تشهد مناطق سورية عدة تصعيداً طائفياً ملحوظاً، وصل ذروته في حمص وسط البلاد، على خلفيه مقتل رجل وزوجته وترك الجناة عبارات طائفية على الجدران، دفعت العديد من الفعاليات الشعبية لإصدار بيانات رافضة للفتنة، وسط تشكيك الكثيرين في دوافع الجريمة ومحاولة جر البلاد نحو صراع مذهبي.
ففي وقت سابق من صباح يوم الأحد الماضي، عثر على رجل وزوجته مقتولين داخل منزلهما في قرية زيدل بريف حمص، إلى جانب عبارات طائفية مكتوبة على جدران المنزل، تسببت في إشعال فتيل فتنة طائفية، بهجوم مجموعات مسلحة تتبع لعشيرة بني خالد على حي المهاجرين الذي تقطنه أغلبية علوية.
بيانات داعمة لسلطة القانون
ورغم الانتشار الأمني السريع لقوى الأمن العام واعتقالها لعدد من العناصر المسلحة ومنع دخول آخرين، إلا أنها لم تكن كافية لتجنب وقوع خسائر مادية في الممتلكات العامة والخاصة. حيث أفادت محافظة حمص بأن الحصيلة الأولية للأضرار الناجمة عن الجريمة التي وقعت، تضمنت تضرر 19 منزلاً، و29 سيارة و21 محلاً تجارياً، مؤكدة مواصلتها سلسلة الإجراءات الأمنية والخدمية والتنظيمية لاحتواء التوتر وإعادة الاستقرار إلى المدينة.
وأكد رئيس عدلية حمص القاضي حسن الأقرع، في بيان مصور، أمس الاثنين، أن العدالة ستأخذ مجراها عقب الأحداث التي وقعت في بلدة زيدل وحي المهاجرين، مشدداً على رد الحقوق، وملاحقة المجرمين لتقديمهم إلى العدالة.
بينما سارع ناشطون من مدينة حمص، لإصدار بيان يؤكد على رغبة أهالي حمص بكل طوائفهم على مبدأ السلم الأهلي واستقرار المدينة، ورفض جميع أشكال العنف وفوضى السلاح التي تضع المدنيين والأحياء الآمنة في خطر مستمر، بحسب زكي الدروبي.
موقف حكومي مبشر
ويقول الدروبي وهو عضو المكتب السياسي في حزب اليسار الديمقراطي: "كان هناك قرار من السلطة المحلية بمنع الفوضى وتطويق الحدث بأقصى سرعة، وفعلاً انتشر الأمن وحاول جاهداً منع التعديات واستنفرت الإدارة السياسية والمحافظة، واجتمعوا مع وجهاء القبائل وأقرباء القتلى وأصدروا بيانات مصورة طالبت بالانصياع لمؤسسات الدولة وإيقاف الفوضى الأمنية لتهدئة الشارع".
بدوره يلفت السياسي عمار جلو إلى خطاب الحكومة السورية وحزمها فيما يخص النزعة الثأرية والفورات العشائرية، ما ترك انطباعاً إيجابياً بدخولها مسار الحوكمة ودورها في ضمان السلم الأهلي، "بعكس إدارتها أحداث السويداء، حيث ظهرت فيها الحكومة في موقف المتورط".
ويرى أن تعاطي الأجهزة الأمنية والانضباط الكبير في التعامل مع الحدث، قد جنب المحافظة وعموم البلاد أحداثاً دامية جديدة، من خلال سيطرتها على غضب السلاح العشائري وانتشارها السريع في الأحياء ذات الأغلبية العلوية، على اعتبار أن حمص تمثل بؤرة التوتر الطائفي الأخطر في سوريا، والتي تعود جذورها إلى بداية حكم بشار الأسد.
ويقول أيضاً: "أدركت السلطة تبعات الانجرار خلف الخطاب التحريضي، وما يحمله من آثار سياسية تدميرية، حيث شاهدنا مسارعتها لعقد مجالس صلح جهوية فورية، وهو ما أحدث فارقاً على الأرض".
