التوتر في الجولان: بين تهويل كاتس وردّ الفعل الشعبي المفاجئ

خاص - المدنالسبت 2025/11/29
Image-1764411943
عملية بيت جن فاجأت الاحتلال الإسرائيلي (خاص المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ظل غياب أي مسار دبلوماسي واضح بين دمشق وتل أبيب، وتحوّل الوضع في جنوب سوريا إلى معادلة أمنية هشّة، جاءت تصريحات وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أمام لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست، لتعيد رسم خريطة التهديدات في الخطاب الإسرائيلي تجاه سوريا. 


تهويل لا أساس له على أرض الواقع
لم تكن المزاعم حول وجود مجموعات مسلحة تخطط لشن هجوم على الجولان جديدة بذاتها؛ بل تأتي في سياق مألوف من التصعيد الكلامي الذي تُستخدم فيه احتمالات التهديد كأداة تبرير مُسبقة لأيّة عمليات عسكرية مقبلة. 
لكن ما يلفت هذه المرة هو التزامن غير العادي بين الحديث عن “ميليشيات إيرانية تُخطط لغزو بري”، وزعم وجود "الحوثيين في سوريا"، وعن توغل عسكري إسرائيلي مفاجئ وعنيف في بلدة بيت جن، على بعد كيلومترات قليلة من خط وقف إطلاق النار الفاصل مع الجولان المحتل.
وقال المحلل والخبير العسكري، العقيد أكرم عبد الجواد في حديثه لـِ "المدن"، إن "تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي تُعد تهويلًا لا أساس له على أرض الواقع، فالسكان المحليون في مناطق مثل الجولان لن يسمحوا مطلقًا بوجود إيراني أو حوثي أو أي قوة أجنبية في قراهم، بعد معاناتهم الطويلة من الوجود الإيراني طوال 14 عامًا".
ورأى أن الهدف الإسرائيلي الحقيقي من هذه التصريحات هو الضغط على الحكومة السورية لدفعها إلى اتفاق أمني أو حتى سلام شامل وتطبيع، وهو ما ترفضه دمشق رفضًا قاطعًا ما دامت هضبة الجولان محتلّة، وقد أكد مجلس الأمن أخيراً، بدعم من روسيا والصين، أن الجولان أرض سورية، وهذا ما يُشكّل عائقًا جوهريًّا أمام أي اتفاق سلام في ظل استمرار الاحتلال، وفق عبد الجبار.
وأكد أن وجود الحوثيين في الجولان مستبعدٌ جدًّا؛ بل مستحيل، تمامًا كالوجود الإيراني، الذي لا يمكن أن يُفرض في مناطق يرفضه سكانها ويتصدون له صراحةً، وبالتالي، لا وجود فعليًّا لأي قوات إيرانية أو حوثية في تلك المناطق، ولا يمكن أن يكون، ما دام السكان المدنيون يقفون سدًّا منيعًا في وجه أي وجود أجنبي مهدّد.
ويرى مراقبون أن الحديث عن الحوثيين في سوريا، من الناحية العملية، لا يستند إلى أي دليل ميداني أو تقارير استخباراتية مُوثَّقة؛ إذ لا وجود لتشكيلات يمنية منظمة تعمل داخل الأراضي السورية، سواء في الجنوب أو في أي منطقة أخرى، وقد أقرّت مصادر غربية وعربية على حد سواء بأن أي مشاركة يمنية، إن وُجدت، فهي فردية وبعيدة كل البُعد عن أي تنسيق ميداني أو لوجستي. 
أما احتمال تنفيذ ميليشيات مدعومة من إيران لغزو بري في الجولان، فهو سيناريو مُبالغ فيه إلى حد غير مبرر، لا من حيث القدرات التسليحية أو اللوجستية لتلك المجموعات في جنوب سوريا اليوم، ولا من حيث المصلحة الاستراتيجية الإيرانية. 
ووفق المحللين، فإن طهران تعلم أن فتح جبهة بهذا الحجم من دون غطاء سياسي وعسكري دولي، ومن دون توافق داخلي سوري قوي، سيعني مواجهة مفتوحة مع إسرائيل وربما مع قوى غربية، من دون ضمان أي مكاسب فعلية على الأرض.
كما أنها لا تملك مصلحة في توسيع دائرة الحرب في سوريا الآن، بل على العكس، تسعى إلى تثبيت نفوذها في مناطق محددة، لا إلى استفزاز مواجهة تُهدّد بنسف ما تراكم لها من مواقع.
أما تصريح كاتس بأن "إسرائيل ليست على المسار الصحيح للتوصل إلى اتفاق أمين أو تطبيع مع دمشق"، فهو تعبير دقيق عن واقع مُرّ في الداخل الإسرائيلي: فالمساعي التي رافقت انهيار نظام الأسد الفعلي، والتي توقعت أن تُفتح أبواب دمشق أمام تطبيع سريع مقابل ضمانات أمنية، أثبتت فشلها. 


تصريحات كاتس: التوقيت والدلالات
وفي هذا الصدد، قال الباحث السياسي أحمد زيتون في حديثه لـِ "المدن": "تثير تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، حول (مجموعات مسلحة داخل سوريا تفكر في مهاجمة الجولان)، جملةً من الأسئلة حول توقيتها ودلالاتها، خصوصًا في ظل واقعٍ سوري جديد اتسم بانهيار النظام السابق وتفكك منظومة النفوذ الإيراني والروسي التي هيمنت على البلاد لسنوات، وفي ضوء هذا التحول، تبدو قراءة خلفيات الخطاب الإسرائيلي ضرورية، لفهم ما إذا كانت التصريحات تستند فعلًا إلى معطيات أمنية أم أنها جزء من توظيف سياسي داخلي".
وأضاف: "مع سقوط النظام السوري وانسحاب إيران وروسيا، وجدت إسرائيل نفسها أمام بيئة حدودية غير مألوفة تتسم معالمها بما يلي: غياب الدولة المركزية التي كانت على الرغم من خصومتها– تحافظ على حدود مضبوطة منذ 1974، ⁠ظهور تشكيلات محلية ومناطقية بعضها نشأ بدافع الحماية الذاتية، وبعضها مسلح ومفتوح الولاءات، ⁠فراغ أمني في الجنوب السوري يجعل أي تحرك صغير قابلًا للتضخيم أمنياً".
وفي هذا السياق، يصبح حديث كاتس عن "مجموعات مسلحة تفكر في مهاجمة الجولان" أقل ارتباطًا بوجود عدو استراتيجي منظم، وأكثر ارتباطًا بتخوف إسرائيل من فوضى ما بعد الدولة، وفق زيتون.
وفي رد على سؤال: هل تستند تصريحات كاتس إلى معلومات استخباراتية؟ أوضح زيتون أنه "من المرجح أن لدى إسرائيل مراقبة دقيقة للجنوب السوري، وأنها ترصد  تحركات مجموعات محلية مسلحة غير منضبطة، ⁠محاولات تشكيل أطر عسكرية جديدة قرب القنيطرة، صراعات داخلية بين قوى سورية ناشئة، لكن من غير المرجح أن تكون هناك قوة متماسكة قادرة على تهديد الجولان بهجوم منظم، إذ لا توجد الآن بنية عسكرية سورية متبقية قادرة على شن عمليات كبيرة".
وتابع: "غالبًا ما تحتوي هذه التصريحات على تهويل، لسببين: تبرير استمرار التعبئة العسكرية الإسرائيلية بالرغم من فشل تل أبيب في حسم جبهات أخرى، وخلق رواية تهديد متعدد الجبهات تفسّر الجمود الإسرائيلي وتمنع الضغط الدولي لوقف العمليات العسكرية".
ووفق زيتون، فإن انسحاب القوى الخارجية وسقوط النظام لم يفتح أمام إسرائيل بالضرورة بابًا للتفاهم مع السلطة السورية الناشئة، بل على العكس: القوى المحلية الجديدة لا تحمل وزن الدولة ولا تمتلك التزامات سياسية يمكن لإسرائيل التعويل عليها، و⁠إسرائيل تفضّل التعامل مع حدود رخوة ومجزأة بدل سلطة مركزية قد تعيد بناء الجيش السوري وتشكّل تهديدًا طويل الأمد، إضافة إلى أن أي تطبيع مبكر مع سلطة سورية ناشئة قد يُضعف قدرتها على فرض شروط أمنية لاحقًا، ولذلك، موقف كاتس ليس رفضًا لدمشق فحسب، بل رفضًا لأي بنية حكم سورية جديدة قبل أن تتضح معالمها.


