عملية بيت جن: محاولة إسرائيلية لنسف الاتفاق الأمني مع دمشق؟

محمد الشيخالسبت 2025/11/29
Image-1764364158
التوغل في بيت جن سبقه تصعيد إعلامي وسياسي ضد دمشق (إنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن التوغل الإسرائيلي في بيت جن تفصيلاً من عملية إظهار الهيمنة على الأرض بالقوة العسكرية، والتي ينتهجها الاحتلال من خلال التوغلات اليومية جنوب البلاد، إنما كانت جزءاً من صورة أوسع، من تصعيد إسرائيلي على المستويين الإعلامي والسياسي خلال اليومين الماضيين، ضد السلطة في سوريا، بهدف ترسيخ واقع قواعد الاحتلال الموجود في الجنوب، في انقلاب واضح على التفاهمات الأولية السابقة المرتبطة بالاتفاق الأمني مع دمشق.


فرض واقع الاحتلال 
ما حصل في قرية بيت جن، فجر أمس الجمعة، لم يكن استثنائياً لجهة تعرض دوريات الاحتلال لما يشبه "المقاومة الشعبية" الرافضة للتوغلات الإسرائيلية في جنوب غرب البلاد، ورد الاحتلال بقصف جوي وبري عشوائي أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، إذ واجهت دوريات الاحتلال مقاومة مماثلة في بلدتي الجبيلية وكويا في ريف درعا الغربي، قبل نحو 7 أشهر، وسقط على إثرها 15 شهيداً من المدنيين والشبّان المسلحين الذي تصدوا للتوغلين.
لكن الاختلاف، إضافة لجرح جنود إسرائيليين، كان السردية الإسرائيلية السياسية والإعلامية التي استبقت العملية في القرية، إذ زعم وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس وجود مجموعات مسلحة داخل سوريا تفكّر في غزو مستوطنات مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وأن الأجهزة الأمنية "تأخذ هذا السيناريو بالحسبان ضمن تقديرات الدفاع عن الحدود الشمالية". وادعى أن الحوثيين من بين القوات الناشطة في سوريا، وتُعدّ تهديداً لاحتمال تنفيذ اجتياح بري للمناطق الشمالية.
بدورها، زعمت هيئة البث الإسرائيلية أن حركة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية تعمل منذ أسابيع على بناء قوة عسكرية كبيرة داخل سوريا، وهو ما نفته الحركة. كما ادعت أن الحكومة السورية على علم بهذه التحركات، وأنها وعيّنت مبعوثاً لتسهيل التواصل بين قيادة "الجهاد الإسلامي" والسلطات السورية.
ما بين عملية بيت جن وما سيليها من عمليات مماثلة داخل العمق السوري، والتصعيد السياسي والإعلامي، تظهر محاولة إسرائيلية لترسيخ سردية مزعومة هي أن احتلال شريط بعمق 7 كيلومترات داخل الأراضي السورية كان هدفه حماية أمن مستوطنات الجولان المحتل، وأن الاتفاق الأمني مع سوريا بشروط دمشق، لن يحل المشكلة. وفي هذا السياق قد نشهد رداً إسرائيلياً على جرح عدد من الجنود بحيث لا يخترق ربما الفيتو الأميركي غير المعلن على الغارات الجوية في سوريا لاسيما استهداف دمشق، كما حدث في السابق.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، في حديث لـ"المدن"، أن التصعيد الإسرائيلي ضد سوريا مرتبط بالسياق التفاوضي حول الاتفاق الأمني مع دمشق، وزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن واللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويضيف علوش أن تل أبيب لجأت إلى هذا التصعيد في محاولة لفرض اتفاق أمني بالشروط الإسرائيلية، على ألا يقتصر على ترتيب أمني على أساس اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، إنما دفع دمشق إلى مسار سلام بين الجانبين في نهاية المطاف.
وفيما يؤكد أن هذا التصعيد يقوّض فرض الوصول إلى اتفاق أمني مع دمشق في المستقبل المنظور، أوضح أن الموقف الأميركي سيكون حاسماً في هذا العملية، وأن الولايات المتحدة تريد إيجاد سياق لمعالجة المطالب الإسرائيلية في سوريا، بحيث لا يؤدي الموقف الإسرائيلي إلى تصعيد التحديات على السياسة الأميركية في سوريا، لاسيما أن أهداف تل أبيب تتعارض مع أهداف واشنطن هناك.


نسف الاتفاق الأمني؟
ما تريده إسرائيل من الشرع هو اتفاق أمني بشروطها، وهو عدم الانسحاب من قمة جبل الشيخ والمواقع المحتلة في المنطقة العازلة عند الحدود مع الجولان، إلا من بعض المواقع في حالة الوصول إلى اتفاق سلام شامل فقط بين دمشق وتل أبيب، في حين يرفض الشرع أي اتفاق من دون انسحاب إسرائيلي إلى حدود 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي، على أساس اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مع استبعاده لأي مفاوضات تتعلق باتفاق سلام شامل مع إسرائيل.
وما يصدر عن لسان المسؤولين الإسرائيليين يوحي بأن الطريق نحو التوصل إلى اتفاق أمني أصبح مسدوداً، حيث قال كاتس إن إسرائيل "ليست على المسار الصحيح" للتوصل إلى اتفاق أمني أو تطبيع للعلاقات مع دمشق، فيما يشير التصعيد الإسرائيلي إلى محاولة لنسف كافة التفاهمات الأولية المتعلقة بمسار المفاوضات المتعلقة بالاتفاق، وإغلاق الطريق أمامها.
لكن علوش يعتقد أن الفرص أمام احياء مسار المفاوضات لم تنتهِ بعد، ويرجح أن تشهد الفترة المقبلة زخماً أميركياً من أجل ذلك قبل نهاية العام.
من جانبه، يرى الخبير في العلاقات السورية- الإسرائيلية خالد الخليل، أن التصعيد الإسرائيلي يعتبر مؤشراً خطيراً على محاولة فرض واقع احتلالي في منطقة الجنوب السورية يشبه الضفة الغربية، وضربة استباقية للانقلاب على التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال جلسات مباشرة تفاوضية سابقة للوصول إلى اتفاق أمني.
ويضيف الخليل لـ"المدن"، أن هناك صدمة إسرائيلية من التقارب والانفتاح الأميركي على الإدارة الجديدة في سوريا، وتريد فرض وقائع ميدانية والحصول على مكاسب تفاوضية بحيث يكون لها اليد العليا في تشكيل المعادلة الأمنية الجديدة في المنطقة، وذلك في إطار الهندسة الأميركية الإقليمية الجديدة.
ويلفت إلى أن إسرائيل تريد اختلاق حرب إلى الجبهة الشمالية مع لبنان وسوريا، في إطار استمرار رئيس وزراء الاحتلال نيامين نتنياهو بالشغب العسكري في المنطقة، لأسباب شخصية بحتة، كما يشير إلى أن الأشهر الـ10 المتبقية من عمر حكومة اليمين المتطرف ستكون حُبلى بالمفاجآت.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث