تتعامل إسرائيل مع الساحة السورية بوصفها مسرح عمليات متعدد الطبقات، يجمع بين القوة الجوية، والمناورة البرية المحدودة، والاستخبارات المعمّقة، بهدف فرض معادلة ردع جديدة في الجنوب السوري بعد انهيار النظام المركزي وصعود فاعلين محليين يصعب إخضاعهم للردع التقليدي. تبقى الضربات الجوية ركيزة العقيدة الإسرائيلية، وتندرج ضمن عمليات الاستهداف الديناميكي التقليدي التي تعتمد على معلومات آنية لضرب أهداف تظهر سريعاً، أو ضمن جهود تفكيك القدرات التي تستهدف بنى تحتية تُعدّ جزءاً مما تعتبره إسرائيل منظومة تهديد مستقبلي، مثل ضربات ديسمبر 2024 التي أعقبت سقوط نظام الأسد حيث دمرت الضربات الجوية القدرة البحرية والبرية والجوية السورية. وتشمل هذه الضربات عمليات القتل الموجّه باستخدام الطائرات المسيّرة والقنابل الدقيقة، في إطار ما تصفه المؤسسة العسكرية بعمليات الصيد البشري ضد قادة الخلايا المسلحة.
ثم توسعت إسرائيل في تنفيذ غارات برية قصيرة، اجتازت بها خط وقف النار 1974 ( خط برافو وألفا) بالاعتماد على الاقتحام السريع والانسحاب الخاطف وصب حواجز طيارة، بهدف اعتقال أشخاص، أو تمشيط قرى حدودية، أو تنفيذ تطهير موضعي لمناطق يُعتقد أنها تُستخدم لإخفاء أسلحة أو تحركات معادية. وترتكز هذه الغارات على مبدأ السيطرة النارية الذي يهدف إلى منع أي تمركز سوري أو محلي قد يتحول إلى بؤرة اشتباك لاحقاً. تساند ذلك منظومة استخباراتية تعتمد على جمع الإشارات والرصد الكهروضوئي، إضافة إلى عمليات اختراق الطيف الإلكتروني التي تنفذها وحدات الحرب الإلكترونية لتعطيل اتصالات الجماعات الناشئة ، مثل جماعة المقاومة السورية أو التقليدية مثل الجماعة الإسلامية ( على اعتبار انها سنية و لها أصول في لبنان)، وإرباك مراكز القيادة والسيطرة السورية؛ وتعمل هذه المنظومة على بناء ما يسمّى البصمة الاستخباراتية لكل جماعة مسلحة، ما يمكّن من مراقبتها واستهدافها مبكراً؛ لتكون عملية بيت جن فجر الجمعة 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 تتويجاً لهذا الجهد الاستخباراتي.
أما القصف المدفعي والصاروخي، فيأتي كأداة ردع تكتيكي ووسيلة لتنفيذ قمع شامل لأي مصدر نيران محتمل أثناء العمليات البرية الموازية؛ عند رصد أي نشاط هجومي باتجاه الجولان أو مواقعه العسكرية. ويتكامل ذلك مع إجراءات تأمين الحدود التي تشمل مكافحة التسلل، ورصد طرق التهريب، وإدارة البيئة الحرارية للحدود عبر أجهزة مراقبة ليلية متقدمة.
ويبرز في هذا السياق تحدٍّ جديد بالنسبة لإسرائيل يتمثل في ظهور مجموعات مقاومة سورية محلية، لا ترتبط بإيران أو حزب الله، وتعمل خارج أي هرمية تنظيمية واضحة. وتتعامل إسرائيل مع هذه المجموعات باعتبارها فاعلين مسلحين غير منظمين، ما يجعل الاشتباك معهم يتسم بطابع مبعثر وغير قابل للتوقع، ويزيد احتمالات التصعيد المفاجئ خلال أي توغل بري.
يتشكل لدينا هنا نموذج عملياتي هجين تقوده إسرائيل يجمع بين الضربات الدقيقة، والغارات البرية المحدودة، والسيطرة الإلكترونية، والاستخبارات المستمرة، وفرض قواعد اشتباك مرنة. والهدف النهائي هو منع تشكّل هندسة أمنية جديدة في الجنوب السوري تسمح للإدارة السورية الجديدة أو للجماعات المحلية ببناء قدرة قتالية مستقرة تُغيّر معادلات التوازن على حدود الجولان.
عملية بيت جن
لم يحدث التوغّل الإسرائيلي في بيت جن، الذي انتهى بمواجهة قاتلة، خلّفت أكثر من 13 قتيل سوري، وإصابة وتشريد العشرات، وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين، في فراغ ولا يمكن تفسيره بوصفه مجرد عملية تكتيكية فاشلة أفضت إلى خسائر في العدد والعائد الإسرائيلي. يمثّل هذا الاقتحام، والاشتباكات التي تلته، أول اختبار ضاغط في المشهد الأمني الجديد الذي نشأ بعد سقوط بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 وصعود الرئيس أحمد الشرع، الذي تسعى إدارته إلى إعادة بناء السلطة في جنوب يتّسم بسنوات من التفكك، واستقلالية الميليشيات، والشبكات العابرة للحدود، ومنظومة استخباراتية أعيد تشكيلها. وما جرى في بيت جن هو أكثر من اشتباك محلي؛ إذ إنه اللحظة الثالثة التي كشف فيها خط ما بعد الأسد الحدودي عن تقلباته ( بعد عمليات التوغل في كويا ونوى في درعا) ، وقنواته الاستخباراتية المتنافسة، وولاءاته المتحركة، والدرجة التي باتت فيها إسرائيل مستعدة لتحويل التوغلات عبر الحدود من أعمال استثنائية ونادرة إلى أدوات روتينية لصياغة الواقعين السياسي والعسكري على الأرض. كما يكشف الاشتباك عن تطور العقيدة الإسرائيلية داخل سوريا، بوجود مقاربة أمنية مزدوجة المسارات تجمع بين عمليات دقيقة ضد أفراد وخلايا وبين رسائل استراتيجية أوسع تهدف إلى التأثير في سلوك الحكومة السورية الناشئة، وتحديد ما تعتبره إسرائيل أفعالاً مقبولة وما قد يدفعها إلى العقاب أو التصعيد.
من العمل السري إلى التوغّل العلني
يجب فهم عملية بيت جن ضمن إطار عملية "سهم باشان" الأوسع التي أطلقت بعد سقوط الأسد بهدف توسيع النفوذ والسيطرة الإسرائيلية في جنوب سوريا، بما يشمل كتلة جبل الشيخ، والقنيطرة، وريف دمشق الغربي والمناطق العازلة المجاورة؛ و التي تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الجنوب السوري ، ومنع أي قوة عسكرية أو استخباراتية من الترسخ قرب الجولان، سواء كانت جماعات محلية أو أجهزة سورية جديدة أو وكلاء لإيران وحزب الله، وتقوم على استباق التهديدات قبل تشكلها عبر الضربات الدقيقة والتوغلات المحدودة، وفرض قواعد اشتباك تجعل الجنوب السوري منطقة رخوة لا تسمح بقيام تهديد مستقبلي. يمثل هذا النهج تحولاً حاسماً في الفلسفة العسكرية الإسرائيلية؛ فقبل كانون الأول/ديسمبر 2024، اعتمدت إسرائيل بصورة أساسية على الضربات الجوية، والاغتيالات الدقيقة في عمق دمشق ومحيطها، والاختراق الاستخباراتي العميق لتوجيه مسار الأحداث في سوريا، مركزة على تقويض البنية التحتية الإيرانية وتعطيل لوجستيات حزب الله. أما بعد انهيار النظام، فقد أعادت إسرائيل ضبط نمط عملها نحو مقاربات أكثر جرأة، عبر توغلات برية عبر الحدود، وعمليات اعتقال، ونفوذ تكتيكي في العمق السوري، وإجراءات مستمرة لمنع الجماعات المسلحة أو الفاعلين السياسيين أو الأجهزة الأمنية الناشئة من ترسيخ وجود معادٍ على طول الجبهة. تمثل بيت جن حالة اختبار نادرة تواجه فيها هذه المقاربة البرية الموسعة فاعلين سوريين مسلحين منغرسين في الأرض، ما كشف حدود قدرة إسرائيل على فرض السيطرة في الاشتباك القريب. وقد أدت المقاومة غير المتوقعة، التي انتهت بتعطيل مركبة هامر وإصابات في صفوف الجنود الإسرائيليين وانسحاب قسري، ليس فقط إلى تعطيل العملية، بل إلى كشف هشاشة بنيوية في الاستراتيجية الأمنية في الجنوب السوري في مرحلة ما بعد الأسد.
برز بُعد أكثر خطورة بعد ادعاء جيش الاحتلال بأن أفراداً يعدون مخططات حربية في التخطيط لهجمات، أو في مقاومة التوغّل الإسرائيلي، قد يكونون تابعين لقوات استخبارات الرئيس أحمد الشرع؛ وقد يكونون تابعين للجماعة الإسلامية، بوصفها جماعة مقاومة ممتدة إلى الجنوب السوري ولها ارتباطات في عدة قرى منها كناكر وبيت سابر وبيت جن. وإذا ما ثبت ذلك، فسيشكل قطيعة مع التفاهمات الضمنية التي حكمت التفاعل الإسرائيلي السوري بعد سقوط الأسد، لا سيما مع استحالة التوصل إلى اتفاق أمنى مع الاحتلال. فبالنسبة لإسرائيل، يشكل تورط أجهزة الدولة السورية أو أفراد منها في اشتباك مسلح مع قواتها خطاً أحمر، خاصة وأن حكومة الشرع كانت قد أشارت في البداية إلى رغبتها في استقرار الحدود وتجنب المواجهة واستعادة الأراضي المغتصبة ما بعد 8 كانون الأول/ديسمبر. وقد ألمح مسؤولون إسرائيليون بالفعل إلى أنه في حال تأكد هذا التورط، فإن إسرائيل ستصعّد بقوة، وستستبدل عمليات الاعتقال البرية بضربات بعيدة المدى تستهدف البنية التحتية العسكرية السورية وربما شبكات استخبارات يُعتقد أنها مرتبطة بهجمات ضد جنود إسرائيليين في نقاط التل الأحمر وجباتا الخشب أو مجتمعات درزية في قرية حضر وقرية حرفا القريبتين من بيت جن. وسيشكل ذلك أول مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل والحكومة السورية الجديدة، محطماً السردية التي تقول إن مرحلة الشرع الأولى ستكون مرحلة ضبط النفس. وما إذا كانت دمشق قد أمرت بذلك أم أن وحدات محلية تصرفت باستقلالية لا يغير من الأمر شيئاً؛ ففي المنطق الاستراتيجي الإسرائيلي، الدولة السورية مسؤولة في النهاية عن إدارة الجبهة الجنوبية وبالتالي عليها تقديم ضمانات ان الجنوب خالٍ من إل عمل مضاد أو مقاومة محتملة ضد تل ابيب؛ وهذا بالفعل ما قامت به قوات الأمن الداخلي عند مداهماتها لعدة مقرات للجماعة الإسلامية في كناكر بريف دمشق الغربي، وتطويقها لمسار تهريب السلاح في المنطقة.
مواجهة تكتيكية ذات تداعيات استراتيجية
تكشف أحداث بيت جن كيف يمكن أن تتحول مهمة اعتقال روتينية بسرعة إلى اشتباك معقد في بيئة يهيمن عليها مجتمع طوّر شبكات دفاعية ذاتية خلال أكثر من عقد من الصراع. فقد دخلت قوات لواء 55 الإسرائيلي العاملة تحت الفرقة 210 البلدة لاعتقال أعضاء من الجماعة الإسلامية، الذين يُعتقد أنهم يخططون لهجمات على أهداف إسرائيلية ودرزية. ووفق الرواية المحلية، فقد تم اعتقال 3 أشخاص، لكن بعد وقت قصير اندلع إطلاق نار من مسافة صفر، استُهدفت القوة المقتحمة وتركوا وراءهم مركبة هامر وتم تعطيلها، كما استخدمت المروحيات والطائرات المسيّرة، ونفذت الطائرات الحربية ضربات مخططاً لها مسبقاً، واستُخدمت الدبابات لقمع مواقع يُشتبه بأنها مصدر النيران. وتحولت العملية، التي توقعها المخططون الإسرائيليون أن تنتهي سريعاً، إلى معركة استغرقت ساعتين وأسفرت عن إجلاء جنود مصابين وانسحاب تحت النار. تعد هذه الحادثة "استثنائية" بالنسبة للجيش الإسرائيلي لأنها تقوّض افتراضاً راسخاً مفاده أن جنوب سوريا، الضعيف والمفكك والمنهك، سيكون آمناً، ولن يقدم مقاومة مؤثرة أمام العمليات البرية الإسرائيلية.
اللافت في اشتباك بيت جن أن المقاتلين الذين اشتبكوا مع القوة الإسرائيلية لم يكونوا جزءاً من شبكات تابعة لإيران، ولا من خلايا حزب الله، ولا من بقايا ميليشيات عهد الأسد، بل من سكان محليين ومجموعات دفاع مجتمعي وتشكيلات سورية متجذرة تكوّنت خلال الفراغ الذي أعقب انهيار النظام. وهذا الأمر شديد الأهمية لأنه يقدم فاعلاً لا-مركزياً، بلا هيكل قيادي هرمي، ومتجذراً اجتماعياً وجغرافياً، فاعلاً لا يمكن ردعه بضربات دقيقة أو عبر استهداف قادة. وعلى عكس الميليشيات المرتبطة بدول أو وكلاء خارجيين، تمثل مجموعات المقاومة المحلية منظومة أمنية عضوية، تُحدد قراراتها اعتبارات المجتمع المباشرة وليس حسابات جيوسياسية؛ وهذا يعقد التخطيط الإسرائيلي، لأن العمليات الإسرائيلية قد تؤدي إلى انتفاضات محلية متسلسلة أو تعبئة جماهيرية أو انتقام مجتمعي، خاصة عندما يسقط مدنيون جراء الغارات. كما أن صعوبة التمييز بين المدنيين والمقاتلين في مثل هذه البيئات (لا سيما البيئات المفتوحة على الحدود ويسهل فيها امتلاك السلاح) تخلق معضلات تشغيلية لإسرائيل، التي تعتمد أهدافها السياسية الاستراتيجية جزئياً على تجنب أعمال تؤدي إلى تأجيج مشاعر العداء عبر الحدود.
جغرافيا مهمة واستثنائية
تضخم الأهمية الجغرافية لبيت جن تداعيات المواجهة؛ فالبلدة الواقعة على السفوح الشرقية لجبل الشيخ تتمركز فوق أحد أكثر التضاريس حساسية واستراتيجية في الريف الجنوبي الغربي من البلاد، إذ تشرف على طرق تهريب نحو لبنان (من جهة شبعا) والقنيطرة (عبر الطرقات الوعرة مع جباتا الخشب)، وتقع بجوار مواقع إسرائيلية في الجولان المحتل، وتوفر غطاء طبيعياً للحركة السرية ونقل السلاح وانتشار الجماعات المسلحة. ومنذ سقوط الأسد، تنظر إسرائيل إلى بيت جن باعتبارها نقطة اشتعال محتملة تتقاطع فيها الأجهزة الاستخباراتية السورية الناشئة وشبكات المقاومة المحلية ومجموعات التهريب والخلايا الإسلامية. وتعكس مداهمات إسرائيل عبر عامي 2024 و2025، التي شملت اعتقال نحو 45 سورياً ما يزال مصيرهم مجهولاً، محاولة لصياغة البيئة قبل أن تتصلب في شكل معادٍ؛ لتكون العملية التي وصفتها إسرائيل بأنها استباق لهجمات على الدروز والقوات الإسرائيلية، جزءاً من صراع طويل حول تعريف الأمن في هذه الجبهة الجبلية.
الردع وحماية الاقليات
إن التبرير العلني لإسرائيل، حماية المجتمعات الدرزية في حضر وقواتها الموجودة في تل أحمر ومنع هجمات تطاول الأقلية الدرزية والقوات العسكرية الإسرائيلية ، يخاطب الجمهورين الداخلي والإقليمي؛ على اعتبار ان الدروز الإسرائيليون يشكلون مجتمعاً له حضور سياسي، وتقدم إسرائيل نفسها باعتبارها حامية للدروز في جنوب سوريا، ما يدعم سرديتها الأخلاقية حول عملياتها عبر الحدود. لكن هذه السردية انهارت سريعاً في الساحة السورية بعد انتشار صور وتقارير عن مقتل 13 مدنياً، بينهم خمسة من أسرة واحدة، وتدمير منازل واسعة النطاق ونزوح كثيف. وتصوير الإعلام السوري الرسمي للحادثة بوصفها مجزرة يزيد الضغط على الإدارة السورية الجديدة للرد عسكرياً أو سياسياً، خاصة وأن شرعيته تعتمد إلى حد كبير على إعادة بسط السيادة وحماية المدنيين بعد سنوات من الحرب والانهيار. وعليه، قد تجد إسرائيل أن سرديتها، الفعالة داخلياً، ارتدت عليها استراتيجياً عبر الحدود.
