كيف تعيد صفقة الـF-35 تشكيل مستقبل سوريا؟

مهيب الرفاعيالخميس 2025/11/27
Image-1763372166
اتفاق الـ F-35يعزز حدة التنافس في الشرق (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تكمن وراء اجتماعات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقادة الشرق الوسط مقاربة ترى الإقليم من منظور تجاري شعبوي لا يقيس النفوذ بالأدوار الاستراتيجية أو قواعد توازن القوى؛ بل بعائد الربح السياسي والاقتصادي المباشر. ننطلق من هذا التصور، إلى القول إن السياسة الخارجية تتحول إلى سوق للمزايدة، وتصبح الصفقات العسكرية، ومن بينها صفقة تزويد السعودية بمقاتلات F-35، وسائل لضمان اعتماد القوى الإقليمية على واشنطن من دون أن تتحمل الأخيرة أعباء الأمن والاستقرار، أو التدخل العسكري في تخليص عدة ملفات امنية عالقة في المنطقة. لا تنفصل هذه المقاربة عن مناقشة الملف السوري؛ إذ أن ترامب، في سعيه لتحقيق نفوذ بلا كلفة، يتجنّب عمليات بناء الدول أو الالتزامات العسكرية الطويلة، ويستبدلها بسياسة تسليح وإزالة عقوبات واسعة تخلق مراكز نفوذ جديدة، أبرزها في الخليج، ليُدار الشرق الأوسط عبر شبكات من العلاقات والصفقات الاستراتيجية، التي تقوم على مبدأ من يستثمر ومن يمول أكثر ويرعى المصالح الأميركية ينال الحظوة الأكبر. وفي الحالة السورية، يعني ذلك دعماً غير مباشر، عبر أطراف إقليمية، لإعادة تشكيل ميزان القوى المحيط بدمشق، بواسطة تعزيز موقع الرياض كقوة جوية متقدمة قادرة، ولو نظرياً، على التأثير في حسابات إيران وروسيا والفاعلين السوريين الجدد. يجعل هذا المنطق التجاري الذي يحكم رؤية ترامب من سوريا ساحة تُعاد صياغة توازناتها عبر أدوات غير سورية تشمل صفقات سلاح، ضغوط اقتصادية، وإعفاء من أو فرض عقوبات، وتفاهمات فوقية، ومسارات تطبيع تُستخدم.

 

تشكيل معادلة القوة الإقليمية

تمثل موافقة إدارة ترامب على بيع ثمانٍ وأربعين مقاتلة من طراز F-35 إلى المملكة العربية السعودية تحولاً بنيوياً عميقاً في الجيوسياسة الشرق أوسطية، وتحولاً يتجاوز بكثير مفهوم الصفقة العسكرية التقليدية؛ إذ يشير إلى دخول الرياض إلى المجال الحصري للدول القادرة على تشغيل طائرات الجيل الخامس الشبحية، وهي ترقية ستعيد معايرة هرمية القوة الجوية والردع الإقليمي لعقود مقبلة. ليست الـ F-35 مجرد مقاتلة؛ بل هي منصة شبكية للعمليات الاستخباراتية والهجومية قادرة على اختراق أكثر الأجواء تحصيناً، وتنفيذ عمليات بعيدة المدى، والاندماج بسلاسة مع أنظمة الولايات المتحدة وحلف الناتو. وعبر امتلاك هذه القدرة، تتحول المملكة العربية السعودية من فاعل إقليمي يعتمد على الحماية الأميركية إلى دولة قادرة على اتخاذ إجراءات استراتيجية مستقلة وامتلاك ردع موثوق ضد إيران وخصوم آخرين. لكن تنظر إسرائيل إلى هذا بحذر، خشية تآكل تفوقها العسكري النوعي المحمي منذ عقود؛ ومع ذلك يبدو أن واشنطن مستعدة لإدارة المخاوف الإسرائيلية عبر قيود على التصدير وتخفيضات في البرمجيات المرتبطة بعقد التشغيل مع الرياض. وحتى مع هذه القيود، فإن حصول الرياض على مقاتلات F-35 يعمق الشراكة الاستراتيجية الأميركية السعودية في لحظة يعاد فيها تشكيل النظام الإقليمي. أما بالنسبة لسوريا، فإن هذا التحول يعيد تشكيل ميزان القوى عبر المشرق ويُدخل لا تماثلاً جديداً سيؤثر على كل فاعل خارجي مرتبط بالملف السوري، من طهران إلى أنقرة ومن تل أبيب إلى موسكو.

 

الهندسة الجديدة للتأثير الخارجي

في المسرح السوري، يتقاطع اتفاق الـ F-35 مع انتقال هش بعد حقبة استبدادية في دمشق، حيث يواجه القادة الجدد جهاز دولة مدمراً، ومشهداً عسكرياً متشظياً، واقتصاداً على حافة الانهيار. لقد خلّف سقوط النظام القديم في أواخر العام 2024 فراغاً مؤسسياً امتلأ بميليشيات متنافسة، ودويلات أمر واقع، ورعاة خارجيين يحملون رؤىً متعارضة لمستقبل سوريا. وفي هذا السياق، يُنشئ صعود المملكة العربية السعودية المُعززة عسكرياً—بدعم أميركي مباشر—فرصة جديدة ومصدر ضغط في آن معاً على القيادة السورية الناشئة. فتمويل إعادة الإعمار، والاعتراف السياسي، وإعادة الاندماج في النظام العربي كلها تعتمد على الدعم الخليجي، وتمنح القوة الجوية السعودية الجديدة الرياض نفوذاً سياسياً أكبر لتحديد شروط إعادة دخول سوريا إلى النظام الإقليمي. وقد تجد دمشق نفسها مضطرة لتعديل توجهها في السياسة الخارجية، وتخفيف اعتمادها على إيران، وتبني تموضع خارجي أكثر توازناً يتماشى مع الأطر الخليجية لمرحلة ما بعد الصراع. وبالتالي، فإن احتمالية تأثير سعودي مدعوم بالـ F-35 تعقد حسابات القيادة السورية الجديدة، التي يجب عليها المناورة بين الجاذبية الجيوسياسية لطهران وموسكو والحوافز المالية والدبلوماسية المقدمة من الرياض وواشنطن.

 

القوة الجوية والردع

يترك نشر مقاتلات F-35 السعودية، حتى وإن كان بعيداً جغرافياً، تأثيراً نفسياً واستراتيجياً مباشراً على المعادلة العسكرية داخل سوريا، على اعتبار أن القوة الجوية المتقدمة تعيد تشكيل السلوك الإقليمي قبل استخدامها الفعلي بوقت طويل. إذ يتعين على شبكات طهران في سوريا، بما في ذلك بقايا خلايا الحرس الثوري، وعُقد الإمداد التابعة لحزب الله، وشبكة واسعة من بقايا الميليشيات الممتدة من البوكمال إلى القصير والتي وضعت الآن ضمن بنك اهداف الحرب على الإرهاب في المنطقة، أن تأخذ في الحسبان إمكانية تموضع عسكري سعودي مستقبلي قادر على اكتشاف التحركات الإيرانية أو استهدافها أو ردعها. وهذا يخلق طبقة جديدة من عدم الأمان لإيران وقد يدفعها إلى تحصين مواقعها داخل سوريا، وتوسيع عمليات تجنيد الميليشيات، أو تعزيز قدرات القيادة والسيطرة وتمكين تحالفات جديدة مع الأكراد على مدى بعيد . ويعيد وجود مقاتلات F-35 تشكيل حسابات الفاعلين المحليين في جنوب سوريا وشرقها، حيث يتصاعد الغضب الشعبي تجاه القدرة الإيرانية. وقد تفسر العشائر، والمقاتلون المنشقون والفصائل التي اندمجت تحت لواء وزارة الدفاع السورية، والهياكل الأمنية المحلية صعود القوة الجوية السعودية كإشارة إلى أن المد الإقليمي بدأ يميل لصالح النفوذ السنّي في سوريا. ومع ذلك، فإن هذا التحول يزيد أيضاً من مخاطر التصعيد بالوكالة، وتعود سوريا إلى ساحة حرب جديدة، ويصبح الدعم الخليجي ملاذاً آمناً.

على مستوىً جيوسياسي أوسع، يجبر اتفاق الـ F-35 القيادة السورية الجديدة على إعادة التفكير في عقيدتها الأمنية الوطنية بأكملها؛ إذ ان سوريا على مدى عقود، اعتمدت على التفوق الجوي الروسي، والتعبئة البرية الإيرانية، ونموذج بقاء يرتكز على الميليشيات. وقد تشكلت هذه الاستراتيجيات ضمن ظروف لم يكن لدى الخصوم الإقليميين فيها الوسائل التكنولوجية لتحدي دمشق مباشرة. يغّير وجود شرق أوسط تمتلك فيه السعودية طائرات شبحية متقدمة هذه الافتراضات جوهرياً؛ وحتى إذا لم تكن لدى السعودية نية للقيام بعمليات عسكرية داخل سوريا بهدف فرط الهلال الشيعي، فإن مجرد وجود هذه القدرة يغير طريقة تفكير دمشق بالسيادة والمجال الجوي والهشاشة الاستراتيجية. وقد يدفع ذلك النظام الجديد إلى إصلاح أجزاء من قطاعه الأمني، وإضفاء الطابع المهني على قواته المسلحة، وتقليل اعتماده على الفزعات غير النظامية، لا سيما إذا أصبحت هذه الإصلاحات شرطاً مسبقاً للحصول على التزامات خليجية بإعادة الإعمار والانتقال بسوريا إلى مستوىً أمني آخر؛ لا سيما وأن سوريا لم تعد تشكل تهديداً لأي من دول المنطقة بعد حل جيش نظام الأسد من جهة، وبعد قيام إسرائيل بتدمير السلاح السوري الثقيل من طيران وبطاريات صواريخ والبنية التحتية المرافقة له . وقد تسعى القيادة السورية أيضاً إلى إنشاء ترتيبات مؤسسية جديدة توازن بين المصالح الروسية والخليجية المدعومة من أميركا، في محاولة لتجنب الاعتماد المفرط على أي راعٍ واحد؛ لكن ستظل حتى الإصلاحات المتواضعة حساسة سياسياً، لأنها قد تقوض المصالح المتجذرة داخل المؤسسة الأمنية وتزعزع شبكات المحسوبية المتوارثة من النظام السابق.

 

معارك النفوذ ومخاطر الاستقطاب

يعزز اتفاق الـ F-35 حدة التنافس بين المحور الإيراني والهيكل الأمني العربي الأميركي الناشئ؛ إذ تنظر طهران إلى الصفقة باعتبارها تطوراً استراتيجياً عدائياً، يهدف إلى تضييق مساراتها لإعادة التوسع عبر سوريا، وتقييد حرية حركتها في لبنان وفلسطين واليمن على حد سواء، وتهديد قواعدها المتقدمة المحتملة. من المرجح أن يدفع ذلك إيران إلى تسريع جهودها لإضفاء الطابع المؤسسي على بقايا وجودها في سوريا؛ عبر دمج وحدات الميليشيات داخل المجتمعات المحلية، وتوسيع شبكات التعبئة العقائدية، وتعزيز منشآت الطائرات المسيّرة والصواريخ، التي تعمل وزارة الداخلية السورية على ضبطها وضبط الخلايا المرتبطة بها لا سيما في مناطق ريف دمشق الغربي والقنيطرة، وتعميق الروابط الاقتصادية مع الفاعلين السوريين المتحالفين معها. أما روسيا، فتجد نفسها مضطرة للتكيف مع دينامية إقليمية جديدة تُظهر فيها السعودية، المسلحة بطائرات أميركية من الجيل الخامس ذي التقنية الفائقة، نفوذاً متزايداً في تشكيل المسألة السورية وتبني النظام الوليد؛ لا سميا بعد مساعي الرياض لإزالة العقوبات عن دمشق ومنحها فرصة جديدة للنشوء واستعادة دورها في المنطقة بما يتناغم مع الأهداف المطروحة لشرق أوسط جديد. وقد تستخدم موسكو هذا التطور للضغط على دمشق لمقاومة الاختراق الخليجي أو تحاول، على العكس، التوسط لتحقيق توازن يحافظ على استقلاليتها الاستراتيجية وعلى وجودها في سوريا من خلال قاعدتين هما الأهم على المياه الدافئة ( حميميم وطرطوس) وعبر الوجود المحتمل للشرطة العسكرية الروسية في الجنوب السوري. بالنسبة لدمشق، يجسد اتفاق الـ F-35 الأميركي السعودي مجموعة معقدة من المخاطر والفرص؛ إذ إنه، من ناحية، يوفر فرصة لإعادة الاندماج في العالم العربي، والحصول على تمويل خليجي لإعادة الإعمار و تدوير عجلة اقتصاد بلد منهك، ويفتح مساراً نحو موازنة علاقاتها الخارجية بدلاً من البقاء رهينة لأجندات طهران وموسكو؛ ومن ناحية أخرى، يدفع هذا الاتجاه التجاري في السياسة الأميركية إلى خلق مشهد إقليمي أكثر استقطاباً تتعرض فيه القيادة السورية الجديدة لضغوط متناقضة من أطراف متعددة، تبدأ من واشنطن التي تتعامل مع سوريا بوصفها ساحة لإعادة توزيع النفوذ عبر الصفقات، ولا تنتهي عند بكين التي تسعى بدورها إلى تثبيت موطئ قدم اقتصادي وأمني في شرق المتوسط. وجود قوة جوية سعودية متقدمة مدفوعة بمنطق ترامب القائم على تعظيم الأرباح ونقل عبء الأمن إلى الحلفاء، يعيد تشكيل الحسابات الداخلية في دمشق؛ إذ تجد القيادة السورية نفسها مضطرة للتعامل مع بيئة إقليمية تُدار بالضغط المالي والتسليحي، وليس بالتوازنات السياسية التقليدية. وهذا بدوره يضع سوريا أمام اختبار صعب قائم على كيفية تبني استقلالها الاستراتيجي بينما تتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة صفقات بين القوى الكبرى، وتصبح أي خطوة سورية محسوبة ضمن لعبة تنافسية تتداخل فيها مصالح الولايات المتحدة والخليج العربي وتركيا وإسرائيل من جهة، ومصالح إيران وروسيا والصين وشبكاتهم من جهة أخرى. قد تجد الإدارة السورية الجديدة نفسها منجذبًة إلى توترات بالوكالة لا تمتلك القدرة على إدارتها؛ وإذا أخطأت دمشق في الحساب، فقد تُضغط في آن واحد من قبل إيران عبر التلويج بفتح المجال أمام ضربات ضد دمشق من مبدأ الحرب الواسعة، وتُقيد من قبل روسيا، وتُوضع تحت شروط السعودية والولايات المتحدة وتوضع تحت مرمى نيران إسرائيل في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق أمنى وعسكري بصيغة مُرضية. وفي نهاية المطاف، يعيد اتفاق الـ F-35 رسم البيئة الاستراتيجية الأشمل التي يجب على سوريا إعادة بناء نفسها ضمنها؛ وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى الاستقرار أو إلى تجدد التفكك سيعتمد على خيارات القيادة السورية، وتماسك الاستراتيجية السعودية، واستعداد الفاعلين الخارجيين للتنسيق بدلاً من التنافس على مستقبل سوري والمنطقة بعد انهيار نظام الأسد المرعب بعدة ملفات.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث