الشارع يتكلّم والدولة تصمت: أزمة التمثيل في سوريا

نوار جبورالأربعاء 2025/12/03
Image-1764698373
كان مفاجئًا حجم الاستجابة للشيخ غزال خلال تظاهرات الساحل السوري (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كانت التظاهرات التي شارك فيها العلويون في حمص والساحل لحظة انكشف فيها المشهد السوري على حقيقته؛ فليست أهميتها في عدد المشاركين، بل في أنها أعادت إظهار أمرين جوهريين ينهضان مع كل حركة في الشارع، وكأنهما القانون الخفي الذي يحكم السياسة حين تتراجع عن دورها.

 

الفعل يبدأ من رجال الدين
أولًا، أن أي فعل سياسي في سوريا  مهما حاولنا تجميله أو توصيفه بعبارات حداثية أو تخيّلية  ما يزال يبدأ من رجال الدين أو من شخصيات تحمل خلفية دينية واضحة. كأن الوعي الجمعي السوري لا يزال معلّقًا بدلالة واحدة: أن الهوية الدينية هي المرجّح الوحيد، والضامن الوحيد، والمحرك الوحيد لأي خروج إلى الشارع. وكأن الفاعل الاجتماعي الذي كان مستترًا لم يعد قادرًا على الظهور إلا بهذه الصيغة، المشايخ والكهنة وقادة العشائر، باستثناء التجربة الكردية التي وجدت بحكم تاريخها وخصوصية نشأتها إطارًا سياسيًا منظّمًا يقوم مقام هذا الغياب لكن السلطة أيضاً تفاوضه وتعاركه في آن معاً.
هذا ليس خطأ الناس بقدر ما هو نتاج تاريخ طويل جعلت فيه السلطات المتعاقبة من السياسة وظيفة هامشية، وضيّقت المجال العام حتى اختنق أي فعل دنيوي مستقل. أما السلطة الجديدة، فهي تُعيد إنتاج هذا الإرث: دستور لم يُكتب ليُفاوض أحدًا، ومؤسسات بلا ممارسة سياسية فعلية، وبلاد ينتظر فيها الناس القرارات من دون أن يكون لهم أي حق تشاركي. وهكذا، حين يُخنق الفعل السياسي، يعود الناس إلى آخر ملاذ عرفوه: الدين. ليس لأنهم يريدونه، بل لأن الدولة نزعت منهم كل الأدوات الأخرى. وهذا لا يعني ان تفعيل السياسية لهو أمر سهل. لكن أي فعل سياسي حقيقي لا يولد في الفراغ ولا في الأزقة الدينية وحدها؛ يحتاج إلى إطار عمومي مفتوح، يسمح بتبادل المعنى، وتشكيل مصلحة مشتركة، وصنع خطاب يخرج الناس من ضيق الطائفة إلى تعبيرات أكثر أفقية. ورغم أن السلطة تسمح نسبيًا لمنظمات المجتمع المدني بالعمل، إلا أن الصلة بين هذا النشاط المدني وبين الفاعلين السياسيين شبه مقطوعة، ما يجعل الحركة الاجتماعية بلا حامل سياسي حقيقي.
ثانيًا، لا بد من السماح بإنشاء قنوات سياسية فاعلة في الساحل والعلويين تحديدًا، لأن السلطة تمارس اليوم دورًا إداريًا منفصلًا كليًا عن الناس، وتتنازع مع الإعلام المفتوح على تعريف حقوقهم واحتياجاتهم. وما يُلام عليه العلويون في تظاهراتهم وشعاراتهم التي رأى فيها البعض نزعة طائفية أو تنازعية ليست سوى نتيجة إهمال طويل لمطالب كرّروها مرارًا – وبالطرق الممكنة – لمعالجة هذا الانفصال، لكن من دون أي استجابة. لقد فقد مئات الآلاف من العلويين سرديتهم كاملة حول حربٍ أهلية يُمنَع الحديث عنها أو تأويلها، ولم تعد المشكلة في موقعهم السياسي فقط، بل في طريقة إدارة حضورهم داخل الدولة.


معاملة العلويين كضحايا
فُصل آلاف الموظفين والجنود من الفئة الرابعة والخامسة من أعمالهم بلا أيّ تعويضات، ومن دون أن تُحاسَب الجهات التي أصدرت القرارات. وبالرغم من قسوة ما جرى، تقبّل العلويون الأمر وانتظروا بلا ردّة فعل جماعية؛ لا عن رضا، بل لأنهم اعتادوا تاريخيًا تحمّل الصدمات من دون توفر قنوات مطلبية أو سياسية تُعبّر عن الظلم. يضاف إلى ذلك أن المناطق ذات الغالبية العلوية لا تُدار عبر أبناء الساحل في الأجهزة الشرطية والأمنية؛ فمعظم عناصر الشرطة والأمن العام غرباء عن بيئتها. هذا الإقصاء يقطع صلتهم بالدولة، ويجعل حضور السلطة عليهم حضورًا خارجيًا لا يعرفهم ولا يعرفونه، فتتعمّق القطيعة بدلاً من أن تُحلّ.
وترافق هذا كله بأن يُعامَل العلويون يومًا كضحايا يحتاجون حماية، ويومًا آخر كخطر انفصالي أو ككتلة قابلة للتخريب. وفي الحالتين تُنزَع عنهم فردانيتهم وقدرتهم السياسية، ويُعاد إنتاجهم كجماعة تُستدعى عند الحاجة وتُقصى عند الحاجة، لا كفاعل سياسي له حقوق ومسار. هذا التقلّب في التمثيل ليس عرضًا جانبيًا للأزمة؛ بل جزءاً من طريقة إدارة الدولة لهم. فالسلطة السورية – كما اختبروها لمدة عام تقريباً – تحضر في الساحل كجهاز إداري خارجي يفرض ولا يحاور، ويُدير الحياة اليومية كما لو أن هذه المناطق ليست جزءًا من بنيته، بل هامش يُنظَّم ويُخاف منه.
وضع العلويين في موقع المساءلة ضرورةٌ بحكم كونهم جزءًا من بنية القوة، لكن لا يمكن لهذه المساءلة أن تتحول إلى انتقام أو إلى خطاب يشتمهم في الساحات والجوامع. هذا الهوس الإعلامي بتجريمهم جماعيًا يدمّر أي إمكانية لتشكّل دولة، ويحوّل السلطة إلى ميليشيا، ويكرّس الخوف بدلاً من السياسة.


حجم الاستجابة للشيخ غزال
كان مفاجئًا حجم الاستجابة للشيخ غزال المقيم في الخارج. والمفارقة أن الشيخ نفسه لم يكن يومًا في موقع يؤهّله لتمثيل الطائفة العلوية أو النطق باسمها: لا تاريخ ديني راسخ، ولا حضور اجتماعي يجعل منه واجهة معنوية. بمعنىً آخر، هو لم «يمتلك» الطائفة؛ بل خلق دور له مأمول فيه ليس من اي استحقاق أو أهمية بل ركام وتعب وانهيار السياسية والطائفة بشكل كُلي والبحث عن قائد للنجاة.
المثال الدقيق هنا هو المقارنة مع التجربة في السويداء ومحاكاتها: فالهجري يمتلك تاريخًا طويلًا في المشيخة والوجاهة الاجتماعية، وهذا ما يجعل حضوره مقبولًا أو مفهوماً سياسيًا واجتماعيًا، لأنه امتداد تقليدي لبنية دينية–اجتماعية مركزية راسخة، ولأنه كان في حوار مباشر مع السلطة الجديدة وانقطع عن سلطة الأسد. الشرعية هنا ليست من الخطاب؛ بل من الاستمرارية والاعتياد، من الجذر لا من السطح حتى من يختلفون مع الهجري يرفعون صوتهم بقسوة نحوه لأن حتى الخلافات معه قديمة. وما يُحاكَى في التجربة الدرزية لا يصلح بالضرورة في بيئة لم تُبنَ مرجعياتها بالطريقة ذاتها.
فالعلويون أنفسهم أقل مركزية في علاقتهم بمشايخهم مقارنة بطوائف أخرى؛ لا يمتلكون بنية دينية عمودية أو مرجعية قاطعة تقود الجماعة أو تحكمها. وهذا تحديدًا ما لم تفهمه السلطة أو لم تُحسن التعامل معه: لم تُصغِ طويلًا لمطالب العلويين، ولم تدرك أن تموضعهم خلف النظام لم يكن خيارًا سياسيًا بقدر ما كان انحباسًا داخل مدار حرب أهلية صنعتها السلطة ثم أصبحت شرطًا وجوديًا لهم. العلوي لم يقف خلف النظام لأنه مشروعه أو لأنه يراه تمثيلًا سياسيًا له، بل لأن النظام نجح في إدخال البلاد في صراع طائفي يبتزّ الجماعة باستمرار، ويجعل الاصطفاف يبدو قدرًا لا فكاك منه. ومع الحضور الإيراني الإقليمي وتعميق الانقسام الهويّاتي، أصبحت الطائفة نفسها مادة سياسية واجتماعية . بهذا المعنى، لم يكن صعود غزال دليل قوة، بل دليل هشاشة: هشاشة المجال السياسي، وهشاشة البنية الاجتماعية، وهشاشة قدرة الجماعة على إنتاج مرجعيات حقيقية خارج منطق الخوف.


الذعر الذي تصنعه السلطة
هناك بنية أخطر: بنية "الذعر" الذي تصنعه السلطة - الأسد أو سلطة الرئيس الشرع - وتعيد تدويره. فهناك دائمًا تصور لهوية «منتصرة» وأخرى «خاسرة»، مع أن هذا لا يعكس توازنات القوة ولا معنى لهذه القوة أصلاً، شيء وحيد يُعكس ذعرًا يُعاد إنتاجه داخل المجتمع. وقد كان العلويون الساحة الأكثر قابلية لهذا الذعر، مرة بوصفهم مهدَّدين، ومرة بوصفهم مُهدِّدين، وفق ما تقتضيه سردية السلطة في كل مرحلة. في العقود السابقة، وضعهم النظام داخل موقع الخوف من الإبادة، خوف صُنع بخطاب الحماية، وبتحويل السياسة إلى مسرح طائفي. لم يعد العلوي يرى نفسه كفاعل سياسي؛ بل كجماعة تُدافع عن وجودها. هكذا وُلد الذعر الأول: ذعر للجماعة.
أما اليوم، فانقلب المشهد إلى ذعر من الجماعة. فجأة، تُعامل السلطة العلويين كشبهة سياسية: جماعة ذات نزعات انفصالية أو قابلة للانتقام والعقوبة. لم تُعامَل كفاعل له مطالب وحقوق، بل كخلل ينبغي ضبطه. هكذا يُنتَج الذعر الثاني: ذعر من الجماعة. والنتيجة واحدة: جماعة وُضعت دائمًا داخل دائرة الخوف، ولم يُسمح لها يومًا بالتحرك داخل دائرة السياسة. لا تمثيل سياسي، لا قنوات مطلبية، لا اعتراف بحقوق داخل المجال العام. الهوية تُدار بالخوف هذا ما لم نتحدث عن خطورة الدعوة للمسامحة والرحمة من مبدأ تأويلي تكون فيها الذات السورية متجاوزة لقيم قروسطية نحو قيم أكثر اتساعاً وحياة، وبذلك يُقصى العلويون عن السياسة مرّتين: مرة بوصفهم ضحايا عليهم أن يتسلحوا، ومرة بوصفهم تهديدًا.وهذه هي الورطة التي تصنعها السلطة عندما تتحكم بالهويات بدل أن تنظمها:
هويات تُنتَج بالذعر، وتُستهلك بالذعر، وتُعاقَب بالذعر.


دولة صامتة سياسيًا
هناك دولة صامتة سياسيًا، بالرغم من الكثير من الحريات التي يبدو أنها ممكنة، ومع حريات سلبية لا تصل إلى الفعل السياسي، ولا إلى تعريف من هو المواطن الذي يستطيع الفعل. الشرطة، الأمن العام، والأوامر الإدارية ليست أدوات كافية لقيام دولة؛ فهناك صمت سياسي عميق يستدعي الهويات لكي تقوم مقام الدولة وتقول لنا ما سيحدث وماذا يريد الناس. لكن كل هذه الهويات لا تملك أدوات سياسية. الذي يتكلم هنا ليس الفعل السياسي بل الذاكرة والجرح والخوف والانتقام والإيمان الغيبي. والشارع لم يُخلق ليكون مكانًا للنيات الهوياتية والاعتراض السياسي؛ هو مكان للعمل والاقتصاد والعلاقة والحياة اليومية. لكن الشارع بات مهيّأً للاشتباك فقط، لأنه بلا نقابات، وبلا مؤسسات وسيطة، وبلا لغة تفاوض. إنه تواصل وحشي. وبات الناس يمدحون الأمن العام ليس لأنه يؤدي وظيفته، بل لأنه يدير أزمة وحشية قد تندلع في أي لحظة في الشارع. هناك مشاهدات لا بدّ من التوقف عندها. أولها أن حجم إدارة المخاطر كان جيّدًا نسبيًا؛ فالأمن العام تحرك بسرعة لإيقاف اشتباكات أهلية كانت قابلة للتمدّد خلال دقائق في الشارع، خصوصًا أن مدن الساحل وحمص شهدت في أوقات سابقة تشاحنًا ممكنًا داخل الشارع بين بيئتين أهليتين. هناك رفض مجتمعي لأي حراك للعلويين، ثم لأي حراك لا يكون موازيًا للسلطة. الرفض لم يكن سياسيًا بقدر ما كان تعبيرًا عن جرح هويّاتي مفتوح يُسارَع فيه إلى شتم العلويين بطريقة مشينة، وتحميلهم جرحًا تُحسَم تعقيداته في الشارع لا في السياسة. هذا المشهد نفسه يفضح فجوة عميقة: هوّة من جروح الهوية، جروح راكمتها سنوات الحرب والاصطفافات القسرية، ولم تُعالَج سياسيًا ولا اجتماعيًا. كل طرف يرى في حراك الآخر تهديدًا لا مطلبًا، وهناك إحساس بأن العلويين مصدر خطر على نحوٍ مبالغ فيه، وانزلاق سريع نحو صدام لا محاولةً لانتزاع حقوق. وهذه الحالة ليست مجرّد خلل في المزاج الشعبي؛ بل دليل واضح على الافتقار إلى الحد الأدنى من معايير العمل السياسي الذي كان يفترض بالسلطة أن تؤسسه. فالسياسة، حين تغيب، تترك الناس أمام خيار واحد: الشارع. والشارع في بلد مثخن بالذاكرات الطائفية لا ينتج السياسة؛ بل ينتج خوفًا مضاعفًا. السلطة، التي كان يفترض أن تنشئ إطارًا سياسيًا جامعًا يخفف من حدّة هذه الجروح، تركت الهوية تتعامل مع نفسها من دون وساطة، ومن دون قانون، ومن دون لغة مشتركة. وهكذا يصبح كل حراك قابلًا لأن يُقرأ كتهديد وجودي، لا كمساحة تفاوض. وكان الرد على خروج العلويين شتائم متطرفة وصلت إلى تظاهرات في ألمانيا، في واحدة من أكثر صور التفريغ الاجتماعي فجاجة. قد يُفهم هذا السلوك ضمن منطق الحشود في لحظات الخوف، لكنه يكشف أيضًا مأزقًا أعمق: إلى متى ستظل الشتيمة هي اللغة الوحيدة المتاحة للتعبير، وتظل السياسة هي الغائب الأكبر؟ وكيف يمكن لمجتمع أن يطالب بترميم الحياة العامة في حين أنَّ أدواته الوحيدة هي الانفعال والصمت، لا النقاش ولا الفعل السياسي؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث