اعتصامات الساحل: غضبٌ مكبوت يطلب طريقاً وطنياً!

أحمد عليالخميس 2025/11/27
GettyImages-2203937668.jpg
جريمة زيدل شرارة قوية في لحظة محتقنة
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست اعتصاماتُ الساحل السوري خبراً عابراً ولا مشهداً طارئاً أو مفاجئاً في شريط الأحداث؛ بل نافذة مفتوحة على وجعٍ تراكم قبل أن ينفجر دفعة واحدة.. وبين من يصرّ على قراءتها كاستجابة لنداء رجل دين، ومن يسارع إلى اتهامها بالطائفية أو "المشروع التقسيمي"، تضيع الحقيقة الأوضح، وهي أن الذين ملؤوا الساحات هم أبناء الفواتير المستحيلة، والرواتب المتهالكة، والخوف من غدٍ مجهول وغير آمن. 

من السهل أن تُختزل اعتصامات الساحل في جملة طائفية، أو في استثمار حادثة زيدل في حمص، أو في قراءة كل شيء من زاوية "مشروع تقسيم وفيدراليات"، ومن السهل أكثر أن يُقال إن ما يجري مؤامرة أو لعبة أجهزة وترتيب دولي يجري التحضير له على الأرض. لكن الأصعب، والأكثر أمانة، هو أن نرى هذه الاعتصامات بوصفها مرآة لحالة سوريا متفجرة تحت السطح، حالة تعبر عنها الحالة المعيشية الخانقة، والقلق الأمني، وانعدام الأفق، والإحساس العميق بالمهانة لدى فئات من الشعب.

لهذا، فإن هذا المقال يحاول أن يقترب من هذا الغضب، يفككه بهدوء وبعقل بارد، ويسأل: ماذا تقول هذه الاعتصامات فعلاً؟ ما الذي تريده؟ هل الشارع هو الجواب الوحيد أمام السوريين اليوم؟ وكيف يمكن أن تتحول الاعتصامات من نداء وجع إلى خطوة في طريق نضال وطني مدني جامع؟

 

شرارة في لحظة احتقان

جريمة زيدل في ريف حمص، بكل ما حملته من رسائل طائفية خطيرة، كانت بلا شك شرارة قوية في لحظة محتقنة، لكن النار التي اشتعلت في النفوس أقدم من تلك الليلة، وأعمق من أن تفسَّر بجريمة واحدة أو بخطبة شيخ هنا أو هناك.

دعوات بعض رجال الدين للنزول، أو محاولة بعض الناشطين والإعلاميين ودعاة التمثيل ركوب الموجة، هي حقيقية وموجودة، لكنها أشبه بصوت عالٍ يركب موجة تشكّلت من قبل. والذي يختزل الاعتصامات بأنها "استجابة لشيخ" يتجاهل أن الأهالي كانوا، قبل الدعوة وبعدها، يعانون من القتل والتهجير والخطف إلى جانب ارتفاع أسعار الكهرباء والاتصالات والخبز والمحروقات، ويعانون من فصل الموظفين، ومن الخوف اليومي من انفجار أمني جديد.

بكلام واضح، الدعوة من رجل دين أو حادثة طائفية أو فيديو على وسائل التواصل يمكن أن تكون شرارة، لكنها لا تصنع حدث كالذي نتحدث عنه هنا. الاعتصامات هي معبّر عن حالة، لا صانع لها، ومن يرفض رؤية ذلك، إنما يفضّل أن يحارب العناوين عوضاً عن مواجهة الأسباب.

 

وجع معيشي متراكم

خلف الهتافات والشعارات، هناك قصة بسيطة يرويها السوري أينما كان، لا كهرباء تكفي، لا دخل يكفي، لا أمان حقيقي، ولا ثقة بسلطة تتخذ القرارات من فوق ثم تطلب من الناس الصمت والصبر. ففي الساحل كما في الداخل، يرى جزء من الناس أن السلطة الحالية ورثت امتيازات السلطة السابقة، لكنها تريد أن تُحمّلهم وحدهم ثمن الخراب؛ مرة باسم "الإصلاح"، ومرة باسم "المرحلة الانتقالية"، ومرة باسم "من يحرر يقرّر" في حين هي تتعامل معهم كطوائف لا كمواطنين.

وهذه الخلفية المعيشية ليست تفصيلاً، فحين تُرفع أسعار الكهرباء والاتصالات والخبز، وحين يشعر الموظف أن عمله مهدّد في أي لحظة، وحين يخاف الناس من عودة الاعتقالات والخطف والانتقام والثأر، يصبح الشارع، مهما كان ثمنه، أقل كلفة من البقاء في البيت. وليس ضرورياً أن يعلن المحتجون كل هذه الأسباب على المكشوف، ولا أن يصيغوها في بيان سياسي متكامل؛ فمن لديه عقل يعرف أن الناس لا تغامر بحياتها لأجل "نكتة فيدرالية" أو "هوَس شيخ"؛ بل لأجل العيش الكريم، وخبز الغد، وأمان الأبناء.

 

"الفيدرالية".. بحثاً عن حل تائه!

في الاعتصامات الأخيرة في الساحل، برزت شعارات عن اللامركزية وإطلاق سراح الموقوفين ووقف القتل، إلى جانب حديث عن "الفيدرالية" لدى بعض المشاركين. هنا تحديداً اختلطت الأوراق لدى كثيرين، فهل نحن أمام مطلب سياسي عميق بتغيير شكل الدولة؟ أم أمام كلمة تُستخدم كوعاء للغضب؟

في الخطاب السوري الأوسع، تُطرَح اللامركزية اليوم بوصفها خياراً لإنقاذ الدولة من التفكك، عبر توزيع السلطة بين المركز والمستويات المحلية؛ أي ترى فيها "طوق نجاة" لترميم الثقة بين الدولة والمجتمع. لكن هذا النقاش النظري شيء، وما يقصده المتظاهر البسيط حين يهتف بـِ "اللامركزية" أو حتى "الفيدرالية" شيء آخر غالباً. بالنسبة له، هذه الكلمات ليست مشروعاً دستورياً مكتمل التفاصيل، بل وعدٌ مبهم بأن "شيئاً ما" سيحصل فينقذه من هذا الجحيم اليومي.

الأمر يشبه سؤالُ السوري البسيط في العام 2011 عن معنى “الحرية” التي يهتف لها، فيجد نفسه، بعفوية، يتحدث عن الخبز والمازوت والرواتب، في حين كانت النخب تتكلم من فوق عن "الدولة المدنية" و"الانتقال الديموقراطي" و"إسقاط النظام" بلغة لا تشبه حياة الناس ومدى معرفتهم. اليوم تتكرّر الحكاية تقريباً، فالنخب تتجادل حول الفيدرالية واللامركزية السياسية، في حين أنَّ المتظاهر يريد باختصار حياة كريمة لا يميزه فيها عن الآخر شي، يريد خدمات متناسبة مع دخله، وعملاً لا يُفصل منه تعسفاً، وابناً لا يُعتقل لأنه من طائفة معيّنة.

لهذا تبدو الفيدرالية، في وعي جزء من المحتجين، تكثيفاً لكل أنواع الغضب، أكثر منها مشروعاً سياسياً ناضجاً، وهو تكثيف قد يكون غير موفق، بل خطِراً أحياناً، لأنه يفتح الباب لتأويلات طائفية ويستفز ردّات فعل غوغائية تكسر تمثال أحد قادة الثورة السورية الشيخ صالح العلي أو سلطان باشا الأطرش كما حدث قبل أشهر في السويداء، ظنّاً أن تكسير الرموز يحمي "الوحدة الوطنية". وفي الحقيقة، هذا النوع من "الوطنية" لا يحمي إلا الخطاب الطائفي الذي يزعم أصحابه أنهم يواجهونه.

 

هل الشارع هو الجواب؟

هل النزول إلى الشارع اليوم خيار صحيح؟ تاريخ الاحتجاج في سوريا يقول إن الناس لا تلجأ إلى التظاهرة والاعتصام إلا حين تُغلق أمامها كل قنوات التعبير الأخرى، فمن حق السوري أن ينزل إلى الشارع، وأن يرفع صوته، وأن يطالب بحقه في حياة كريمة وأمان حقيقي. وهذا حق، وليس منّة من أحد على أحد.

لكن صحيح أيضاً أن السياق الأمني والسياسي شديد التعقيد، فهناك سلاح منتشر، وانعدام ثقة عميق بين مكونات المجتمع، وإرث ثقيل من القتل والاعتقال والتخوين. ولذلك، يمكن لأي هتاف أن يتحول إلى شرارة صدام أهلي إذا جرى استثماره من جهات متطرفة أو من أجهزة تريد إعادة إنتاج خطاب احترفته السلطة السابقة ووظفته لعقود.

لهذا يبدو واجباً التفكير في بدائل موازية لا تلغي الشارع، لكنها تخفف من احتمالات تحول الاحتجاج إلى صدام طائفي أو أمني.. لماذا لا تُفتح قنوات تواصل حقيقية ودائمة بين السلطة والمجتمع، من خلال مجالس محلية منتخبة فعلاً، وجلسات حوار علنية، وفضاءات نقاش تُنقل على الإعلام، بدلاً من أن يبقى الشارع الخيار الوحيد، في ظل ظرف أمني هشّ؟ لماذا لا يُعترف بأن الاحتجاج، إذا أُدير بعقل، يمكن أن يكون صمامَ أمان لا تهديداً؟

 

نحو نضال وطني ديمقراطي جامع

الردّ الحقيقي على الطائفية لا يمكن أن يكون طائفياً، ولا يمكن أن نواجه جريمة تحمل طابعاً طائفياً بهتافات طائفية معاكسة، أو باعتصامات مغلقة على طائفة بعينها؛ بل الردّ الجدي يكون بالانخراط في نضال وطني مدني ديموقراطي جامع، لا يختزل السوريين في هويات ما قبل وطنية، بل يعيد بناءهم كمواطنين متساوين في دولة قانون ومؤسسات.

والتجربة السياسية الحالية في دمشق، بكل تعقيداتها وخطواتها المترددة نحو برلمان جديد وانتقال سياسي، تحمل في طياتها إمكانين متعاكسين، إمكان أن تكون بداية طريق إلى دولة جامعة، وإمكان أن تتحول إلى إعادة إنتاج لمركزية خانقة وإقصاء للفئات والمناطق الأضعف، وبطبيعة الحال إذا وقع الاختيار على المسار الثاني، فسيكون هذا عملياً دفعٌ للناس نحو الشارع، ونحو شعارات من نوع الفيدرالية والكانتونات، وربما ما هو أبعد من ذلك.

ولهذا، فمن الضروري جداً أن تضع السلطة الحالية في ذهنها، بخلاف ما فعلته السلطة السابقة، أن احتجاج الناس يأتي أولاً وثانياً وثالثاً من وجعهم الحقيقي، ومن الاستهانة بهذا الوجع، ومن استمرار التعامل مع السوريين وسوريا كطوائف ومناطق، ومن التغاضي عن ممارسات طائفية لبعض الأجهزة وبعض البيئات الاجتماعية الموتورة والتي لم تستجيب لدعوات السلطة بأن الثورة انتهت وبأن عقلية الثأر يجب أن تنتهي. وتجاهل هذه الحقيقة هو الطريق الأقصر إلى انهيار ما تبقى من الدولة السورية، وفتح الباب واسعاً أمام صراعات أهلية لا تبقي ولا تذر.

 

كلمة أخيرة

في هذا المنعطف التاريخي الذي تشهده البلاد، الصمت جريمة بحق سوريا والسوريين ومشروعهم الوطني ببناء دولة قانون ومؤسسات، ولذلك فإن النخب السورية الوطنية – السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والثقافية – مطالَبة برفع الصوت عالياً في وجه الخطاب الطائفي والممارسات الطائفية، سواء صدرت من جهات مقربة من السلطة أو من معارضيها أو من جماعات محلية غاضبة. فليس مقبولاً اليوم أن تُترك الساحات للمتطرفين وحدهم، ولا أن يُحتكر الكلام باسم "الطائفة" أو "المكوّن" من قبل من يستثمرون في الخوف والانتقام.

ختاماً، اعتصامات الساحل هي جرس إنذار جديد، جرسٌ يذكّر بأهمية أن توضع البلاد على السكة الصحيحة للانتقال المبني على الحوار الوطني الجامع والشراكة، ويذكّر أيضاً بأهمية تحويل الغضب إلى نضال مدني طويل النفس، بدلاً من أن يترك ليتبخر في الشوارع أو يتحول إلى وقود لصدامات أهلية جديدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث