يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني مختلف هذا العام

ماجد عزامالاثنين 2025/12/01
تظاهرة روما تضامناً مع فلسطين (Getty)
وتيرة الرفض العالمي للممارسات الإسرائيلية تسارعت (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بدا يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني مختلفاً هذا العام، بظل النكبة التي أوقعها جيش الاحتلال الإسرائيلي بغزة، وتصاعد الغضب والرفض العالمي للنكبة، كما للاحتلال بحد ذاته، مع تقبل الرواية الفلسطينية العادلة في مناحيها وأبعادها المختلفة، الأخلاقية والتاريخية والسياسية والإعلامية والقضائية، ورفض الرواية بل الروايات والأساطير المؤسسة للدولة العبرية عن داوود مقابل جالوت، وواحة الديموقراطية في صحراء المنطقة وقاعدة الغرب الحضاري المتنور والمتقدم مقابل التخلف الشرقي والعربي. 

بداية، لا بد من التذكير بيوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني الذي أعلنته الأمم المتحدة في 29 تشرين ثاني/نوفمبر من كل عام، فيما بدا رداً أو محاولة للتخفيف من تبعات وتداعيات قرار التقسيم الشهير  رقم 181 الذى صدر بالتاريخ  نفسه عام ،1947 وشرعن وجود الدولة العبرية على أكثر من نصف فلسطين التاريخية،  بينما قامت باحتلالها كلها بعد ذلك في نكسة حزيران يونيو 1967.

 

حل الدولتين

رفض العالم العربي والإسلامي ودول عديدة حول العالم قرار التقسيم المجحف عند صدوره لكنهم قبلوا به على مضض بعد نكسة 1967 عبر القبول بقرار مجلس الامن الدولي الشهير رقم 242 الذي اعترف عملياً، ليس فقط بقرار التقسيم ووجود إسرائيل نفسها، وانما باحتلالها ثلاثة أرباع فلسطين التاريخية وإقامة دولة فلسطينية على الربع المتبقي ضمن ما بات يعرف بحل الدولتين.

انخرطت الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الثانية -1969- بالحل الدبلوماسي والسياسي منتصف ثمانينيات القرن الماضي إثر طي مرحلة الكفاح المسلح بعد الخروج من بيروت عام 1982، وإعلان المجلس الوطني الفلسطيني رسمياً عام 1988 عن إقامة الدولة استناداً إلى قرار التقسيم نفسه، لكن ضمن حدود الأراضي التي رسمها القرار 242 أي الضفة الغربية وغزة بما فيها القدس طبعاً.

 

الانتفاضة الأولى 

بالتزامن مع هذه السيرورة التاريخية اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987 التي بدأت بعدها الرواية الاسرائيلية بالتصدع والتأكل تدريجياً، مع الصورة الشهيرة للطفل الفلسطيني مقابل الدبابة، والحجارة الفلسطينية مقابل الترسانة الحربية الإسرائيلية الهائلة، ومع تقدم الاتصالات وتحول العالم إلى قرية صغيرة، بات من الصعوبة بمكان وحتى من المستحيل على الدولة العبرية إخفاء احتلالها وجرائمها، وبدا المشهد العالمي بالتحول  وتصدع وانهيار الروايات والأساطير المؤسسة للمشروع الصهيوني، وانعكست الآية تماماً حيث أصبح الفلسطيني هو داوود مقابل جالوت المدجج بالسلاح، على اختلاف مسمياته تقليدي وغير تقليدي. 

 بعد الانتفاضة الأولى وإعلان الدولة توالت التطورات الأممية عاصفة بتداعياتها الفلسطينية بتزامن انهيار جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفييتي ونهاية نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا وحرب الخليج الثانية، بحيث بات احتلال فلسطين الاستعمار الأخير في العالم،  ما مهد الطريق لانطلاق الفصل الثاني مطلع تسعينيات القرن الماضي-بعد كامب ديفيد منتصف السبعينيات- من عملية  التسوية عبر مسيرة مدريد -أوسلو لحل الصراع، لكنها سرعان ما وصلت الى طرق مسدود بعد عقد تقريباً مع تنفس صناعي عبثي بعد ذلك لنفس الفترة تقريباً.

 

الانتفاضة الثانية

تسارعت وتيرة الرفض العالمي للممارسات والجرائم الإسرائيلية بالعقدين الماضيين مع الانتفاضة الثانية 2000 ثم تنصل اسرائيل من المفاوضات وعملية التسوية نهائياً، وسعيها لتصفية القضية وتكريس الاحتلال الدائم تحت ذرائع ومسميات مختلفة، مثل الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني بين الضفة وغزة، والسلام الاقتصادي، وإدارة وتقليص الصراع، وهو ما رفضته محكمة العدل الدولية في قرارها ضد الاحتلال بناء على طلب الأمم المتحدة قبل شهور قليلة، علماً أنها كانت قد أصدرت فتوى شهيرة قبل ذلك بعقدين تقريباً تجاه جدار الفاصل العنصري الذى أقامته إسرائيل بالضفة وكان أحد وسائل وتجليات رغابتها بحسم الصراع بشكل أحادي وتأبيد الاحتلال نهائياً. 

شهدت الألفية الثالثة ظهور جيل زد المنفصل عن الروايات والأساطير الإسرائيلية وثورة وسائل التواصل الاجتماعي، وتسارعت وتيرة التضامن مع الشعب الفلسطيني إلى أعلى مستوياتها خلال هبة الشيخ جراح عام 2021 التي استجلبت تجاوب عالمي هائل، من ميادين الرياضة بأوروبا إلى ساحات ومسارح الثقافة والفن  في أميركا وأستراليا.

 

حرب غزة

ثم جاءت حرب غزة ورغم الرفض أو حتى التحفظ الدولي على بعض جوانب عملية طوفان الأقصى إلا أن الشعور تجذر بتمادي إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية بغزة، مع شعور أممي رسمياً وشعبياً بضرورة التعاطي مع جذر الصراع الذي لم يبدأ في 7 تشرين أول أكتوبر 2023 وانما قبل ذلك بعقود طويلة، مع قرار التقسيم 1947 والنكبة الأولى 1948 وبالتالي ضرورة حله وفق المواثيق والشرائع الدولية والحد الأدنى المقبول فلسطينياً وعربياً إسلامياً ودولياً.

 كانت الحرب وجرائمها بمثابة التي القطرة بل الموجة التي أفاضت كأس تفاعل المعطيات السابقة مجتمعة وبلغ السيل الزبى، وانعكس هذا كله بفعاليات الغضب والتسونامي الأممي الذي لم يتوقف لحظة، وشمل دعوات مقاطعة اسرائيل ومحاسبتها أمام المحاكم المحلية والدولية، وقرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتوسيع عزلة اسرائيل المتمادية رغم سقوط أساطيرها المؤسسة كلها، حيث لم تعد داوود بل جالوت أو واحة الديموقراطية وساحة للفكر الحضاري المتنور بل دولة قرون وسطى خارجة عن القانون الدولي.

وبناء على ما سبق كله جاء عليه يوم التضامن العالمي هذا العام مختلفا عبر تظاهرات ضخمة وفعاليات متعددة في معظم حواضر ومدن العالم وتجاوز الأمر حدود التضامن العاطفي على أهميته ليشمل مطالب سياسية واقتصادية وقضائية واضحة ومحددة وتبدت حقيقة إن التضامن مع الشعب الفلسطيني ليست مسالة يوم واحد فقط بل سيرورة مستمرة حتى تمكينه من نيل حقوقه الوطنية وتحقيق آماله المشروعة في السيادة والاستقلال وتقرير المصير.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث