في السويداء، كل حدث يحمل دلالاته الخاصة وكل خطوة تؤثر في بنية المجتمع الداخلية، فالحملة الأمنية الأخيرة التي شنّها ما يُعرف بـ"الحرس الوطني" التابع للشيخ حكمت الهجري، لم تكن مجرد سلسلة اعتقالات عابرة، بل جاءت كإعلان عن مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ داخل الطائفة الدرزية، ومحاولة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي والاجتماعي في محافظة لطالما اعتادت على التوازن بين الطاعة والتمرّد والقدرة على إدارة الشؤون المحلية باستقلالية واضحة عن أي سلطة خارجية.
منذ الإعلان عن الاعتقالات، بدا المشهد مختلفاً وغير مسبوق. رجال دين وناشطون وشخصيات اجتماعية وجدوا أنفسهم داخل دائرة اتهام ثقيلة، مرتبطة بالتواصل مع حكومة دمشق الجديدة، وهو ما فُسّر على أنه محاولة لخلق خرق سياسي داخل المحافظة.
لكن ما بين السطور يُكشف عن أمر أعقد من مجرد تهمة فالقصة تتعلق بتحديد هوية اللاعب المقبول على المسرح المحلي وتثبيت حدود النفوذ داخل المجتمع.
حملة أمنية خاطفة
السبت الماضي، وتحديداً في ساعات الظهيرة، تسربت معلومات عن حملة اعتقالات واسعة شنها الحرس الوطني واستهدف فيها شخصيات دينية كانت منذ فترة وجيزة محسوبة بشكل كامل على الشيخ حكمت الهجري، ومن أبرز هذه الشخصيات الشيخ رائد المتني الذي كان في ما مضى يتحكم بالقرار العسكري للهجري، ويرافقه الشيخ ماهر فلحوط والشيخ مروان رزق. ويعلم أهالي السويداء ثقل هذه الأسماء لدى الشيخ الهجري، لكن مع تشكل ما يعرف بالحرس الوطني، اختفى هؤلاء الأشخاص بشكل كامل عن المشهد وظهر مكانهم قيادات عسكرية جديدة كالشيخ طارق خويص وطارق المغوش إضافة إلى ضباط قدامى في الحرس الجمهوري التابع للنظام السابق، كالعميد جهاد الغوطاني الذي يقود الحرس الوطني اليوم.
حملة الاعتقالات تلك بدأت بسرية تامة، لكن مع انكشافها وخروج شريط مصور لتعذيب وإهانة الشيخ المتني، سارعت غرفة عمليات الحرس الوطني للخروج ببيان توضح فيه أسباب الأعتقال والاتهام الذي لحق بالأسماء التي تم اعتقالها، علماً بأن الحملة لم تكن مجرد إشعارات أو استدعاءات، بل عمليات ميدانية مكتملة الأركان.
أحد الشهود الذين تحدثوا لـ"المدن" عن الحملة، وصف اللحظة التي اعتُقل فيها الشيخ رائد المتني قائلاً: "كنت بالقرب من المنزل عندما بدأ تطويق الحرس الوطني للمنزل بالكامل، بحدود خمسة عشر عنصراً مسلحين دخلوا بسرعة وأخرجوا الشيخ بعد دقائق، في مشهد صادم لم يسبق أن اعتاده أهل السويداء".
وأضاف الشاهد أن طريقة التعامل مع رجل دين بهذه الصرامة، وانتشار فيديوهات إهانة للشيخ، أثارت غضباً شعبياً، معتبراً أن هذه الطريقة غير مألوفة في البيئة الاجتماعية المحافظة وأنها تجاوزت الأعراف التقليدية التي تحكم التعامل مع رموز الدين.
الهجري يفتح جبهات سياسية متعددة
رغم أن التهمة الرسمية هي التواصل مع الحكومة السورية، إلا أن كثيرين داخل السويداء يشككون بهذه الرواية. فهناك من يعتقد أن الأشخاص الذين جرى اعتقالهم أقرب إلى الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للدروز في فلسطين، والذي يمثل ثقلاً روحياً لا يمكن تجاهله.
ووفق هذا التصور، فإن الحملة ليست عن الاختراق السياسي، بل عن رسم حدود المرجعيات وتسوية الحساب مع كل من يحاول بناء ولاء خارج عباءة الهجري. معنى آخر: الاعتقالات قد تكون موجهة ضد النفوذ الروحي المنافس لا ضد دمشق.
وبعد ساعات من الاعتقالات اتجهت الحملة إلى منزل الشيخ سليمان عبد الباقي، مدير الأمن الداخلي لدى حكومة دمشق، في خطوة رفعت منسوب التوتر أكثر، حيث نشر عبد الباقي فيديو للحظة اقتحام عناصر الحرس الوطني بيته وأعلن نيته الرد، ما جعل المشهد أكثر تعقيداً، إذ أصبح الصراع ليس بين الحرس الوطني والأفراد فقط، بل بين أجهزة أمنية محلية ومرجعيات دينية، وكل طرف يمتلك شبكة علاقات وقدرة على التأثير في الشارع.
صدمة أهالي السويداء
مزاج الشارع كان متأثراً بشكل واضح. فهناك شعور بالصدمة والخوف من أن يتحول الخلاف السياسي والروحي إلى صراع داخلي أوسع. ويشعرالأهالي بأن الاعتقال بهذه الطريقة يمثل كسراً لحرمة رجال الدين، وأن الطريقة التي نُفذت بها الحملة جاءت دون أي توافق أو تشاور مع القوى الاجتماعية في المحافظة، ما أثار موجة من القلق حول إمكانية تعميق الشرخ الداخلي، كما ان انتشار فيديوهات تعرض الشيخ المتني للإهانة ساهم في إشعال شعور بالغليان وعكس حجم الاستياء الشعبي من هذه الخطوة.
يبدو أن السويداء دخلت مرحلة جديدة تختلف تماماً عن ما قبلها، مرحلة يُعاد فيها رسم موازين القوى بين المرجعيات المحلية وشبكات النفوذ، وتُختبر فيها قدرة المجتمع على إدارة خلافاته الداخلية. فالحملة الأخيرة لم تكن مجرد اعتقالات، بل خطوة سياسية كبرى تحمل في طياتها رسائل واضحة لكل من يحاول تحدي سلطة الأمر الواقع التي فرضتها أحداث تموز/يوليو الماضي، وتعيد فتح نقاش حول تعريف الشرعية داخل الطائفة وطبيعة العلاقات بين القوى المختلفة في المحافظة.
