شبكات نفوذ بديلة: أفغانستان وكوبا في قلب التحوّل الجيوسياسي

ديما الحلوةالاثنين 2025/12/01
Image-1764618570
محور الشرق يتحاشى التورط في مواجهة مباشرة مع واشنطن (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في عالم تسيطر فيه الولايات المتحدة على الممرات البحرية والطرق التجارية الحيوية، تتشكّل اليوم خطوط نفوذ بديلة يحاول من خلالها محور الصين وروسيا وحتى الهند، إعادة رسم التوازنات الإقليمية والدولية. هذه القوى تدرك أن مواجهة واشنطن مباشرة على كل الجبهات مستحيلة، لذلك تتجه إلى المناورة الاستراتيجية عبر طرق بديلة، وتحالفات اقتصادية وسياسية، وتوسيع شبكات النفوذ، إن كان في آسيا الوسطى عبر الممر الأفغاني الإيراني، أو في الكاريبي حيث تشكّل كوبا بديلاً عن فنزويلا للحفاظ على النفوذ الروسي الصيني.

 

ممرّ بديل عن الهيمنة الأميركية

في قلب هذه التحركات، يأتي الممر الأفغاني الإيراني كمحور حيوي لتأمين التجارة والطاقة بعيداً عن قبضة باكستان والولايات المتحدة. ومع تصاعد التوتر بين طالبان وباكستان، وارتفاع المخاطر على الممرات البحرية التقليدية، يركّز المحور مع الهند وإيران على تطوير شبكة ممرات بديلة تربط أفغانستان بإيران، مروراً بموانئ تشابهار وبندر عباس، بما يسمح بتأمين تدفّق النفط والطاقة والبضائع إلى آسيا الوسطى.

طالبان، التي تبحث عن تخفيف اعتمادها التقليدي على الموانئ الباكستانية، تجد في هذا الممر فرصة لإعادة توازنها الاستراتيجي. خلال الأشهر الستة الماضية، وصلت التجارة الأفغانية مع إيران إلى 1.6 مليار دولار، مقارنة بـ 1.1 مليار دولار مع باكستان. إيران استجابت بعروض محفّزة، بما في ذلك خصم 30 في المئة على رسوم الموانئ، و75 في المئة على رسوم التخزين، و55 في المئة على الرسوم البحرية، عبر ميناء تشابهار الذي تدعمه الهند.

وبينما تستفيد الهند وروسيا وإيران من توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي من دون التورط في مواجهة مباشرة مع واشنطن، يُتوقّع أن يقوم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة إلى الهند قريباً لتعزيز الشراكة الاستراتيجية وتنسيق المواقف بشأن ملفات الطاقة والتجارة. وهكذا، من خلال تعزيز التعاون مع نيودلهي، يمكن تسريع استخدام الموانئ الهندية وربطها بميناء بندر عباس، لتأمين طرق تجارية آمنة ومستقرة نحو آسيا الوسطى. وهذا يعكس رفض الهند انتظار تأمين ممرها إلى أوروبا عبر الشرق الأوسط بعد خسارة طرقها التجارية عبر ممر زنغزور.

 

الهند في انتظار تأمين ممرّها البديل إلى أوروبا

على صعيد آخر، تواجه الهند تحديات استراتيجية جديدة مع مشروع ممر زنغزور في أرمينيا، المدعوم من أذربيجان وتركيا، والذي يربط أراضي أذربيجان بأرمينيا. هذا الاتفاق الذي تم برعاية الولايات المتحدة يهدّد مصالح الهند التجارية في الوصول إلى أوروبا عبر إيران وآسيا الوسطى، ويضع ضغوطاً على استراتيجيتها في المنطقة.

في المقابل، تعمل الولايات المتحدة على تعويض نيودلهي بتعزيز مشروع ممر الهند - أوروبا عبر الشرق الأوسط، الذي يربط الهند بالقارة الأوروبية عبر شبكة بحرية وبرية تمتدّ من الخليج العربي إلى الأردن وإسرائيل، وصولاً إلى ميناء حيفا، ومنه إلى الموانئ الأوروبية. هذا المشروع الاستراتيجي يقلّص زمن الشحن بين الهند وأوروبا بنسبة تصل إلى 40 في المئة مقارنة بالمسار التقليدي عبر قناة السويس، ويتيح نقل البضائع والطاقة، ويشمل خطوطاً لأنابيب الهيدروجين الأخضر، وشبكات كهرباء، وكابلات بيانات لتعزيز الربط الرقمي بين القارات.

لكن الطريق ليس خالياً من المخاطر ويتطلب جهوداً أميركية وإسرائيلية لتأمين الطريق البري من ميناء جبل علي في الإمارات إلى ميناء حيفا في إسرائيل. وتلعب إسرائيل دوراً محورياً في خطة القضاء على التهديد الإيراني، إن كان عبر الحوثيين في اليمن، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة والضفة الغربية، وحزب الله في لبنان، والذي يعطّل إلى الآن المشروع ويجعل تأمينه العسكري والدبلوماسي أكثر تعقيداً. هذا ما يدفع إسرائيل إلى تكثيف عملياتها حالياً في جنوب سوريا والضفة الغربية، وتتوعّد الجنوب اللبناني لضمان سلامة الطريق البري الحيوي للممر الهندي الأوروبي، من ضمن أسباب أخرى.

في هذا السياق، تستغل روسيا والصين عدم الرضا الهندي على تعرّضها للخسارة نتيجة الهيمنة الأميركية على ممرات التجارة، وتشجّعانها على الاحتفاظ بعلاقات نشطة مع إيران رغم العقوبات الأميركية على النفط، وذلك لتعويض الخسارة في ممر زنغزور ولضمان استمرار مشروع ميناء تشابهار الذي يمثّل مدخلاً مباشراً إلى أفغانستان وآسيا الوسطى. وعلى الرغم من الانخفاض في واردات النفط الهندية من إيران منذ 2019، استمر التعاون في مجالات الأمن البحري والطاقة، ووسّعت نيودلهي حضورها في ميناء تشابهار، إضافة إلى تعميق التعاون الأفغاني الإيراني. هذا التوازن الدقيق يعكس قدرة الهند على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية دون الانزلاق في صدام مباشر مع الولايات المتحدة أو المساس بعلاقاتها الخليجية والإسرائيلية.

 

كوبا بدلاً عن فنزويلا

إلى الغرب، في الكاريبي، لا يختلف المشهد. إذ اتخذ محور الشرق استراتيجية مختلفة لكنها متسقة: الصين وروسيا تبحثان عن الحفاظ على النفوذ في المنطقة على الرغم من الوجود القوي لواشنطن في فنزويلا. في هذا الإطار، تركز الصين وروسيا على كوبا كخط دفاع استراتيجي بديل، حيث تدعو الصين باستمرار إلى رفع العقوبات الأميركية عن كوبا، وتعزّز التعاون السياسي والاقتصادي، وتعمل على دعم الجزيرة في المحافل الدولية. فيما يشارك الروس في التدريب العسكري مع كوبا لتعزيز قدراتها الدفاعية. وبالمقابل، ترسل كوبا آلاف الجنود للمشاركة في الحرب الروسية على أوكرانيا. هذا التوجه يخلق شبكة نفوذ متعددة الطبقات تمكّن المحور من الحفاظ على مصالحه الاقتصادية والسياسية في الكاريبي، وتقليل قدرة واشنطن على التحكم بالممرات الحيوية. 

ما يجمع بين الممر الأفغاني الإيراني وكوبا في الكاريبي هو اعتماد نهج المناورة بدل المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، عبر الاستثمار في طرق جديدة، وشبكات شراكات واتفاقيات استراتيجية، وتعزيز التعاون العسكري والسياسي لحماية المصالح. هذا التوجّه يعكس مرحلة جديدة من الصراع الجيوسياسي العالمي، حيث يراهن محور الشرق على البدائل والمناورات الذكية لإعادة توزيع النفوذ من آسيا الوسطى إلى أوروبا، ومن الموانئ الإيرانية إلى الكاريبي، بما يضمن مصالح اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث