ما يجري اليوم في الساحل السوري لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً عابراً أو انفعالاً محلياً؛ بل هو امتداد مباشر للجذر نفسه الذي انكشف بوضوح في أحداث السويداء ومجازرها وماتبعها. إنه الجذر الذي عجزت عنه معظم منظومات المعارضة وخطاباتها، حين كانت وما زالت تخاطب الناس بلغة مجردة عن "أيّ واقع"، تطلب منهم تجنّب الشعارات الطائفية، أو الالتزام بقوالب وطنية ثابتة، وذلك نقيض لما عاشته وتعيشه منذ وعت نفسها في هذا الكيان. المفارقة، أن ماعابته هذه الأصوات على التعبير الطائفي للدروز أو العلويين اليوم هو نفسه ما تفهمته عندما ظهر صوت إسلامي سني في بداية الثورة 2011، ومن تفهم خطابات الأقليات اليوم هو نفسه من عاب خطاب السنّة في بداية الثورة، في انقلاب للادوار والخطابات بين هذه الطرفين.
مفارقة لافتة
كان من المفارقات اللافتة أيضاً، أن أدونيس، الذي تهاون مع نظام المخلوع بشار الأسد انطلاقاً من موقعه العلوي، قابله صادق جلال العظم الذي تفهّم الأسلمة، بل ودعمها، من موقعه السني. وإذا انحدرنا من حقل الفكر والفلسفة إلى مجال السياسة والبُنى التي تشكّلت داخل المعارضة بعد الثورة، ولا سيما أبرز تشكيلين فيها: هيئة التنسيق الوطنية والمجلس الوطني، ومن دار في فلك كل منهما من معارضين ومثقفين وتبنّى طروحاتها السياسية حول التدخل الخارجي أو رفضه، وحول تفهّم الطابع الإسلامي للثورة أو رفعه شعار "لاءاتها الثلاث: لا للتسلّح، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي"، لرأينا أن الانقسام كان "بالرغم من نكران طرفيه لطائفيتهما" انقساماً طائفياً صرفاً. فالمعارضون العلويون ومعظم الأقليات مالوا إلى دعم هيئة التنسيق، في حين اندفع السنّة لدعم المجلس الوطني. هذا الانقسام لم يكن تفصيلاً عابراً ولا يمكن تمويهه بالمقولات والتحليلات الأيديولوجية اليسارية أو القومية، ولا تجاوزه بخفة كما لو أنه هامش يمكن القفز فوقه. لقد كان شرخاً بنيوياً حقيقياً… وهو بالضبط ما أهملناه.
شعور وُلد من اليأس
وكأن الذاكرة السورية قابلة للمسح ببيان سياسي، أو كأن التجربة لم تعبر بالقدر الكافي من العنف، لنلمس جذرها الأعمق.
الحقيقة أن المحتجين في الساحل، كما في السويداء، يتحركون من شعور أكثر عمقاً: شعور وُلد من اليأس، من انهيار آخر الجسور التي كان يمكن التعويل عليها، ومن فقدان الثقة بالأغلبية التي رأوا منها خلال الفترة الماضية وحشية طاغيه وواسعة لا يمكن اختزالها أو إزالتها بخطابات وحدوية أو بوعود إنقاذ وطني.
إن واحدة من أعمق الأخطاء التي ارتكبتها المعارضة السورية منذ العام 2011 " ولا أُبريءُ نفسي هنا " كانت افتراض أن الطائفية مجرّد "خطاب" يمكن تغييره بنصيحة، أو محاصرته ببيان، أو إنكاره بشعار وحدوي. في حين كانت الطائفية "في الحقيقة " بنية عميقة تراكمت عبر قرون من الخوف، والعنف الرمزي، والامتيازات، والتحالفات. ولذلك، لم يكن منطقياً طوال السنوات الماضية أن يُطلَب من العلوي أو الدرزي أو المسيحي أن يتخلى عن لغته الطائفية، في حين لم يُطلَب الشيء نفسه من الإسلاميين السنّة عندما ارتفع خطابهم في السنوات الأولى للثورة. أو منذ أول أزمة دستورية عاشتها الجمهورية السورية في 1950 حول دين رئيس الجمهورية، هذا التناقض كشف عمق الغرور السياسي، وأظهر أن الذاكرة السورية حتى المغرقة منها في القدم لا يمكن مسحها، وكأن الذاكرة السورية قابلة للمسح ببيان سياسي، أو كأن التجربة لم تعبّر عن نفسها بالقدر الكافي من العنف، لنلمس جذرها الأعمق، ولذلك فإن الاحتجاجات الطائفية اليوم ليست انحرافاً؛ بل هي عودة إلى البنية الأصلية التي تجاهلها الجميع، وكشف بأن "الهوية" لم تكن يوماً ترفاً لغوياً؛ بل كانت آلية دفاعٍ وجوديّ في بلدٍ لم يعط مواطنيه يوماً شعور الدولة المشتركة.
إعلان مبكر
إن ما يجري في الساحل والسويداء ليس مجرد صدامات محلية؛ بل هو إعلان مبكر لنهاية المركز السياسي السوري الذي حكم من دمشق طوال قرن كامل. فالفئات التي خرجت اليوم "مهما اختلفت لغتها وشعاراتها" تقول شيئاً واحداً: إن المركز لم يعد محل ثقة، وأنه لم يعد يمثل أحداً.
هذه الاحتجاجات ليست انفصالاً سياسياً بقدر ما هي انفصال نفسي، شعور بأن كل مشروع سلطوي مركزي سيعيد إنتاج القهر نفسه، مهما تغيّر الحاكم أو تبدّل الخطاب. لذلك، فإن ما نراه اليوم ليس حنيناً إلى تقسيم ولا محاولة لتفكيك البلاد؛ بل رفضٌ جذريٌ لمفهوم "الدولة/ المركز" الذي لم يقدّم لتلك التكوينات الاجتماعية سوى العنف والتهميش. إننا أمام بدايات "فيدرالية خشنة"، لا تُعلن عن نفسها سياسياً فقط، لكنها تتشكّل في الوعي، وتُعيد رسم خرائط الانتماء بما يتجاوز حدود الجغرافيا.
هذا لا يلغي مسؤولية نظام الأسد الذي دمّر المدن ورمى البراميل، لكنه يضيء وجهاً آخر للعنف لم يرد أحد الاعتراف به طويلاً. المجازر التي ارتُكبت بالسكاكين في السنوات الماضية، كشفت بُعداً نفسياً وإجرامياً مختلفاً: دخول بيت يُعرف أن فيه أطفال أبرياء وقتلهم لهوية ذويهم وحدها. وعلى الطرف المقابل، بقيت دعوات قصف الأقليات، ثابتة في الذاكرة، وجزءاً من هذه البنية العميقة للعنف الطائفي المتبادل. هذا التراكم هو ما يصوغ اليوم لغة المحتجين في الساحل: ليس بدافع سياسي مباشر؛ بل من شعور حاد بأنهم خارج أي معادلة وطنية، وأن "الوحدة الوطنية" لم تعد سوى قناع يُغطّي مشاريع هيمنة جديدة.
ليس مجرد انتقال للسلطة
ما حدث بعد سقوط نظام الأسد لم يكن مجرد انتقال سلطة؛ بل انهيار السيادة المركزية لأول مرة منذ نشوء الدولة السورية الحديثة. لقد ولّد هذا الفراغ السيادي بيئة تسمح بظهور سلطات موازية، ومشروع ديني عصبوي، واحتجاجات طائفية، وقوى مسلّحة تبحث عن غطاء لشرعيتها. الشرع نفسه لم يصعد فوق دولة قائمة؛ بل صعد فوق فراغٍ كامل، هذا الفراغ يُشبه اللحظة التي أعقبت سقوط يوغوسلافيا، أو انهيار الشاه في إيران، أو مغادرة العثمانيين للمنطقة: لحظة تتصارع فيها القوى على "من يحتل موقع الدولة"، لا على شكل الدولة نفسها. وما دام الفراغ قائماً، ستبقى السلطة الجديدة محكومة بمنطق السيطرة قبل بناء المؤسسات، وهو ما يجعل أي مشروع سلطوي أكثر خشونة بالمقابل، وأكثر ميلاً إلى العنف، وأكثر قابلية للانفجار.
في قلب هذا المشهد، يتشكل خطرٌ أكبر بكثير من الاحتجاجات نفسها: خطر تمكّن سلطة الرئيس أحمد الشرع الكامل من إعادة بناء رؤيتها للحكم السوري. فمنذ سقوط النظام، تحركت هيئة تحرير الشام بسرعة خاطفة لملء الفراغ، وبناء بنية سلطوية جديدة تستند إلى شرعية دولية متدرجة وإلى شبكة واسعة من العلاقات الخارجية. مدّ الشرع خيوط اتصال مع جميع القوى المتعارضة من واشنطن إلى موسكو، ومن طهران إلى الرياض، مقدماً لكل طرف ما يريده: مواجهة النفوذ الإيراني وملاحقة الجهاديين للأمريكيين، وقف الكبتاغون وفتح الاستثمار للسعوديين، عدم الاستهداف المباشر وحماية المراقد للإيرانيين، واستمرار القواعد والصفقات للروس. هدف هذا كله لم يكن سوى تحييد المخاطر وتأمين الغطاء لاستقرار السلطة الناشئة.
لكن الثمن الداخلي لهذه "البراغماتية" كان انهيار ما تبقى من الدولة السورية سقوطا عمودياً سريعاً. فقد أُزيحت الهياكل الوطنية والقانونية والمدنية الأخيرة، لتحلّ مكانها سلطة جهادية مرجعيتها الوحيدة هي العقيدة السلفية ومنظومة المشايخ. أُخضع الجيش الجديد والميليشيات لدورات شرعية إلزامية، وأعيد بناء العقيدة العسكرية على الطاعة الدينية لا على الانضباط الوطني. وفي الوقت نفسه، جرى ضبط المجال الإعلامي، ومحاولة احتواء المجتمع المدني، تمهيداً لمرحلة قمع مؤجلة ريثما تكتمل شروط التمكين.
وحين تتحقق السيطرة الاقتصادية والعسكرية، سيبدأ القمع الحقيقي: تجفيف الفضاء العام، سحق المنظمات المدنية، وإعادة إنتاج جهاز أمني، ديني يستند إلى شرعية "العقيدة". هذا ليس افتراضاً؛ بل مسار واضح للمشاريع الجهادية المتماهية بالثورة التي تحولت إلى سلطويات مطلقة: من الثورة الإيرانية التي انتهت إلى دولة ولاية الفقيه، إلى الثورة الروسية التي خرج من قلبها ستالين، إلى الثورة الفرنسية التي أفرزت نابليون.
الخطر مضاعف
في الحالة السورية، الخطر مضاعف لأن المشروع الذي يبنيه الشرع يجمع بين الدكتاتورية العارية وغطاء ديني يقدّم القمع بوصفه (تكليفاً شرعياً). وحين يكتمل هذا المشروع، لن يكون تهديده داخلياً فحسب؛ بل سيتجاوز سوريا إلى حدود أوروبا نفسها، التي تتهيأ "بغفلة " لظهور مارد إسلامي على تخومها.
لهذا كله، تصبح احتجاجات الساحل والسويداء اليوم جزءاً من لوحة أكبر: ليست مجرد احتجاجات طائفية، وليست انفعالات محلية؛ بل إشارات مبكرة لانهيار الثقة في أي مشروع مركزي، ولخوف لم يعد مكتوماً من سلطة تتشكل بسرعة مقلقة. إنها رسائل من الهامش، من الفئات التي لم تعد ترى مكاناً لها داخل سوريا التي تُعاد صياغتها اليوم، ولا تريد أن تنتظر حتى تكتشف أي نسخة جديدة من الاستبداد ستُفرض باسم الدين أو "الثورة والدولة".
