بعد دخول وقف اطلاق النار في غزة حيز التنفيذ، توجه يونس (26 عاماً) إلى مكان سكنة شرق دير البلح ليتفقد بيتة ومزرعتة. يقول يونس: "عندما وصلت إلى المكان لم أتمالك نفسي وجلست فوق أكوام الأشجار المجروفة في مزرعتي، وشعرت بأنني في كابوس لهول ما رأيت".
ويضيف وقد تملكه الغضب والحزن، "لم أستطِع التعرف على حدود مزرعتي المثمرة بالزيتون، فلا معالم للمكان وأشجار الزيتون التي كانت تميز المزرعة أصبحت أكوام من الحطب، بعد أن جرفتها آليات الاحتلال".
يحكي يونس بآسىً، قصة أرضٍ توارثتها العائلة لأجيال، وقضى سنوات عمره يعمل فيها. ويقول: :كانت تغنينا عن الزيت طيلة العام، وكنا نبيع باقي المحصول في السوق، وتحولت إلى مصدر دخل لي ولأبنائي". ويتابع قصته: "موسم الزيتون بالنسبة لنا لم يكن موسم قطاف فقط، وإنما موسم تتلاحم فيه الأسرة وتتجمع لقطف الزيتون ضمن طقوس أصبحت أقرب إلى يوم".
"اليوم لم يتبقى لنا شيئاً. المزرعة أصبحت رماداً، والخط الأصفر يمنعنا من العودة إلى أرضنا التي لم يتبقى منها شيء أصلاً"، يختم يونس.
وتشير أرقام وزارة الزراعة الفلسطنية في غزة، وجود ما يقارب الـ180 ألف دونم مزروعة بالزيتون، قبل الحرب، لافتة إلى أن إنتاج غزة من الزيتون كان يبلغ حوإلى 40 ألف طن، يذهب أغلبها يذهب للعصر وجزء يسير يذهب للتخليل، أما انتاج الزيت فيصل إلى 5 آلاف طن، ما يحقق اكتفاءً ذاتياً لغزة، ويفسح المجال للتصدير.
بعد حرب الابادة على غزة، لم يتبقَّ سوى 4 ألاف دونم مزروعة بالزيتون، وفق وزارة الزراعة، لافتة إلى أن الاحتلال جرف اكثر من 90٪ من أراضي غزة المزروعة بالزيتون، فيما إنتاج الزيت لم يتجاوز الـ400 طن، ما أدى إلى عجز كبير وارتفاع في الأسعار.
استهداف الزيتون
خلال الحرب على قطاع غزة، ركز الاحتلال الإسرائيلي بعد التدمير العمراني، على تدمير بيارات الزيتون المنتشرة في القطاع، خصوصا أن الكمية الأكبر من أشجار الزيتون المعمرة وذات المساحة الواسعة، تتواجد في الشق الشرقي لقطاع غزة، أي في النطاق الأكثر تدميراً خلال الحر. وتمتاز المناطق الشرقية والقريبة من الخط الفاصل، بزراعة الزيتون، نظراً لتربتها الخصبة ، مما جعلها هدفاً مباشراً لجرافات الاحتلال. كما تمتاز أشجار الزيتون في المنطقة الشرقية، بأنها معمرة وخصبة، وتنتج زيتاً وفيراً.
يهتم سكان الأحياء الشرقية في قطاع غزة، بالزيتون، ويُعتبر شجرة أساسية في كل منزل، ويتسابق الأهإلى إلى تشتيل أراضيهم بأشجار الزيتون لما لها من منتوج عالي الجودة، إضافة لما لها من رمزية في المجتمع الفلسطيني.
موسم ما بعد الحرب
نتيجة للحرب، شكّل موسم الزيتون هذا العام، انتكاسة في الإنتاج، وارتفعت اسعار الزيت إلى مستويات قياسية، وبدلاً من التصدير كما في كل موسم، أصبح القطاع بحاجة لاستيراد كميات من الزيت لتغطية العجز في السوق المحلي.
ويقول أشرف، وهو أحد المزارعين الذين كانوا يقطنون شرق دير البلح، وكان يمتلك عدداً من الدونمات المزروعة بالزيتون، إن الاحتلال دمر أرضة منذ بداية الحرب، ولم يستطِع حتى الآن العودة إلى أرضه بسبب وجودها داخل الخط الأصفر، لافتاً إلى خسارته في الموسم، تقدر بآلاف الدولارات.
وفي نفس السياق، بتحدث خالد، وهو يمتلك قطعة أرض صغيرة مزروعة بالزيتون، أنه اشترى هذه قطعة أشجار الزيتون المعمرة هذه، لإنتاج زيت ذي جودة عالية، وكان ينتظر الموسم كل عام ليذهب هو وأسرتة لقطاف الزيتون، مشيراً إلى أنه كان يكتفي بالزيت من الأرض طيلة العام، ويقوم بييع جزء صغير أخر منه.
استهداف مباشر للمعاصر
ويتوج موسم الزيتون في غزة بالمعاصر، حيث تبدأ عملية العصر بعد جني المحصول. وتنقسم المعاصر في غزة، إلى معاصر قديمة أثرية مرتبطة بموسم الزيتون تاريخياً، تسمى معاصر الحجر، وتقلصت أعداد هذه المعاصر مع دخول المعاصر الحديثة التي تخرج الزيت بطريقة أنقى وأجود.
وخلال حرب الإبادة، تعرضت هذه المهنة لأضرار كبيرة أدت إلة تعطّل أغلب المعاصر القديمة والحديثة.
معصرة الوسطة الحديثة في دير البلح، والتي لم يمرّ على بنائها عدة سنوات، تعرضت للدمار بصورة كاملة بعد توغل الاحتلال شرق دير البلح. ويحدثنا محمد، أحد العاملين في هذه المعصرة، أنها كلفت ألاف الدولارات، ناهيك عن استيراد قطع الغيار من الخارج وتكلفتها المرتفعة.
ويؤكد أن هذه المعصرة مصدر دخل لعدة عائلات وعمال تضرروا من هذا التدمير، إضافة إلى أن المزارعين في المنطقة، أصبحوا بحاجة لتكاليف نقل أكبر لعصر زيتونهم في مناطق أبعد.
وحال معصرة أبو عودة، وهي إحدى أقدم المعاصر في غزة، وتقع على شارع صلاح الدين، كحال المعصرة الوسطى، تعرضت للتدمير. وكانت هذه المعصرة معروفة بقدرتها الإنتاجية العالية جداً، وكانت تستقبل ثمار مناطق واسعة من شرق غزة وشرق المحافظة الوسطي. تقع هذه المعصرة قرب محور نتساريم الذي احتلته إسرائيل خلال الحرب، وحولت المنطقة المحيطة به إلى رماد.
