مفاجأة سارة حملها الأمر التنفيذي الذي وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حكومات عربية تخوض مواجهات ممتدة على مدى أكثر من تسعين عاماً مع جماعة الإخوان المسلمين، والذي أوعز فيه إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، بالنظر في تصنيف بعض فروع جماعة "الإخوان المسلمين" كمنظمات إرهابية أجنبية وإرهابيين عالميين مصنفين على نحوٍ خاص.
وأضاف بيان البيت الأبيض، على نحوٍ يعكس جدية التزام الرئيس الأميركي ترامب بحظر الجماعة، "يوجه هذا الأمر إلى الوزيرين المذكورين آنفاً، بالتشاور مع المدعي العام ومدير الاستخبارات الوطنية، ليقدما تقريراً عمّا إذا كان ينبغي تصنيف أي من فروع جماعة الإخوان المسلمين، مثل تلك الموجودة في لبنان ومصر والأردن، كمنظمات إرهابية أجنبية بموجب المادة 8 من قانون الولايات المتحدة 1189 ومنظمات إرهابية عالمية مصنفة خصيصاً بموجب المادة 50 من قانون الولايات المتحدة 1702 و13224.
وأوضح بيان البيت الأبيض أن "الهدف النهائي من هذا الأمر هو القضاء على قدرات وعمليات الفروع المصنفة كذلك، وحرمانها من الموارد، وإنهاء أي تهديد تشكله هذه الفروع على المواطنين الأمريكيين والأمن القومي للولايات المتحدة".
وقال البيت الأبيض عن مواجهة التهديدات الإرهابية: "يتصدى الرئيس ترامب لشبكة الإخوان المسلمين العابرة للحدود الوطنية، التي تُغذي الإرهاب وحملات زعزعة الاستقرار ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط".
وأكمل بيان البيت الأبيض: "في أعقاب هجوم 7 أكتوبر 2023، ساعد الجناح العسكري للفرع اللبناني لجماعة الإخوان المسلمين الجماعات الإرهابية على شن هجمات صاروخية متعددة ضد أهداف مدنية وعسكرية داخل إسرائيل. وشجع أحد كبار قادة جماعة الإخوان المسلمين المصرية على شن هجمات عنيفة ضد شركاء الولايات المتحدة ومصالحها في الشرق الأوسط، في اليوم نفسه الذي نفذت فيه حماس هجوم 7 أكتوبر".
وجاء في الختام حول "حماية الأمن الأميركي والدفاع عن مصالح الولايات المتحدة في الخارج": "يواصل الرئيس ترامب إعطاء الأولوية لتدابير مكافحة الإرهاب القوية لحماية الأميركيين وتعزيز الأمن القومي ضد التهديدات الخارجية، مع تعزيز السلام والاستقرار في جميع أنحاء العالم".
يتجاوز بيان البيت الأبيض بشأن حظر جماعة الإخوان، أقصى أماني حكومات عربية استهدفتها الجماعة (المحظورة)، ويسمح بمواجهة مفتوحة معها باتساع العالم، بدعم من أطراف دولية طالما كانت حاضنة للجماعة المحظورة، ومصدراً لتمويلها وحماية عناصرها.
بيان البيت الأبيض عكس تحولاً تجاه الإخوان ينهي حقبة طويلة من التردد، بدت الولايات المتحدة خلالها كأنها تحتضن الجماعة وتوفر لها ملاذات آمنة، لكن معرفة الخلفيات الفكرية، أو الأساس النظري لهذا التحول الأميريكي الكبير، قد يتيح فهم منطلقاته، ومدى قابليته للتحقق كتحول أصيل وليس عارضاً في السياسة الأميركية.
ووفق مراقبين، فإن التنافس الحزبي في الولايات المتحدة، ليس بعيداً عن هذا التحول، بل ربما جاء القرار الأمريكي بشأن حظر الجماعة، في إطار ضرب القاعدة الانتخابية للحزب الديموقراطي، بخطابه الليبرالي الذي يستهدف الأقليات مثل السود والملونين والمسلمين والمهاجرين؛ إذ يؤدي استهداف المهاجرين والمسلمين الأصوليين بصفة خاصة إلى تفتيت القاعدة الانتخابية للحزب الديموقراطي الذي يحتضن الأقليات من المسلمين والملونين والأفغان، وهذا ما يؤدي بالتداعي إلى إضعاف القاعدة الانتخابية للديموقراطيين، في حين تتبنى سياسات حركة (ماغا)التي أسسها ترامب، ويتبناها عتاة الجمهوريين بصفة خاصة، قيوداً بشأن الهجرة والاقليات، تذهب إلى حد المطالبة بإعادة مئات الألوف من المهاجرين الملونين من حيث أتوا، إذ يعتبر أنصار حركة (ماغا)، أن الحزب الديموقراطي يسعى عبر فتح الباب للمهاجرين إلى تغيير التكوين الديموغرافي للولايات المتحدة بحيث تصبح قاعدته الانتخابية من الأقليات (ملونين ومسلمين) هي الغالبية، وهو ما يتيح له السيطرة على الانتخابات بكل مستوياتها، وهذا بالضبط ما يحاربه ترامب الذي يسعى لإحكام قبضة الجمهوريين على البيت الأبيض، من خلال حظر جماعه الإخوان، والتصدي للمهاجرين حتى ولو بأثر رجعي خلافاً للدستور الأميركي.
قد يستفيد ترامب من مقولة أن ضغوطاً عربية بذلها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد، كانت وراء قراره بحظر جماعة الإخوان، لكن دوافع تتعلق بالبيئة السياسية الأميركية كما أوضحنا، تضع أساساً أميركياً مستمداً من تقليص القاعدة الانتخابية. للديموقراطيين، وترسيخ قواعد سياسات(ماغا) على نحو يعزز قبضة الجمهوريين على الحكم.
أميركا إذن، لم تتراجع عن دعمها للإخوان لأسباب تتعلق بالجماعة فحسب؛ إنما لأن تحولات مؤثرة في الداخل الأميركي في إطار التنافس الحزبي قبل شهور من الانتخابات النصفية، أملت على إدارة ترامب تبني هذا التحول الآن.
في الميزان ..ماغا أو الإخوان؟
القاهرة- عبد المنعم مصطفىالأحد 2025/11/30

الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب ضد الإخوان شكل مفاجأة سارة لحكومات عربية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر