تظاهرات الساحل: محاولة تصعيد أخيرة لثالوث الهجري-عبدي-غزال؟

محمد الشيخالأربعاء 2025/11/26
Image-1764136428
تظاهرات الساحل السوري جاءت بدعوة من الشيخ غزال غزال (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يمكن النظر إلى ما جرى من مظاهرات في الساحل السوري من دون مقاطعتها مع تصريحات زعيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي ورفع العلم الإسرائيلي وصور رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والشيخ حكمت الهجري في مدينة السويداء والمطالبة باستقلال المحافظة الجنوبية.


ثالوث الهجري- غزال- عبدي
والأسباب الداعية لتلك النظرة كثيرة، لكن أحدها هو أن مظاهرات الساحل جاءت بدعوة من زعيم ما يسمى "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى" الشيخ غزال غزال، الذي يشكّل مع شيخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء حكمت الهجري وعبدي، ثالوثاً تلتقي معظم أهدافه في طريق واحد لاسيما المطالبة بالفيدرالية واللامركزية عبر تشكيل أقاليم منفصلة قائمة على أساس طائفي وقومي تمزّق الجغرافيا السورية الواحدة، إضافة إلى تنسيق الثلاثة لتحركات مشتركة سياسية وعسكرية في أوقات سابقة ضد السلطة في دمشق.
قبل يومين، أدلى عبدي بتصريحات طالب فيها بإشراك الدروز والعلويين في المفاوضات الجارية بين "قسد" والحكومة السورية حول تطبيق اتفاق 10 آذار/مارس، في محاولة فُهمت على أنها لرفع سقف المفاوضات مع دمشق، قبل أن يقابلها موالو الهجري بتظاهرة حملت العلم الإسرائيلي وصور نتنياهو والهجري جالت في شوارع مدينة السويداء، وهجمات على مواقع الأمن السوري، قبل أن تكتمل الصورة بدعوة غزال للتظاهرات.


المحاولة الأخيرة  
وتتزامن تلك التحركات في وقت حسّاس تنتظر فيه الدولة السورية الوليدة استحقاقات مهمة أبرزها تصويت الكونغرس الأميركي على رفع عقوبات قيصر بشكل كامل بعد نحو أسبوعين، وزيارة وفد من سفراء الدول الـ15 في مجلس الأمن إلى دمشق، ووفد من البنك الدولي والبنك الاحتياطي الأميركي، وفق ما تشير إليه المعلومات.
لذلك، فإن توقيت الدعوة للتظاهرات، وإن كانت في بعض مطالبها محقة وعلى الدولة السورية تنفيذها والعمل عليها بجدية مثل وقف الانتهاكات بحق العلويين ووقف التهميش الحاصل ضدهم وإعادة آلاف الموظفين بعد فصلهم، إلا أن تزامنها مع تحركات الهجري وعبدي تطرح تساؤلات حول الأهداف البعيدة لهذا الثالوث الآن واختيارهم هذا التوقيت الحسّاس.
ويرى الباحث والمحلل السياسي فراس علاوي أن الأطراف الثلاثة تريد الضغط على الحكومة السورية في هذا الوقت الحساس، بعد أن "أفلست" من الدعم الدولي، وأدركت أن الدول التي ممكن أن تكون داعمة لهم مثل إيران وإسرائيل، قد تنصلت من ذلك.
وأضاف علاوي لـ"المدن"، أن عبدي يريد إرسال رسالة، إلى الحكومة السورية بأن لديه تحالفاً من الأقليات وثقلاً ديمغرافياً والتفاوض معها على هذا الأساس، وإلى الخارج بأنه لديه ثقلاً سياسياً ويجب مشاركتهم في حكم سوريا.
ويرجح أن تصعيد هذا الثالوث اليوم، هو محاولة أخيرة للحصول على مكتسبات في سوريا، قبل خطوة أميركية متوقعة قادمة لدعم الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، لافتاً إلى أنه ربما نشهد مفاوضات بين الحكومة وهذه الأطراف برعاية دولية، إلى جانب ضغط أميركي لمنع زعزعة الاستقرار في سوريا.
من جانبه، يرى الباحث السياسي درويش خليفة أن تزامن هذه الوقائع وتسارعها لا يمكن فصله عن عامل الوقت، مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة لتطبيق اتفاق 10 آذار/مارس بين الرئيس السوري أحمد الشرع وعبدي، مضيفاً أن بعض المكونات السورية الرافضة للسلطة بعد دحر النظام المخلوع، بدأت تنسّق تحركاتها بوتيرة مدروسة، ما يرجّح احتمالات تصعيد منسّق قبل رأس السنة الحالية.


ما المطلوب من الدولة السورية؟
وواقع الحال، أن من خرج في تظاهرات الساحل لم يكن يلبي دعوة غزال بالضرورة المطلقة، فما جرى من مجازر هناك في آذار/مارس الماضي، ومثلها في السويداء في تموز/يوليو، إلى جانب حوادث القتل التي تستهدف العلويين في حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، والتهميش الحاصل بحقهم، عمّقت مخاوف العلويين حول مستقبلهم في ظل الدولة الجديدة، وكان الشارع هو السبيل الوحيد للتعبير عن ذلك.
وإن كان الأمن السوري قد تعامل بمسؤولية بحمايته هذه التظاهرات ما حال دون التصعيد، لكن لا يمكن إغفال أن هناك تظاهرات مضادة مؤيدة للسلطة الحالية خرجت في ذات المناطق، وهنا يكمن الخطر الأكبر، شارع مقابل شارع، وتصعيد مقابل تصعيد، وصولاً إلى نتائج قد تقود البلاد نحو حرب أهلية في نهاية المطاف، واستجلاب تدخل دولي نتائجه لن ترضي أياً من المكونات.
ولتلك الأسباب وغيرها، يرى خليفة أن على الدولة السورية التحرّك العاجل وإطلاق مبادرة سياسية–مجتمعية تهدف إلى استعادة الثقة وبناء شراكة وطنية حقيقية مع مختلف المكونات، بما يعزز شعورها بالانتماء إلى سوريا الموحدة.
ويشمل ذلك، بحسب خليفة، إطلاق عملية سياسية شاملة بضمانات دولية، تبدأ بحوار وطني عام تكون مخرجاته ملزمة للقيادة السياسية، يليها الشروع الجاد في مسار العدالة الانتقالية، وصياغة دستور جديد يضمن الحقوق الأساسية والحريات العامة والفردية، ويؤسس لمحاسبة كل من انتهك حرمة الدم السوري وأسهم في زعزعة الاستقرار.
وحذّر من تداعيات خطاب الانفصال على سوريا ومجتمعها المنهك بفعل صراع استمر 14 عاماً، مرجحاً أن تتكاثر مثل هذه الدعوات في حال استمر التعثّر في إيجاد حلول جذرية لأزمة السويداء، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام المزيد من التدخلات الخارجية ويهدد البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد، ويدفعها نحو مسارات خطرة لا تصب في مصلحة أي من مكوناتها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث