يحمل التوغل العسكري الإسرائيلي الأخير إلى بلدة بيت جن في ريف دمشق تغييراً جذرياً في واقع المنطقة الميداني، ويفتح الأبواب لاحتمالات متعددة بين دمشق وتل أبيب، بعد حدوث مقاومة شعبية هي الأولى ضد دوريات الاحتلال في المنطقة، ناجمة عن تزايد حالات الاعتداء والتضييق على السكان وعمليات القتل والاعتقال المستمرة التي تشهدها قرى جبل الشيخ السوري التابعة لناحية قطنا.
ويظهر تعاطي جيش الاحتلال الإسرائيلي وإعلامه المحلي مع حادثة الاشتباك ووصفها بالكمين المفاجئ، مع تصنيف بعض قادته العملية بالفاشلة، رغم نقلها المعتقلين من شباب البلدة وإجلائها عناصر الدورية المنفذة لعملية التوغل، وجود هواجس مقلقة لدى تل أبيب، تتعدى وقوع الإصابات في صفوف قواتها.
اشتباكات مباشرة
وبالرغم من أن ما حصل من تعرض الدورية الإسرائيلية لمقاومة شعبية في قرية بيت جن، سبق وأن واجهته قوات الاحتلال في بلدتي كويا والجبيلية بريف درعا الغربي نهاية شهر آذار/مارس وبداية شهر نيسان الماضي، إلا أن المواجهة الأخيرة حملت فروقات كبيرة على مستوى المواجهة ونتائجها.
وبينما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية وقيادات في جيش الاحتلال عن تعرض الدورية العسكرية لكمين داخل البلدة من قبل جماعات إسلامية منتشرة في المنطقة، أكدت مصادر عسكرية في دمشق "أن ما جرى كان رد فعل شعبي على ممارسات الاحتلال وانتهاكاته المتزايدة بحقهم".
واعتبرت المصادر في حديثها لـ"المدن"، أن المفاجئ بالنسبة للاحتلال كان وقوع الاشتباكات من نقطة الصفر مع قواته، إلى جانب مكان الاشتباك الذي يُعدّ عسكرياً تحت مرمى نيران قواته المتمركزة في جبل الشيخ والقرى المنتشرة على سفوحه، وهو ما اعتبرته إسرائيل خطراً مضاعفاً، خصوصاً أنه أدى إلى إصابة 6 عناصر بينهم ضباط وصف ضباط.
وعبّرت المصادر عن اعتقادها، أن ما جرى يمثل العديد من التفسيرات، منها ما هو مرتبط بحداثة تواجد القوة المنفذة لعملية التوغل الأخيرة داخل العمق السوري، وأخرى يريد الاحتلال منها دفع السكان إلى الاشتباك مع عناصره، لتدعيم سرديته بوجود تهديد أمني على حدوده مع سوريا.
وأضافت: "أوكلت عملية التوغل إلى وحدة استطلاع تتبع للواء 55 مظليين احتياطي، الذي دخل سوريا قبل نحو أسبوع، ما يجعل خبرتها بجغرافيا المنطقة محدودة، فضلاً عن غياب التغطية والمراقبة الجوية المباشرة التي تدخلت بعد الاشتباكات، للانتقام من أهالي المنطقة، في مؤشر على وجود قناعة لدى الاحتلال بغياب التهديد العسكري في المنطقة".
وأكدت أن السبب المباشر لتصعيد الأهالي ناجم عن تزايد استفزازات الاحتلال لسكان قرى جبل الشيخ، وممارسات التضييق وتقييد حركتهم في المنطقة عبر التوغلات المستمرة والاعتقالات وإنشاء نقاط تفتيش مفاجئة عند مداخل القرى والبلدات المهمة ورصد طرقها نارياً.
فقد أدى القصف الجوي بالطائرات المسيرة والمدفعية الثقيلة إلى استشهاد 15 مدنياً، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى جانب نزوح عشرات العائلات من قرية بيت جن باتجاه القرى المحيطة، فضلاً عن استهداف الآلية العسكرية التي خلفتها دورية الاحتلال قبل مغادرتها المنطقة.
اتهامات إسرائيلية ونفي
وزعمت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، أن جيش الاحتلال نفذ عملية برية لاعتقال شباب سوريين مشتبه بانتمائهم إلى "الجماعة الإسلامية اللبنانية"، ويخططون لتنفيذ هجمات داخل الأراضي المحتلة.
في المقابل، نفت الجماعة الإسلامية، في بيان رسمي علاقتها بأي عمل عسكري أو تواجد لأفرادها خارج الحدود اللبنانية، مبديةً "استغرابها من زج الاحتلال باسم الجماعة في خبر اعتدائه على بيت جن السورية، واتهامها بالقيام بأنشطة في البلدة".
والجماعة الإسلامية، تنظيم مرتبط بحركة الاخوان المسلمين، أسس كجناح عسكري في لبنان، في ثمانينيات القرن الماضي، وكانت الجماعة قد تعرضت لعمليات قصف جوي مركز استهدف بنيتها التحتية وقادتها خلال الحرب الأخيرة على لبنان.
أما "القناة 13" العبرية فقد تحدثت عن دراسة جيش الدفاع الإسرائيلي القيام بعملية واسعة النطاق بعد أن "تبين أن أحد منظمي مقاومة العملية كان عضواً في جهاز الأمن العام السوري التابع للرئيس أحمد الشرع"، مشيرة إلى إمكانية تغيير نمط العمليات في العمق السوري لتجنيب تعرض القوات للخطر، وذلك من خلال الاعتماد على استراتيجية الاغتيالات الجوية بدلاً من التوغل البري والاعتقالات.
الاخوان على خط الاستهداف
لكن المحلل العسكري المتابع لتطورات العدوان الإسرائيلي على الجنوب السوري، عماد شحود، رأى أن ما جرى في قرية بيت جن، شكل تطوراً مفاجئاً للقيادات السياسية والعسكرية في دمشق وتل أبيب، خصوصاً أن هدف العملية كان الاعتقال السريع لثلاثة مطلوبين والمغادرة، لتقوم قوات الاحتلال بالتصعيد المفاجئ والخطير.
وقال: "العملية العسكرية الأخيرة تؤكد في مضمونها تبدل الأهداف الإسرائيلية في الداخل السوري، وانتقالها من مرحلة ملاحقة واعتقال عناصر فلول النظام والمليشيات الإيرانية وحزب الله، إلى تحييد المجموعات والأفراد التابعين أو المرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين والداعمين لحماس في المنطقة، عبر الاعتماد على الاغتيال الجوي والتقليل من عمليات التوغل والاعتقال".
وهذا التغيير بحسب شحود، "يعد مبادرة استباقية للوثيقة التي يجري التحضير لإصدارها من قبل الكونغرس والإدارة الأميركية، والتي تصنف جماعة الإخوان المسلمين والأجنحة والتيارات العسكرية التابعة لها كمنظمات إرهابية دولية، وبالتالي فإن ملاحقتهم يصبح حالة شرعية لجميع الدول، وهو الخطر الأكبر على الدولة السورية وشعبها بالنظر إلى انتشار الحركة في عموم المناطق السورية، ويمنح إسرائيل غطاءً دولياً لتواجدها".
وأضاف: "إسرائيل أرسلت رسالة إلى دمشق تقول لحكومتها أنهم غير متورطين بالأعمال العدائية اتجاهها، إلا أنها في الوقت نفسه نبهت دمشق بوجود جماعات إسلامية داخل أراضيها متورطة، وبالتالي نحن الآن أمام واقع جديد فهمت خلاله قدرة دمشق على تحريك أوراق ضغط مهمة تهدد الجيش الاحتلال، مقابل معرفة الحكومة السورية بقدراتها العسكرية وعدم قدرتها على المواجهة المباشرة، ما يجعل قواعد الاشتباك التي أحدثها سقوط الأسد قائمة".