تكشف اشتباكات بيت جن تغيّرات عميقة في الهيكل الأمني للجنوب السوري من خلال عدة محاور. أولاً، الوجود البري الإسرائيلي داخل سوريا لم يعد بلا منافسة؛ فقد أظهرت مجموعات المقاومة المحلية قدرة وإصراراً. ثانياً، قد تتحول إسرائيل من عمليات الاعتقال البرية إلى الاعتماد المتزايد على القوة الجوية والطائرات المسيّرة والضربات البعيدة لتقليل المخاطر. ثالثاً، قد تجد حكومة الشرع نفسها منجذبة نحو المواجهة، حتى لو فضّلت ضبط النفس، لأن لامركزية الجماعات المسلحة المحلية في الجنوب السوري تجعل التحكم في التصعيد أمراً بالغ الصعوبة. رابعاً، لم يعد الجنوب السوري يُعرّف من خلال الثنائية القديمة إسرائيل-إيران التي حكمت العقد الماضي (من خلال العمليات في مثلث الموت والريف الغربي)؛ بل بات فسيفساء من الفاعلين المتنافسين وغير المنتمين أصلا لأي محور. خامساً، تتطور ديناميات الصراع نحو نموذج هجين يجمع بين توغلات عبر الحدود، ومقاومة محلية، وغموض استخباراتي، وعمليات مشتركة بين المسيّرات والطائرات الحربية، منظومة أكثر تعقيداً بكثير من سوريا قبل عام 2024.
بيت جن ليست استثناء
في المحصلة، عملية إسرائيل في بيت جن ليست استثناءً، بل مؤشراً بنيوياً على الواقع الحدودي الجديد الذي يتشكّل في مرحلة ما بعد الأسد. فهي تكشف هشاشة العقيدة العملياتية الإسرائيلية الموسعة، وعدم قابلية التنبؤ في النظام السياسي الأمني السوري الناشئ، والقدرة المتنامية لمجموعات المقاومة المحلية، وخطر أن تؤدي حتى العمليات المحدودة إلى تصعيد على المستوى الوطني. وإذا ثبتت مشاركة أجهزة استخبارات سورية، فقد تؤدي الضربات الانتقامية الإسرائيلية التي وُعد بها إلى أول مواجهة مباشرة بين الحكومة السورية الجديدة والجيش الإسرائيلي، ما سيعيد تشكيل الخريطة الاستراتيجية لسنوات. وبالتالي يجب فهم بيت جن باعتبارها الفصل الافتتاحي لهندسة أمنية جديدة في جنوب سوريا، مشهد تصبح فيه كل قرية، وكل طريق تهريب، وكل خلية استخبارات، وكل مجموعة دفاع مجتمعي جزءاً من صراع أوسع حول معنى السيادة والردع والقوة في بلاد الشام بعد سقوط نظام الأسد.
ما يهم هو أن بيت جن بجغرافيتها وارتباطاتها تشكل خطراً حقيقياً على أمن التوسّع الإسرائيلي في مناطق جبل الشيخ، وبالتالي ربما يرغبون في إخلاء هذه المنطقة وتهجير سكانها بأي طريقة وتحت أي ذريعة، كونها القرية ذات الكثافة السنية الأقرب إلى وجود القوات الإسرائيلية في منطقة التل الأحمر ووجود الدروز في قرى حضر غرباً، وعرنة وبقعسم والريمة وقلعة جندل شرقاً. تسعى إسرائيل إلى ضبط هذه المنطقة بحيث يكون الإشراف الأمني والعسكري فقط من الجانب الإسرائيلي. ربما يقودنا هذا إلى الحديث عن دور للإدارة السورية الجديدة للتوصل إلى حل عبر الدبلوماسية السورية والضغط لتمرير اتفاق أمنى؛ او العمل على ضبط الوضع الأمني في الداخل كونه مسؤولية محلية ولا يمكن القبول أن تقوم إسرائيل بتنفيذ عملية أمنية لتحييد وضبط السلاح والجماعات المؤدلجة والموالية لدول اقليمية (في سياقات أوسع) وسحب الأهلية من الإدارة السورية في ملف أمن الجنوب.
