عندما تمرّ اليوم في شوارع مدينة السويداء، بالكاد تجد رصيفاً يمكنك السير عليه. فقد ابتلعت البسطات معظم المساحات المخصّصة للمشاة، في مشهد غير مسبوق من التمدّد العشوائي الذي غزا الأسواق والشوارع الرئيسة، وغيّر ملامح المدينة.
في قلب السويداء، وتحديداً في ساحة سلطان باشا الأطرش أمام مبنى السرايا الحكومي، الذي تتخذه اللجنة القانونية العليا كمقر لإدارة شؤون المحافظة، تتمدّد البسطات اليوم على طول الأرصفة المحيطة، وتبيع كل ما يمكن بيعه: خضار وفواكه، ألعاب للأطفال، ملابس ووجبات سريعة التحضير. تحوّل المكان الذي يُفترض أن يكون مركزاً رمزياً للمدينة، إلى سوق مفتوح قائم على الامتداد العشوائي، بلا تنظيم ولا رقابة.
أزمة مرورية
وفي الشارع الممتد من السرايا باتجاه قيادة الشرطة والجامع الكبير، تُغلق البسطات الجانبين بالكامل تقريباً. تسبب ذلك بأزمة مرورية خانقة؛ إذ لا يجد المشاة مكاناً للعبور، ويضطرّون للنزول إلى الطريق وسط السيارات والدراجات النارية. ومع غياب التنظيم، بات هذا المشهد جزءاً يومياً من حياة السكان.
صفائح الحديد المستخدمة لإنشاء البسطات وصلت حتى طريق المشفى الوطني، في حين لجأ بعض الأشخاص إلى وضع "البلوكات" والإسمنت لتثبيت مواقعهم، وهو ما يحوّل الأرصفة إلى ملكيات شبه دائمة. وعلى هذا الطريق تنتشر أيضاً بسطات بيع البنزين والمازوت، المادتان الأكثر شحّاً في المدينة بالسعر الرسمي، لكنهما تتوفران هنا بكميات كبيرة وبأسعار مضاعفة، وهذا ما يكشف جانباً من اقتصاد موازٍ نشأ مع تفاقم الأزمة.
مصدر رزق
ومع الأزمة الاقتصادية التي اشتدت بعد أحداث تموز/ يوليو الدامية، يبحث الشباب عن أي فرصة للعمل. أصبح إنشاء بسطة في أحد شوارع المدينة الرئيسة الخيار الأكثر سهولة وسرعة، في ظل ارتفاع أسعار إيجارات المحال التجارية التي تصل إلى 500 دولار على طريق قنوات، ولا تقل عن 100 دولار في باقي أسواق المدينة. فاختيار مكان مناسب للبسطة، إضافة إلى وجود صلة بأحد الفصائل المحلية يكفيان لتأمين الحماية والاستمرار.
أما السلطات المحلية التي شكّلها الشيخ حكمت الهجري في تموز الماضي، فحاولت عبر قيادة الشرطة حظر بسطات الوقود. أرسلت دوريات عدة في أيلول/ سبتمبر الماضي، فاختفت بعض البسطات ليومين فقط، قبل أن تعود بأعداد أكبر، مع رفض أصحابها الإغلاق بحجة أنها مصدر رزقهم الوحيد، وأن من يريد منعهم عليه إيجاد بديل لهم.
قبل عدة أيام، بلغ الأمر حد إنشاء بسطة جديدة على الشارع المحوري المكتظ أساساً بالبسطات في التحويلة المؤدية إلى شارع الخضار، وهذا ما عرقل حركة السير في أحد أهم شوارع المدينة. احتاجت قيادة الشرطة إلى تدخل فصائل من الحرس الوطني لإزالتها بعد جدال طويل.
البلدية عاجزة
وأكدت مصادر محلية أن بلدية السويداء، التي تعاني عجزاً كبيراً في دفع رواتب موظفيها بسبب القطيعة الإدارية مع دمشق، تكتفي بإرسال الإنذارات. لكنها عاجزة تماماً عن اتخاذ أي إجراء فعلي، في حين تستمر الأرصفة في الاختفاء تحت وطأة البسطات التي تتكاثر يومياً.
هذا المشهد يكشف عمق الأزمة الإدارية التي تواجهها السلطات المحلية الناشئة، والتي لا تزال تبحث عن مصادر تمويل مستقرة. وقد بدأت اللجنة القانونية العليا بإنشاء صندوق للتنمية يمنحها مركزية أكبر في اتخاذ القرار، معلنة أنه يهدف لتأمين الخدمات الأساسية ودعم الفئات الأكثر ضعفاً، وأن تمويله سيعتمد على الرسوم والاقتطاعات، وهو ما يشير إلى احتمال لجوئها لفرض ضرائب جديدة على السكان في وقت يعجز فيه معظمهم عن تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وهكذا، يجد أهالي السويداء أنفسهم اليوم في مدينة بلا أرصفة، تتكاثر فيها البسطات كما تتكاثر الأزمات، في حين يظل الحل بعيداً في ظل غياب رؤية واضحة وقدرة تنفيذية فعالة، واستمرار حالة الاستعصاء السياسي بين المحافظة والمركز.
