بيت جن تكسر معادلة الصمت: جنوب سوريا يتغيّر؟

مها غزالالسبت 2025/11/29
Image-1764404553
عملية بيت جن.. الحدود تتصدع (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تكن الاشتباكات التي اندلعت في بيت جن أمس الجمعة، حادثاً معزولاً، بل جاءت كترجمة ميدانية لتحول آخذ بالتشكل في طبيعة العلاقة بين إسرائيل ودمشق. فللمرة الأولى منذ سنوات تواجه إسرائيل رداً من داخل الأراضي السورية لا يحمل توقيع الجيش أو الفصائل التقليدية، بل يصدر عن سكان يعيشون على تخوم الدولة، خارج تغطيتها الأمنية والإدارية، وفي منطقة باتت مرآة لاضطراب الجنوب كله.

هذا التحول يمنح الاشتباك الأخير بعداً سياسياً يتجاوز حجمه العسكري. فإسرائيل –التي تتبنى رواية متناقضة تربط منفذي العملية بحركة "حماس" و"حزب الله" وتيارات إسلامية معادية لحكومة دمشق أو ليست على وفاق معها- تحاول في الوقت ذاته الإيحاء بأن الاستخبارات السورية تقف خلف هذه المواجهة، في محاولة لصناعة سردية تصعيدية تسمح لها بتوسيع تدخلها في الجنوب وتبرير موجة اغتيالات واعتقالات قادمة.

من جهتها تلتزم دمشق صمتاً لافتاً للانتباه، هو نفسه الذي رافق مقتل واعتقال سكان في مرات سابقة. وترى الحكومة السورية أن ظروفها السياسية والعسكرية الهشة لا تحتمل فتح جبهة مع إسرائيل، وأن "المفاوضات الصامتة" أقل كلفة من مواجهة واسعة. وهكذا، تترك المنطقة في فراغٍ أمني وسياسي جعل بيت جن ومحيطها مكشوفين تماماً أمام التوغل الإسرائيلي. لكن هذا الفراغ نفسه هو ما أطلق الشرارة الميدانية التي أعادت رسم المشهد.

 

 

الطريق إلى بيت جن

عند الوصول إلى منتصف الطريق بين بيت جن ومزرعة بيت جن، تظهر أولى علامات التحول: دراجة نارية متفحمة أصابتها طائرة مسيرة إسرائيلية. بجانب الدراجة حذاء ممزق، وقطعة أمامية من قبعة أحد الركاب، وبقع دماء غطاها "شحار" الاحتراق.

هذا المشهد، قبل الوصول إلى البلدة حتى، يقدم مدخلاً عملياً لفهم المعادلة السياسية الجديدة: إسرائيل تصعد نهج "الضربات الدقيقة" حتى في العمق القروي، ودمشق لا تملك القدرة على منع ذلك، فيما السكان يتحركون بمنطق حماية الذات لا بمنطق الدولة.

 

الليلة التي تصدع فيها الصمت

في البلدة، يصبح التحليل السياسي جزءاً من يوميات الناس. حيث عشرات الشبان ينتظرون الصحافيين، يرشدون إلى مواقع القصف الجديد ويشرحون الفوارق بين الضربات الإسرائيلية السابقة والقصف الذي نفذه النظام في الماضي، معبرين عن ذاكرة حرب حية تتحول إلى خريطة ميدانية دقيقة.

وتقول سيدة، بغضب لم يحاول أحد تهذيبه: "استيقظنا الساعة الثالثة فجراً على الرصاص… ثم بدأ القصف فوق رؤوسنا"، وتشير إلى المكان حيث علقت سيارة الهَمْر الإسرائيلية بعد تعرضها لإطلاق كثيف للنار. ستة جنود كانوا بداخلها، بينهم مصابون، تركوا خلفهم خطاً واضحاً من الدماء يدل على مسار انسحابهم واختبائهم في الخرابة القريبة قبل وصول قوة الإسناد.

ولإخفاء آثار الاشتباك، قصفت قوات الاحتلال السيارة نفسها، لكن رقمها ظل واضحاً على حطامها المشتعل على الرغم من مرور أكثر من عشر ساعات.

هذا المشهد ليس مجرد تفصيل ميداني، بل دليل على تحول نوعي: فرد الأهالي –غير المنظم وغير المسنود رسمياً– نجح للمرة الأولى في فرض خسائر على دورية إسرائيلية داخل الأراضي السورية، وهو ما يمنح الاشتباك قيمة سياسية تتجاوز حجمه العسكري.

 

مسار الاشتباكات

ويقودنا الشبان لرسم خط الاشتباك لحظة بلحظة: بيوت فقيرة مدمرة، بيت عريس قتلته قوات الاحتلال، والمنزل الذي أُسر ثلاثة من أبنائه، حيث دارت أشرس المواجهات. وخلف المنزل، تظهر بقع دماء جنود إسرائيليين الذين حاولوا إسعاف بعضهم البعض وسط الخرابة، في مشهد يختصر اختلاط الميداني بالسياسي: رد شعبي غير مسبوق من جهة، وارتباك إسرائيلي في التعامل مع ساحة كانت محسوبة على الصمت السوري من جهة أخرى.

 

 

احتجاجات بلا قيادة

وفي المساء، خرج الأهالي في مظاهرة حاشدة هتفوا خلالها ضد الاحتلال، وبرزت فيها أيضاً أصوات متطرفة حاولت استثمار المشهد بتجييش طائفي. وشارك في الاحتجاجات شبان من القرى المجاورة ومن ريف دمشق، فيما أقيمت جنازة الشهداء وعزاؤهم في مسجد بيت جن الذي كان قد تعرض للقصف يومها، ما أعطى المشهد بُعداً رمزياً إضافياً.

لكن خلف الغضب، يعيش السكان قلقاً أعمق: خوف من مطالب انفصالية تتنامى في القرى المجاورة، تأثراً بأحداث السويداء من جهة، وبالتوغل الإسرائيلي من جهة ثانية، وبعجز الدولة السورية عن تأمين الحماية من جهة ثالثة.

 

الجنوب بلا معادلات

تكشف أحداث بيت جن أن الجنوب السوري يتقدم نحو مرحلة خالية من الاتفاقيات الضمنية القديمة، حيث توسع إسرائيل تدخلها وتبحث عن مبررات أكبر، فيما تبقى دمشق عاجزة عن ضبط حدودها أو حماية سكانها، والأهالي يطورون رداً محلياً متفلتاً من سلطة الدولة ومن حسابات الفصائل.

إنها لحظة انتقالية حساسة، قد تتحول فيها حوادث متفرقة إلى اتجاه سياسي جديد، وتصبح المواجهات الشعبية—مثل تلك التي وقعت اليوم—نقطة انطلاق لتغيير شكل الاشتباك بين سوريا وإسرائيل في الجنوب، وربما لرسم خطوط جديدة للتوازن بين دولة غائبة، واحتلال متوغل، وسكان يبحثون عن حماية لا يجدونها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث