبنائها، تغييب حقيقة أن هذه الطائفة لم تكن، على الأقل خلال حكم الأسد الأب والابن، كياناً اجتماعياً متماسكاً وقائماً بذاته، على الرغم من رسوخها في الماضي وفي المكان. وقد انصهرت خلال السنوات الخمسين الماضية في مؤسسات الدولة الاقتصادية والخدمية والعسكرية، فباتت تبعيتها للدولة ومؤسساتها، نظراً لاعتمادها على الوظائف الحكومية لكسب الرزق، بسبب عدم احترافها التجارة والمهن الصناعية، وقلة الحيازات الزراعية لديها، وكذلك تبنيها التعليم سبيلاً للمهنة والحصول على الوظيفة. لذلك، من الخطأ التعاطي معها كتلةً واحدةً برأسٍ يسيِّرها كما طوائف أخرى في سوريا ولبنان، على سبيل المثال. ومن هنا، لا يجب توقع الخطر منها، وإلا كانت قد دافعت عن نفسها خلال المجازر التي اقترفت بحق أبنائها، في مارس/ آذار الماضي. غير أن هذه الحقيقة لم تصل إليها السلطة الحالية وجمهورها، فصنفوا المظاهرات المطلبية التي خرج بها أبناء الطائفة تهديداً لسلطة الشرع، على الرغم من أنها لم ترفع شعار إسقاط النظام؛ بل انحصرت شعاراتها ببعض المطالب، منها وقف القتل وخطف النساء. 


إسباغ التعدد الطائفي على سوريا
بعد سنةٍ من حكم الشرع، بدا أنه يراد إسباغ صبغة التعدد الطائفي على سوريا وتكريسه، بدلاً من التعدد السياسي المحظور، تنفيذاً لتعليمات قسم "الأمانة العامة للشؤون السياسية" التابع لوزارة الخارجية. لان الطوائف، وخصوصاً الزعماء فيها، يسهل إرضاءهم بمناصب ومكاسب فردية، يسوقونها هم بدورهم مكاسب لأبناء الطائفة، من دون أن تترجم على الأرض تحسيناً لظروفهم المعيشية. وتكريس الطائفية والتعدد الطائفي لا ينتج وعياً، وإن فعلَ فهو وعيٌ سطحي ينحصر بالمحرم والمباح، وهذا ما تريده أي سلطة، بينما التعدد السياسي ينتج معرفةً ووعياً بالواقع، يتناقض بالضرورة مع الفكر الطائفي المسيطر، وفي حالات الصدام المتطور قد يصل إلى إلغائه. لذلك، ربما لم تُواجَه تظاهرات العلويين بالقوة المتوقعة، وهي التي أخذت صبغةً طائفية نتيجة خروجها تلبيةً لدعوة شيخ من الطائفة. وهذا التغاضي لدى الحكم استُكمِلَ حين أطلقت الشعارات الطائفية في المسيرات المقابلة في الشارع السني ردّاً على مظاهرات العلويين، وفي نية هذا التغاضي شد العصب الطائفي لمن لم يتطيَّف من العلويين، رداً على طائفية الآخرين. 
عندما خرجت تظاهرات العلويين، واجهها أفرادٌ من الطائفة السنية وحاولوا تنفيذ اعتداءات، لكن رجال أمن السلطة حالوا دون ذلك. وفي هذا المشهد ظهرت السلطة على الحياد، ربما توطئة للقيام بدور الحَكَم بين الطوائف التي تَبيَّنَ أن ثمة توجُّهٌ لأن يتطور وجودها في شكلٍ مؤسسي، فتقوم بعمل المؤسسات بعدما فشلت الدولة على مدى سنة بالقيام بمهماتها، خصوصاً التصدي للتحديات ومهمة إعادة البناء الماثلة. وقد يتكرس هذا الدور بحكم تكرار المواجهات بين الطوائف، وعندها يبرر لها الاستقالة من الدور الوطني الطبيعي المفترض به قيادة الدولة وإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها، فيبرز دور الطوائف والأفراد، ولكن، أي دور للأفراد؟ هل الدور الذي قام به الرجل الذي حاول ذبح سائق التكسي، هو الدور المرجو، فيذهب الشعور بالأمان عند الجميع؟ ربما، لأنه في سوريا، لا يمكنك البت في سياسةٍ أو أمرٍ، وإن استعطت، فستستفيق في الصباح التالي على ما يغير لكَ ما اعتقدت.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث