مثلث الساحل: مخلوف وحسن وملحم.. من يبتلع الآخر؟

خاص - المدنالخميس 2025/11/27
Image-1764257021
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

مع انطلاق عملية "ردع العدوان" في أواخر عام 2024، وانهيار البنية المركزية للنظام في معظم أنحاء البلاد، دخلت اللاذقية مرحلة غير مسبوقة في تاريخها الحديث. فبعد عقود طويلة كانت خلالها "المدينة المحروسة" التي تخضع لأقسى أشكال الرقابة الأمنية، شهدت للمرة الأولى تراجعاً واضحاً في هيمنة أجهزة المخابرات، مما خلق فراغاً سياسياً مكشوفاً وولّد صدمة اجتماعية واسعة.

في الأيام الأولى، استقبلت المدينة قوات الأمن العام و الجيش السوري الجديد وسط حالة من الذهول والارتباك، تخللتها مظاهرات صغيرة ذات طابع احتفالي في بعض الأحياء الساحلية، على أمل أن يؤدي دخول القوات الجديدة إلى تفكيك المنظومة الأمنية القديمة التي أحاطت بالساحل لعقود.

لكنّ الهدوء الهش لم يدُم طويلاً؛ إذ تعرّضت قوات الأمن العام لهجمات منسّقة شنتها مجموعات مسلّحة من فلول النظام السابق، يُعتقد أنها كانت تعمل تحت قيادة مقداد فتيحة، أحد أبرز قادة الميليشيات الموالية للنظام المخلوع.

استهدفت هذه الهجمات نقاط انتشار القوات الجديدة في المناطق الوعرة، خصوصاً في محيط جبلة والأرياف الجبلية، الأمر الذي أدى إلى خسائر وبثّ حالة من الاضطراب في المدينة.

ردّت القيادة الجديدة سريعاً، لكن طبيعة التمرد استدعت تعبئة أوسع؛ فأعلنت القيادة العسكرية نداء "الفزعة"، لتتجه أرتال عسكرية ضخمة من إدلب، وحماة، وحمص، ودمشق نحو الساحل.

وبحلول أوائل عام 2025، كانت هذه القوات المشتركة قد تمكنت من إخماد التمرد المسلّح، مُرسِّخة سيطرتها على الساحل ومعيدة تشكيل المشهد الأمني في مدينة اعتادت أن تكون مغلقة بإحكام.

 

المطلب المدني

سبق استعادة السيطرة الأمنية خطوةٌ سياسية مهمّة تمثّلت في زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى اللاذقية في أوائل عام 2025. كانت هذه الزيارة بمثابة رسالة مباشرة إلى المجتمع المحلي: أن السلطة الجديدة حاضرة، وأن مستقبل الساحل لن يُترك للفراغ أو للاجتهادات المسلحة.

وفي موازاة ذلك، كشف الفراغ السياسي عن قلقٍ واسع داخل المجتمع العلوي بشأن مستقبل الهوية والضمانات السياسية في سوريا ما بعد النظام. ومع تراجع سلطة المركز، بدأ مطلب اللامركزية يبرز على السطح كمطلب سياسي أساسي، يُنظر إليه باعتباره ضمانة وجودية للمجتمع الساحلي في المرحلة الجديدة.

بلغ هذا التحوّل ذروته في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حين دعا الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، إلى وقفة احتجاجية في اللاذقية للمطالبة بتطبيق اللامركزية، إطلاق سراح المعتقلين وتقديم ضمانات سياسية واضحة للساحل.

استجاب مئات المتظاهرين لهذه الدعوة، ونزلوا إلى دوّار الزراعة و دوّار الأزهري رافعين لافتات سياسية صريحة، في مشهد لم تشهده المدينة منذ عام 2011.

تدخّلت قوات الأمن بإطلاق النار في الهواء لتفريق الحشود، ووقعت احتكاكات بين متظاهرين يطالبون باللامركزية وآخرين موالين للسلطة الجديدة. ومع ذلك، عملت قوى الأمن العام على حماية المتظاهرين ومنع انزلاق الاحتجاج إلى مواجهة مفتوحة، في مشهد اعتُبر أول اصطدام سياسي علني تشهده اللاذقية منذ انطلاق الاحتجاجات الوطنية قبل أكثر من عقد.

بعد يوم واحد فقط على هذه المظاهرات، خرج رجل الأعمال السوري رامي مخلوف ــ ابن خال الرئيس المخلوع بشار الأسد ــ بتصريحات لافتة دعا فيها أبناء الطائفة العلوية إلى عدم الانجرار وراء الخطاب الطائفي أو الوقوع في فخ الفتنة، مطالباً إياهم بانتظار ما أسماه "ولادة إقليم الساحل" مع بداية عام 2026.

وقال مخلوف في منشور على "فيسبوك": "من يعتقد أن ما جرى في حمص وما تلاه من حراك شعبي صدفة فهو واهم. هذه الخطوات الأولى تقود إلى عواقب وخيمة. وحذّر من أن "هناك مستفيدين مما يجري"، داعياً الطائفة إلى عدم الانخداع حتى لا تكون ــ على حدّ وصفه ــ "كبش فداء مرة أخرى".

كلام مخلوف جاء في ظل تسريبات وسيناريوهات متداولة عن صفقات تُدار في الكواليس بين قوى دولية، حيث تحدّثت مصادر عن لقاء جمعه في موسكو بماهر الشرع، شقيق الرئيس الجديد، إلى جانب معلومات عن اجتماع غير مباشر ضمّ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع كفاح ملحم و كمال حسن بإدارة روسية.

هذه الأسماء تتصدّر اليوم قائمة المرشحين للعودة إلى الساحل أو لعب أدوار سياسية فيه، مع ترجيحات تميل لصالح كفاح ملحم. ومعلوم أن الحسن وملحم حاولا التنسيق مع مجموعات في الساحل لفرض أمر واقع، خارج عن سيطرة الدولة السورية وفي هذا المجال تحدثت مصادر عن تنسيق الحسن وملحم مع ضباط محسوبين على النظام السابق يقيمون حالياً في لبنان، وقد أوفدا قبل فترة ضابطاً من قبلهم للقائهم والتنسيق معهم حول المرحلة المقبلة في الساحل السوري. جهات عديدة قد تسعى للاستثمار في التشظي الذي تعيشه سوريا، كما أن إسرائيل يمكنها أن تستغل أي نقطة ضعف لإضعاف سوريا أكثر.  

 

إلّا أن طرفاً ثالثاً بدأ يفرض حضوره بقوة: الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، الذي يُنظر إليه اليوم باعتباره صاحب الكلمة المؤثرة في الشارع العلوي، والمرجعية التي تملك القدرة على ترجيح كفّة القبول أو الرفض لأي صيغة سياسية مقبلة للساحل.

 

الماضي يحدد الحاضر

في منتصف آذار/مارس 2011، بدت اللاذقية وكأنها تعيش خارج المشهد السوري المتفجّر. مدينة هادئة، تحرسها رقابة أمنية كثيفة، ومجتمع اعتاد مراقبة السياسة من بعيد أكثر مما اعتاد النزول إلى الشارع. لكنّ هذا الهدوء لم يدم طويلاً. فخلال أيام قليلة فقط، بدأت الهمسات تنتشر في الصليبة والرمل الجنوبي والشيخ ضاهر.

مقاطع مصوّرة من درعا تتنقّل عبر الهواتف، وأحاديث خافتة تدور في المنازل والمقاهي حول سؤال لم يُطرح في المدينة منذ أكثر من نصف قرن: هل يمكن للّاذقية أن تهتف؟

ومع خروج الهتافات الأولى ــ ولو صدرت عن عشرات فقط ــ بدا المشهد وكأن المدينة تعبر فجأة من زمنٍ راكد إلى زمن جديد بالكامل. لم يكن ذلك مجرد تجمع عابر، بل اختراقاً لحاجز تاريخي صلب ظلّ يحكم اللاذقية لعقود طويلة.

 

تكسير الصمت

خرجت أولى المظاهرات من حيّ الصليبة، قبل أن تمتد سريعاً إلى الشيخ ضاهر وساحة اليمن والكورنيش. كانت تجمعات صغيرة ومتقطعة، لا تتجاوز عشرات في بعض الأحيان، لكنها حملت وزناً سياسياً غير مسبوق: هذه أول مظاهرات مدينية تشهدها اللاذقية منذ عقود طويلة من الصمت المفروض.

رفعت الهتافات الأولى شعارات بسيطة لكنها حاسمة: "سلمية"، "حرية"، "الشعب السوري ما بينذل". شعارات خرجت من مدينة لطالما تعاملت مع السياسة بوصفها خطراً لا يقترب منه أحد.

إلى أن أجهزة الأمن استجابت بسرعة: انتشار حواجز جديدة داخل الأحياء، اعتقالات طاولت شباناً من دون مذكرات رسمية، واستخدام الرصاص الحي في بعض النقاط القريبة من ساحة اليمن والكورنيش. كان واضحاً أنّ النظام يتعامل مع أي صوت ناشئ في اللاذقية على أنه خطر يجب احتواؤه فوراً.

ورغم أنّ المظاهرات لم تتخذ طابعاً يومياً شاملاً، فإنّ حضورها المتقطّع خلال أسابيع آذار ونيسان، أحدث تصدّعاً حقيقياً في بنية الصمت التاريخي للمدينة.

 

اللحظة الفاصلة

في آب/أغسطس 2011، تحوّل حيّ الرمل الجنوبي إلى نقطة الانفجار الأبرز في اللاذقية. خلال ساعات قليلة، فُرضت على الحيّ إجراءات عسكرية غير مسبوقة: طوق أمني كامل، حواجز إضافية، إغلاق المداخل الرئيسية، ثم دخول المدرعات إلى عمق الشوارع المكتظة بالسكان. وفي اليوم التالي، بدأت عمليات قصف متقطع أجبرت آلاف العائلات على النزوح نحو الشاطئ والمناطق المحيطة.

البعد الطائفي كان حاضراً بشكل واضح: حيّ ذو غالبية سنّية يتعرّض لحملة عسكرية داخل مدينة يغلب عليها الطابع العلوي.

وبعد أيام من العملية، كان واضحاً أن هجوم الرمل الجنوبي شكّل نقطة اللاعودة في تاريخ الاحتجاج داخل اللاذقية. توقّفت المظاهرات تماماً، وانكمش الحراك المدني الذي كان قد بدأ بالكاد قبل أسابيع. دخلت المدينة مرحلة "الخوف الكامل"، حيث تماهى الدور الأمني مع الدور العسكري، وصار النزول إلى الشارع بعد تلك اللحظة ضرباً من المستحيل.

كانت هذه الحادثة، بكل عنفها ورمزيتها، الجرح الذي سيبقى مفتوحاً في ذاكرة اللاذقية ــ اللحظة التي خرجت فيها المدينة من زمن الاحتجاج... لتدخل زمن الحرب.

 

نهاية المظاهرات

مع بداية عام 2012، كان واضحاً أن زمن المظاهرات في اللاذقية قد انتهى، لا بقرارٍ معلن، بل بفعل انتقال المشهد من الشارع إلى الجبهات. فقد تحوّل مسرح المواجهة تدريجياً من قلب المدينة إلى الريف المحيط: جبل الأكراد، سلمى، الحفّة والقرى المتمددة على السفوح الشرقية. تلك المناطق، ذات الطوبوغرافيا الوعرة، أصبحت خطوط تماس أساسية بين قوات النظام والفصائل المسلحة التي تقدمت نحو الجبال المطلة على الساحل.

تغيّرت اللاذقية بصورة جذرية. المدينة التي خرج منها في ربيع 2011 صوتٌ خافت ثم خُنق بسرعة، تحوّلت خلال شهور قليلة إلى مدينة خلفية للحرب. نزول المدنيين إلى الشارع لم يعد خياراً مطروحاً ولا ممكناً.

الحواجز العسكرية انتشرت على المداخل والأحياء، ومعها نقاط تفتيش تابعة لفصائل محلية موالية للنظام. وبرزت ظاهرة "الشبّيحة" كقوة أمنية غير رسمية لكنها فاعلة، تتدخل في الشؤون اليومية وتفرض حضورها في كل تفصيل من تفاصيل الحياة المدنية.

خلال هذه السنوات، أُغلقت اللاذقية بالكامل على نفسها. لم تعد جزءاً من "زمن الثورة" كما كانت خلال أسابيع قليلة في 2011. تحوّل كل ما حدث في ذلك الربيع إلى "حدث لا يُكرر"، ذكرى قصيرة ومحمّلة بالخوف، تلاشت سريعاً أمام واقع الحرب والانقسامات الطائفية وتغوّل القوى المسلحة.

كانت اللاذقية بين عامي 2012 و2015 مدينة تعيش الحرب من دون أن تخوضها مباشرة: مكبوتة سياسياً، محروسة أمنياً ومحكومة بتوازن هش بين السلطة والميليشيات. في هذا المناخ، تعاظم نفوذ المجموعات المسلحة المحلية (الشبيحة) الذين تحولوا خلال سنوات قليلة إلى سلطة موازية تمتلك نفوذاً أمنياً واقتصادياً.

سيطروا على قطاعات واسعة من السوق، فرضوا إتاوات على الأنشطة التجارية، وتدخلوا في الخلافات العائلية والبلدية، حتى باتت بعض الأحياء تُدار عملياً بقرارات قادة المجموعات، لا بقرارات المؤسسات الرسمية.

هذا التمدد لم يكن مجرد فائض قوة، بل تعبير عن تفكك التوازن القديم الذي حكم العلاقة بين السلطة والمدينة لعقود طويلة. ونتيجة لذلك، عاشت اللاذقية بين 2016 و2023 حالة يمكن وصفها بـ"الهدوء المتوحّش": هدوء قسري، محكوم بالخوف، تغذّيه قوة السلاح من جهة والانهيار الاقتصادي من جهة أخرى.

واليوم، تقف اللاذقية بعد التحرير على حافة مرحلة جديدة تماماً.

مدينة بُني تاريخها السياسي على الصمت والتوتر، تجد نفسها أمام لحظة نادرة: إمّا أن تعود إلى صمتها القديم، محكومة بمنطق القوة والخوف… أو تتحول أخيراً إلى فضاء سياسي مفتوح يستعيد فيه الناس صوتهم، وتبدأ فيه المدينة بكتابة تاريخها بيدها، لا بتاريخٍ يُفرض عليها من فوق.

لقد وصلت اللاذقية إلى نقطة لا يمكن العودة بعدها بسهولة. فإمّا أن تخطو نحو مستقبل سياسي مختلف، أو تغرق مرة أخرى في الظل الذي رافقها طوال قرن. وفي هذا المفترق، يبدو أن المدينة ــ بكل تناقضاتها وذاكرتها الثقيلة ــ باتت أقرب من أي وقت مضى إلى التغيير.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث