أطلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي موجة غير مسبوقة من الأوامر العسكرية والقضائية ومشاريع القوانين لتسريع الاستيطان في الضفة الغربية، تشمل مصادرة آلاف الدونمات، وشرعنة بؤر جديدة، وإلغاء القانون الأردني الذي يقيد بيع العقارات للأجانب، بما يتيح لأي مستوطن شراء أراضٍ في مناطق "أ" و"ب" و"ج" دون إذن من الإدارة المدنية، في خطوة تُعَد تحولاً جوهرياً في مسار الضم الزاحف.
وتعرضت محافظتا القدس والأغوار الشمالية خلال الأسبوع، وفق تقرير الاستيطان الأسبوعي الصادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، لهجوم استيطاني واسع يقوم على أدوات متوازية: أوامر عسكرية لفرض السيطرة بالقوة، وأوامر قضائية لتوسيع المجال القانوني للمستوطنات، ومشاريع قوانين تُسقط ما تبقى من الإطار القانوني الذي ينظّم الأراضي في الضفة.
مصادرة واسعة في طوباس والأغوار
وأصدرت سلطات الاحتلال أوامر عسكرية بالاستيلاء على مساحات شاسعة في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، بهدف شق طريق عسكري يمتد من منطقة عين شبلي مروراً بسهل البقيعة وعينون ويرزا وصولاً إلى شرق تياسير.
وقدرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان طول الطريق بأكثر من 22 كيلومتراً يستولي على نحو 1042 دونماً، فيما تشير مصادر أخرى إلى أن طول الطريق قد يتجاوز 40 كيلومتراً، وأنه يهدف إلى ربط عين شبلي بحاجز تياسير ونقل حاجز الحمرا العسكري نحو الجنوب، ما يعمق العزل الجغرافي للمحافظة.
محافظ طوباس والأغوار الشمالية أحمد الأسعد حذر من أن المشروع يطاول 180 ألف دونم ويشكل "مرحلة جديدة من الضمّ التدريجي"، فيما يؤكد مسؤول ملف الاستيطان في المحافظة، معتز بشارات، أن أوامر وضع اليد تطاول أراضي طابو وأخرى مصنّفة دولة، وتقطع السهول الشرقية التي تُعدّ العمود الفقري للحياة الزراعية والرعوية.
شرعنة بؤر وتحويلها إلى مستوطنات
وفي سياق موازٍ، وقع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال آفي بلوت على 10 مجالات قضائية جديدة، تشمل بؤراً ومزارع رعوية وأحياء استيطانية، تمهيداً لتحويلها إلى مستوطنات قائمة بذاتها. ومن بين هذه المواقع: جودر في طولكرم، لشم في سلفيت، كرم راعيم التي فُصلت عن "تلمون"، نيريا شرق دير عمار، ومزرعة جلعاد في قلقيلية، إضافة إلى تعديلات حدود مستوطنتي "مشوعاه" و"هار أدار" في القدس.
وجرى توقيع 39 مجالاً قضائياً جديداً ومنح 30 مستوطنة مكانة رسمية، منذ مطلع 2025، تنفيذاً لقرار حكومي بإنشاء 50 مستوطنة جديدة في الضفة، في ما يُعد المرحلة الأكثر كثافة في عمليات "تنظيم" البؤر منذ سنوات.
القدس: تنفيذ فعلي لمخطط E1
في القدس، أصدر جيش الاحتلال أمراً بمصادرة 77 دونماً من أراضي الزعيم والعيسوية بموجب "أمر وضع اليد 152/25"، تحت ذريعة "احتياجات عسكرية". غير أن محافظة القدس تؤكد أن القرار يندرج ضمن تنفيذ استراتيجي لمخطط E1 وتوسيع الكتل الاستيطانية وربطها ببعضها، تمهيداً لعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
كما أقام المستوطنون بؤرة جديدة في صور باهر – دير العامود على مساحة 10 دونمات، في خطوة مرتبطة على الأغلب بجمعية إلعاد الاستيطانية. وتشير منظمة "بمكوم" إلى أن حكومة الاحتلال تستخدم "تسوية الملكيات" لتمكين الجمعيات الاستيطانية من تسجيل الأراضي باسمها، وأن واحداً بالمئة فقط من الأراضي المستولى عليها سُجل لصالح أصحابها الفلسطينيين منذ 2018.
وفي العيزرية، تواصل سلطات الاحتلال إصدار إخطارات بالإخلاء والهدم، بزعم البناء دون ترخيص، مع ارتباط غير مباشر بتوسع المشروع الاستيطاني الكبير شرق المدينة.
قانون جديد
وصادقت لجنة الخارجية والأمن بالقراءة الأولى على مشروع قانون يلغي القانون الأردني المتعلق ببيع وتأجير العقارات للأجانب في الضفة الغربية، ويسمح لأي مستوطن بشراء عقار في مناطق أ، ب، ج مباشرة، دون الرجوع للإدارة المدنية.
ويحمل القانون اسم "إلغاء التمييز في شراء العقارات في يهودا والسامرة – 2023"، ويعتبره المستوطنون مفتاحاً لإزالة "قيود" كانوا يرونها عائقاً أمام السيطرة العقارية المباشرة، ويمثل خطوة قانونية إضافية في مسار الضم الفعلي.
استباحة مطلقة وتطهير عرقي
وقالت المديرة العامة لمركز "بتسيلم"، يولي نوفاك، إن الضفة الغربية تشهد "استباحة كاملة" بفعل تزايد اعتداءات المستوطنين وتوسع تسليحهم ضمن كتائب دفاع إقليمية. وأكدت أن غياب المساءلة يسمح بما وصفته بـ"التطهير العرقي"، داعية المجتمع الدولي إلى فرض محاسبة على قادة الاحتلال.
وشهد الأسبوع توثيق عشرات الاعتداءات في القدس والخليل وبيت لحم ورام الله ونابلس وجنين والأغوار الشمالية، شملت حرق محاصيل، واقتلاع مئات الأشجار، والاعتداء على المزارعين، وشق طرق استيطانية، واقتحام مواقع أثرية وعيون مياه، إضافة إلى عمليات تجريف واسعة وهدم منازل ومنشآت.
واليوم السبت، أصيب 10 فلسطينيين بينهم إصابة بالرصاص، في هجوم شنه مستوطنون على بلدة خلايل اللوز بمحافظة بيت لحم جنوبي الضفة الغربية المحتلة.
ويأتي ذلك في سياق تصعيد مستمر أسفر منذ بدء حرب غزة عن استشهاد أكثر من 1085 فلسطيناً وإصابة نحو 11 ألفاً واعتقال أكثر من 20,500 في مختلف مناطق الضفة.