تراجع تأثير الخطاب الطائفي
أما على الطرف المقابل، يشير جلو إلى نقطة فارقة، تمثلت برفض الفئات التي تصنف حواضن سابقة للنظام البائد، فكرة الحرب مجدداً، والوقوع في فخ الاستجابة للآلة الدعائية المحرضة على دمشق وتروجيها لتشكيل مجلس عسكري في الساحل، ما يعكس حالة الوعي داخل هذه الحواضن بمحاولات جرها إلى مستنقع الفوضى وانتقال الحرب إلى مناطقهم، يرافقها قناعة بدأت تترسخ باستحالة عودة النظام البائد تحت أي شكل أو مسمى.
ويؤكد الدروبي أن "العلويين اليوم لا يريدون أكثر من السلام مثل بقية المجتمع السوري، فهم ظلموا في عهد النظام الأسدي، واليوم يظلمون بجريرته وما تبقى من مليشياته التي تقاتل لمكاسب شخصية، حتى صرنا نلاحظ بوضوح تصدي أبناء الطائفة لخطاب هذه الجماعات، التي صارت تتبع أساليب ترهيبية وعمليات قتل انتقامية لكل رافض لعبثيتهم".
وقد شهدت الأيام القليلة الماضية، ظهوراً مفاجئاً لمقداد فتيحة قائد ما يعرف بلواء "درع الساحل" في تسجيل مصور، يتوعد باستئناف الهجمات ضد الحكومة السورية، والذي ترافق مع الترويج لاستعداد المليشيات المرتبطة بالنظام البائد تشكيل المجلس العسكري في الساحل، الأمر الذي أثار موجة غضب ومطالبات في التوقف عن "التحريض ضد دماء أبناء الطائفة".
إيران الهدف
ويعتقد كثير من السياسيين ومتتبعي تطورات الوضع في سوريا، ومنهم الكاتب السياسي باسل معراوي، بوجود محرضين لإثارة الفوضى المذهبية والعرقية في سوريا، ومحاولة جر طوائف سورية بدأت الانخراط في المجتمع، إلى مستنقع الفوضى، خصوصاً بعد الحراك السياسي الأخير في دمشق وتقدم الإدارة السورية في العديد من الملفات الشائكة.
ويستدل معراوي بتزامن تصاعد النبرة الطائفية والعنف الموجه، مع جملة من الأحداث التي بدأت بزيارة الوفد الأميركي إلى دمشق والإعلان عن إمكانية زيارة مرتقبة للرئيس ترامب، للإشراف على حل الملفات الشائكة، ومنها ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وإنهائها، والاتفاق الأمني مع إسرائيل، إضافة إلى تواجد وفد روسي للتأكيد على التفاهمات التي وقعت في موسكو، وطي ملف دعم الفلول في سوريا ولبنان،
ويعتقد معراوي أن جريمة قرية زيدل التي استهدفت أكبر المكونات العشائرية المنتشرة وسط سوريا "كان يراد بها زج إيران وحزب الله في الواجهة مجدداً، عبر كتابة شعارات معروف استخدامها بين أبناء المكون الجعفري، منتظرين رد فعل عنيفة تستدعي تدخل إيران وحلفائها، بهدف إشعال المواجهة مع دمشق".
ويقول: "ستكون المرة الرابعة التي يلتقي بها ترامب بالشرع في أقل من عام، ووجوده في سوريا تعني تقديمها كبلد آمن وحليف للولايات المتحدة، ما يجعلنا نشكك في وجود أيادي خفية ومتضررة بشكل مباشر وأساسي، لا تريد اجتماعهما، لتكون محاولة جر البلاد إلى دوامة عنف جديدة وصراع إقليمي متجدد أفضل الخيارات المطروحة".
رغم تحسن أداء المؤسسات الأمنية الحكومية في التعامل مع أحداث النزاع الطائفي المتجدد، وتحقيقها مكاسب سياسية خارجية بهدف قطع خطوط دعم القوى المناهضة، يؤمن السوريون اليوم أن الحل الوحيد لإحراق هذه الورقة، يتمثل بتفعيل مسار العدالة الانتقالية وبدء مشاريع الإعمار، بالنظر إلى استمرار خطر العنف المذهبي وإمكانية انفجاره في أي لحظة.
