احتدم السجال السياسي والقضائي في إسرائيل على إثر طلب رسمي تقدم به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، للعفو عنه ووقف محاكمته فوراً.
وما زاد حدة الجدل الداخلي الإسرائيلي، هو تقاطع الظروف المتعلقة بطلب العفو، بين الجانب القانوني والسياسي والحزبي، خصوصاً أن الخطوة جاءت قبل نحو 11 شهراً من الانتخابات العامة الموعودة، ناهيك أن نتنياهو يريد "عفواً مجانياً" بلا ثمن.
واللافت أن صيغة طلب العفو التي قدمها محامو الدفاع عن نتنياهو إلى هرتسوغ، لم يتضمن عنوانها مصطلح "العفو"، لكنه استُخدم في تفاصيل طلب الاسترحام كـ"تعبير قانوني"، كما تجنب نتنياهو في تصريحه الأخير، لفظ "العفو"، واستعاض عنه بتعبير "وقف محاكمتي لمصلحة إسرائيل ووحدتها"، وهو ما عدّه أقطاب المعارضة الإسرائيلية إصراراً من نتنياهو على عدم الاعتراف بالذنب.
مواقف جدلية
وبتفكيك مواقف الساسة والشارع في إسرائيل، فإن المعارضة تصرّ على أن يكون العفو بـ"ثمن وشروط"، وذلك بإقرار نتنياهو بالذنب والاعتذار وخروجه من الحياة السياسية.
بينما ترفض فئات إسرائيلية أخرى منح نتنياهو العفو أساساً، وتجلى ذلك بالتظاهر أمام منزل الرئيس الإسرائيلي، لمطالبته بعدم منح نتنياهو "البراءة"، وأن تستمر إجراءات المحاكمة حتى الإدانة.
في المقابل، تدعم أقطاب اليمين الحاكم حصول نتنياهو على "العفو"، بينما قالت أوساط مقربة من مكتبه إن مسألة اعتزاله الحياة السياسية "غير واردة"، وأن تقديم طلب العفو جرى "بتنسيق كامل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب"، كما توقّعت هذه المحافل أن يعلن ترامب دعماً علنياً للطلب قريباً، وفق وسائل إعلام عبرية.
بدوره، تعهد الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ بالتعامل بـ"صورة صحيحة ودقيقة" مع الطلب الرسمي الذي قدّمه نتنياهو لمنحه العفو، مضيفاً أنه سيدرسه بـ"عناية.. وبما يضمن مصلحة إسرائيل ومجتمعها".
دلالات لطلب العفو
وبينما حاول نتنياهو وائتلافه، تبرير طلب العفو كـ"ضرورة أمنية واستراتيجية لإسرائيل"، أكد الباحث بالشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت لـ"المدن"، أن للمسألة أكثر من دلالة؛ أبرزها أن طلب العفو بمثابة إقرار ضمني من نتنياهو، بأن المحاكمة الجنائية الجارية، ستنتهي بإدانته، فلو كان لديه شعور داخلي بالبراءة، لما قدّم العفو الاستباقي. وأما الدلالة الثانية، فهي تقدير نتنياهو بأن طلب العفو يُمكن أن يُؤتي أكله، فيما ترتبط الدلالة الثالثة بسياق الطلب الذي يشير لرغبة نتنياهو بالبقاء في الحكم حتى إشعار آخر.
السابقة الثانية.. بإسرائيل!
والحال أن منح عفو واسترحام في إسرائيل لأي متهم قبل الحكم عليه وإدانته رسمياً، لم يحدث إلا مرة واحدة منذ نشوئها، إذ حصلت قبل نحو 4 عقود في قضية الحافلة الإسرائيلية "300"، حينما قُدّم عناصر من جهاز "الشاباك" للمحاكمة؛ لإعدامهم فلسطينيَيْن معتقلين عقب عملية الحافلة المذكورة .
ولمّا هدد عناصر الشاباك بكشف أسرار عمليات مماثلة تورط بها آخرون من "الشاباك"، في حال محاكمتهم، أقدم الرئيس الإسرائيلي آنذاك حاييم هرتسوغ (والد الرئيس الحالي)، على خطوة استثنائية لمنع تسرب معلومات "تضر" بإسرائيل، وذلك بأن أوقف محاكمة هؤلاء العناصر ومنحهم العفو الكامل، مقابل اعترافهم بالذنب والتعبير عن ندمهم واستقالتهم من "الشاباك".
ما السيناريو الأرجح؟
وفي حالة نتنياهو، تبدو الشروط غير مستوفية لاتخاذ خطوة استثنائية مماثلة لقضية الحافلة "300"، لكن شلحت اعتبر أن السيناريو المرجح، هو حصول نتنياهو على العفو ضمن شروط محددة، بيدَ أن تلك الشروط تبدو غامضة.. فهل سيكون العفو مقترناً باعتزال نتنياهو الحياة السياسية نهائياً؟
بكل الأحوال، ثمة 3 سيناريوهات للقرار المرتقب من الرئيس الإسرائيلي، بحسب ما أكده الخبير بالشأن القانوني والقضائي الإسرائيلي محمد دحلة لـ"المدن"، فإما أن يتم قبول الطلب كما هو، أي بعفو نهائي دون شروط، وهذا ليس مرجحاً. وإما أن يصدر العفو بشروط مخففة، أي بخروج نتنياهو من الحياة السياسية لفترة زمنية محدودة، على أن تجري انتخابات قبل موعدها وبلا وجود نتنياهو في الفترة الانتقالية، ثم يعود للعمل السياسي بعد انقضاء تلك الفترة.
وقد يحصل السيناريو الثالث المتمثل بمنح عفو بثمن كبير، وذلك بإقرار نتنياهو بذنبه والاعتذار عما فعل، والخروج النهائي من الحياة السياسية بلا رجعة.
ويرجح دحلة سيناريو العفو بشروط مخففة، لاعتبارات متعلقة بتدخل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وطلبه العفو عن نتنياهو؛ لحجج سياسية واستراتيجية.
دور للمحكمة العليا؟
ولم يستبعد دحلة أن تُقدَّم التماسات في المحكمة العليا الإسرائيلية في حال صدور قرار العفو المحتمل، لكنه أوضح أن تدخلها في قرارات الرئيس الإسرائيلي، يُعدّ "نادراً جداً"، لكونه يتمتع بحصانة عالية، ولديه صلاحية منح العفو ضمن "استثناءات مهمة" مرتبطة بـ"درء خطر عن إسرائيل وحماية سمعتها"، ناهيك عن أن المحكمة العليا لم تعد بقوتها المعهودة، نتيجة مهاجمتها من اليمين الإسرائيلي الحاكم وتقليص صلاحياتها وإضعافها في السنوات الأخيرة.
مع ذلك، يظهر ترامب كعامل مؤثر وربما "حاسم" في الموضوع، حيث أكدت هيئة البث العبرية أن اتصال ترامب-نتنياهو مساء الاثنين، تطرق إلى قضية "العفو". كما يُنظر إلى القضية، بأنه سيكون لها تبعاتها على مستوى الإنقسام الإسرائيلي، خصوصاً مع تلويح اليمين بالنزول إلى الشارع، في حال لم يحصل نتنياهو على صيغة عفو مقبولة، وهي كلها عوامل تفرض نفسها على طاولة هرتسوغ الذي يحتاج إلى بضعة أسابيع، وربما شهرين إلى ثلاثة، لاستنفاد كافة النقاشات القانونية والقضائية والسياسية، قبل حسم قراره بشأن طلب العفو.
وفي خضم السيناريوهات، لا يُستبعد أيضاً أن يفجر نتنياهو حرباً جديدة بالمنطقة، إذا لم تعجبه صيغة العفو المُنتظَرة؛ وذلك بهدف المناورة سياسياً وقانونياً لضمان البقاء في الحكم.