هل سيناريو الهجوم على الجولان واقعي؟
وفق المعطيات الحالية في سوريا بعد سقوط النظام، فإنه لا توجد قوة سورية موحدة تمتلك القدرة على شن هجوم واسع، المجموعات المسلحة في الجنوب منقسمة ومحدودة التسليح، ⁠فتح أي جبهة مع إسرائيل يحتاج دعمًا إقليميًا، وهو غير متوفر بعد خروج إيران وروسيا، وبالتالي فإن الحديث عن "غزو بري للجولان" هو أقرب إلى السيناريو الإعلامي منه إلى التخطيط العسكري.


ماذا عن وجود الحوثيين في سوريا؟
بعد خروج إيران من سوريا، يفقد الحديث عن الحوثيين أي أساس واقعي، فالوجود الحوثي كان مرتبطًا مباشرة بالمنظومة الإيرانية، ومع تفككها "لا توجد بنية لوجستية أو سياسية تسمح بوجودهم، ⁠ولا مسار إقليمي يربط اليمن بسوريا، ولا مصلحة للحوثيين أنفسهم في فتح ساحة بعيدة لا تخدم أهدافهم المحلية".
ومن هنا، فإن حديث كاتس عن الحوثيين جزء من صياغة "محور تهديد واسع" حتى إن لم يكن له أساس ميداني، بحسب محللين وباحثين.
تصريحات كاتس تشر إلى أن إسرائيل تستثمر الفوضى في سوريا لتضخيم خطر الجولان وتبرير استمرار سياساتها العسكرية، في حين لا توجد قوى سورية بعد سقوط النظام تمتلك القدرة على تهديد إسرائيل في الجولان بشكل حقيقي.
كما أن ⁠غياب إيران وروسيا يزيل معظم الأسباب التي كانت تدفع إسرائيل للتوتر من الجبهة السورية، وهو ما يجعل الخطاب الأمني الإسرائيلي اليوم ذا طابع سياسي أكثر منه استخباراتي.
والأهم أن ⁠الحديث عن الحوثيين غير واقعي تمامًا، ويعكس رغبة إسرائيل في توسيع "جبهة الرواية" لا جبهة الواقع، وتحاول الإيحاء بأنها تقف أمام تهديدات جديدة، في حين أن التهديد الحقيقي يأتي من ضعفها في الجبهات التي تواجهها بالفعل، وليس من سوريا المنهكة سياسيًا وعسكريًا.


الهدف: ضغوط أمنية وسياسية على سوريا
دمشق، حتى في ظل التحوّل الجذري في موازين القوى الداخلية، لا تزال ترى في الجولان جزءاً من سياستها الوطنية، وليست مستعدّة لتقديم تنازلات تمس بسيادتها أو تُضعف موقفها أمام الداخل، خصوصًا في ظل استمرار سيطرة إسرائيل على أراضٍ استراتيجية ووجود ميليشيات محلية مرتبطة بها في الجنوب. 
من جهته، قال الدكتور عماد العلي، الباحث والمحاضر في جامعة برلين الحرة في حديثه لـِ "المدن": "من المؤكد أن تصريحات الوزير الاسرائيلي كاتس تهدف لممارسة ضغوط أمنية وسياسية على سوريا بعد وصول المفاوضات بين الجانبين بشأن الملفات الأمنية لطريق مسدود، في حين أن تصريحاته عن تحركات عسكرية لجماعات مرتبطة بالحوثيين وإيران لمهاجمة مناطق في الجولان ليست واقعية، لأن إيران وأذرعها العسكرية تبدو تحت الضغط منذ أشهر، كما أنها فقدت قوتها وتأثيرها في سوريا منذ سقوط حليفها نظام الأسد قبل عام".
من منظور آخر، تبدو هذه التصريحات خطيرة، لأنها قد تثير بلبلة وحالة من عدم اليقين داخل القيادة السورية الجديدة التي تحاول ضبط الأوضاع الأمنية بأسرع وقت ممكن وبأقل تكلفة ممكنة أيضاً، ومن ناحية ثانية، تحاول إسرائيل بهذه التصريحات توصيل رسالة للمجتمع الدولي وللولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص بأنها تتعرض للتهديد من الجبهة السورية، حيث ترغب إسرائيل بممارسة واشنطن ضغطاً أكبر على دمشق للقبول بشروطها في المفاوضات حول الاتفاقية الأمنية، بحسب العلي.
ويمكن عموماً افتراض أن إسرائيل تسعى لتثبيت الوضع الحالي في منطقة السويداء وتعمل على فرض أمر واقع هناك يحقق مصالحها الخاصة، وهي تلعب على الوتر الطائفي بسوريا لتحقيق ذلك، ومن المؤكد أن القيادة الإسرائيلية غير سعيدة بتأكيدات دمشق بأن السويداء وأهلها جزء أصيل لا يتجزأ من التراب السوري.
وأعرب العلي عن اعتقاده بأن "القيادة السورية التمسك بموقفها المبدئي وعدم التنازل عن أي مبدأ وطني لأن ذلك لن يصب في مصلحتها على المستوى الداخلي، وهذا يضعها أمام طريق واحد فقط متمثل بالعمل لتفعيل الحوار الوطني الحقيقي وحل الملفات العالقة وبناء المؤسسة العسكرية لتكون قادرة عن الدفاع عن الوطن أمام العربدة الإسرائيلية والتحديات الخارجية عموماً".


أحداث بيت جن: محاولة لاختبار الوضع الميداني
هذا الفشل في "إدارة الانتقال" وفق الرؤية الإسرائيلية، يزيد من توتّر النخبة الأمنية في تل أبيب، التي تبحث عن مبررات لاستمرار التدخل المباشر، في وقت تشهد فيه جبهات أخرى، في قطاع غزة ولبنان، تعقيدات ميدانية وسياسية كبيرة، ويصعب فيها تحقيق اختراق عسكري حاسم.
وفي هذا السياق، يُمكن فهم التوغل الأخير في بلدة بيت جن غربي دمشق، ليس كرد فعل على "تهديد وشيك"، بل كمحاولة لاختبار الوضع الميداني في عمق جنوب سوريا، خصوصًا بعد الانسحاب شبه الكامل لقوات النظام من بعض المواقع الحدودية، وغياب أي هيكل أمني موحّد في المنطقة. 
لكن ما لم تُحسب له إسرائيل حسابًا، هو أن هذا التوغل، رغم عنفه، قوبل برد فعل شعبي من الأهالي لم يُسبق له مثيل في السنوات الأخيرة: تصدي مباشر، وتكبيد الاحتلال خسائر ووقوع إصابات بين عناصره، في حين أن الاعتقالات في صفوف المدنيين لم تُخفف من حدة الغضب، بل زادت من تعقيد الصورة الأمنية. 
هذا التفاعل غير المُوجّه من أي جهة سياسية، قد يكون بمثابة إنذار جديد لإسرائيل: فالاستقرار في الجولان لم يعد مرتبطًا فقط بحسابات الأجهزة الأمنية، بل أيضاً بقدرة المجتمعات المحلية على المبادرة، خصوصًا تلك التي تعيش على خط التماس مباشرة، وتدرك أن أي تطبيع أمني لا يشملها أو يتجاهلها، سيكون زوالاً لا ثبات عليه.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فقد شكّل الهجوم على بيت جن – خصوصًا مع سقوط ضحايا مدنيين – منعطفاً في طبيعة الاستجابة. فالتنديد العربي لم يقتصر على بيانات روتينية، بل شمل تحركات دبلوماسية مباشرة في مراكز القرار، فيما بدا وكأن هناك إدراكاً جديداً بأن إسرائيل تختبر حدود التفاهمات غير المكتوبة في سوريا، وقد تسعى لفرض واقع جديد بقوة السلاح قبل أن تتشكل أي معادلة سياسية نهائية. 
هذا التحوّل قد لا يُغيّر الموازين على الأرض فوراً، لكنه يخلق بيئة أقل تقبلاً لأي تصعيد إسرائيلي مقبل، ويُجبر تل أبيب على المراهنة على وقت أطول، وتكلفة أعلى، لأي خيارات ميدانية.
ووسط كل ذلك، فإن التصريحات الإسرائيلية حول تهديدات مُتخيّلة أو مُبالغ فيها ليست جديدة، لكن توقيتها الآن، وارتباطها بعمليات ميدانية حقيقية، تشير إلى مرحلة انتقالية دقيقة: إسرائيل تعيد تعريف أولوياتها في سوريا، وسوريا، شعباً وأرضاً، تُجيب ليس بالخطاب بل بالميدان عبر التكاتف والتضامن الشعب في وجه الاحتلال وممارساته المتكررة، ومن الواضح أن أحد الطرفين، على الأقل، بدأ يُخطئ في تقدير ردود الفعل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث