هل ينجح الشرع باستمالة العشائر للسيطرة على شرق سوريا؟

خاص - المدنالاثنين 2025/11/24
عشائر.jpg
دمشق تحتاج إلى شركاء محليين لتجنب الفراغ الأمني (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظة تحوّل حاسمة، تحوّلت القبائل والعشائر في سوريا من لاعب هامشي إلى عنصر محوري في معركة الشرعية والنفوذ، خصوصاً في المناطق الشرقية، حيث تتقاطع خطوط الولاء بين الدولة السورية الناشئة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

فبعد عقد من الهيمنة الأمنية والاقتصادية لقوى ما بعد الثورة، بات واضحاً أن لا إدارة ناجحة في الرقة أو الحسكة أو دير الزور دون تفاهمٍ مع البنية العشائرية: فهي التي تُوزّع الحماية، وتُقرّر ولاء القرية، وتحسم موقف العائلة عند أول مفترق طرق سياسي.

الإدارة السورية الجديدة التي تسعى لاستعادة سيادة الدولة دون الدخول في مواجهات عسكرية مكلفة، بدأت تدرك أن العودة إلى الشرق لن تمر عبر دبابات أو قرارات إدارية جافة، بل عبر شيوخ العشائر الذين يملكون سلطة أعمق.

وبنفس القدر، تُدرك "قسد" أن مشروعها في "الحكم الذاتي" يفتقر إلى ركيزة جوهرية ما لم يُدمج العمق العربي العشائري في صيغة حكم مستقرة، وهو ما يفسّر احتفاظها بذراع عشائرية مثل "قوات الصناديد"، رغم محدودية فعاليتها الميدانية.

 

مشهد ثلاثي الأقطاب

ضمن هذا السياق، تكتسب زيارة شيخ مشايخ قبيلة شمر، مانع حميدي دهام الجربا، إلى دمشق واستقبال الرئيس السوري أحمد الشرع له، ثم عقده اجتماعاً مع قائد "قسد" مظلوم عبدي في الحسكة، دلالةً استراتيجية لا تقلّ أهمية عن أي مفاوضات سياسية جرت في جنيف أو أستانة.

فالمشهد لم يعد ثنائي الأقطاب (دمشق – قسد)، بل صار ثلاثياً: الدولة، والإدارة الذاتية، والعشائر، في حين أن الأخيرة، بحسب مراقبين، قد تكون الجسر أو الحاجز.

وقبل أيام، استقبل الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، في قصر الشعب بدمشق، الشيخ مانع الجربا، في لقاء لم يُعلن عنه رسمياً في حينه، لكن مضمونه تسرب تدريجياً، إذ تمحور الحديث حول "إدماج المنطقة الشرقية ضمن مؤسسات الدولة والبنية الوطنية"، وفق ما أفادت به مصادر متطابقة.

الزيارة سبقها اجتماع للجربا في حمص مع عدد من شيوخ ووجهاء العشائر العربية، كأنه يجمع رأياً توافقياً قبل الدخول في مفاوضات حساسة مع الطرف الحكومي. 

ويرى مراقبون أن وجود شيخ شمر في قصر الشعب، بعد سنوات من التهميش أو التعامل بالوكالة، هو إشارة إلى أن الدولة الجديدة جادة في فتح قنوات مع كل المكوّنات، وقد يدفع هذا بعض شيوخ العشائر، حتى الذين يرتبطون بـ"قسد"، إلى إعادة النظر في حساباتهم.

لا يمكن فهم وزن الجربا دون فهم وزن قبيلة شمر، فهي ليست قبيلة محلية، بل تمتلك امتداداً عابراً للحدود مع العراق والأردن والسعودية. 

وفي سوريا، تتركز في مناطق مثل تل تمر، تل براك، وتل حميس، وتسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والنفطية.

 

دور محوري للعشائر

وقال الشيخ مضر حماد الأسعد، المنسق العام للمجلس الأعلى للعشائر السورية في حديثه لـ "المدن": "لقاء الرئيس أحمد الشرع بشيخ قبيلة شمر هو لقاء طبيعي في إطار تواصله مع أبناء الشعب السوري كافة، ويرتبط مباشرة بتنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس 2024 مع قسد، خاصةً أن شيخ شمر هو أيضاً قائد (جيش الصناديد)، أحد الفصائل العربية العاملة ضمن الهيكل العسكري لقسد".

وتابع: "يُنظر إلى هذا اللقاء كفرصة لدفع تنفيذ الاتفاق، ووقف الانتهاكات في الجزيرة والفرات، ومنها: الاعتقالات التعسفية (أكثر من 50 ألف معتقل من العشائر العربية)، سرقة الموارد (نفط، غاز، زراعة، آثار)، إغلاق المؤسسات التعليمية، دخول آلاف المرتزقة من تركيا وقنديل وكردستان العراق وإيران لدعم مشروع انفصالي يخدم حزب العمال الكردستاني".

وزاد بالقول: "رغم تعاون جزء من شمر مع قسد اليوم، فإن القبيلة شأنها شأن عشرات العشائر (كالجبور، والبقارة، وطي، وبني صخر، والعفادلة، والبو شعبان…) شاركت بفعالية في الثورة السورية، وقدمت آلاف الشهداء، ولم تقصر في دعم الشعب في الميدان أو السياسة".

وأشار إلى أن: "العشائر العربية في الجزيرة والفرات لعبت دوراً محورياً منذ الاستقلال، وقاومت ولا تزال هيمنة ميليشيات حزب العمال الكردستاني (قسد) التي استمرت بفضل الدعم الدولي، رغم رفضها الشعبي الواسع من العرب والأكراد والسريان على حد سواء".

ولفت إلى أنه: "حالياً، تقود العشائر مظاهرات سلمية متصاعدة (في أسبوعها الرابع) تدعو إلى حل سياسي يضمن: وحدة سوريا، كرامة أهلها، إطلاق المعتقلين، وقف نهب الثروات، وإعادة مؤسسات الدولة، في حين أن الخلاف ليس مع المكونات الكردية أو المسيحية أو التركمانية، بل مع قسد باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وليست ممثلاً للكرد السوريين".

 

وحدة المؤسسات

يذكر أنه خلال العقود الماضية، عاشت شمر حالة من الهامشية: فالنظام البعثي أقصاها من مراكز القرار، وشكّك في ولائها لكونها ذات جذور نجدية. 

ومع سقوط النظام، وظهور "قسد"، رأت في التعاون مع "الإدارة الذاتية" وسيلة لحماية مصالحها من الفوضى، خاصةً مع اجتياح "داعش" وانهيار الجيش السوري التابع للنظام السابق.

لكن اليوم، ومع تبلور سلطة في دمشق لا تُهدّد الهوية العشائرية، بل تدعو إلى "وحدة المؤسسات"، باتت القبيلة أمام خيار جديد: تعميق التبعية لـ"قسد"، أو الدخول في مسار تدرّجي للاندماج مع الدولة، أو اللعب على التوازن بين الطرفين، وهو الخيار الذي يبدو أن الجربا يفضّله حالياً، وفق محللين.

ويطفو على السطح أحد أبرز الأسئلة: هل تسعى دمشق فعلاً إلى شبكة علاقات جديدة مع العشائر؟ الإجابة، وفق مصادر حكومية وعشائرية، هي نعم، وبشكل منهجي.

 

بناء نظام حكم محلي

لا تملك الإدارة السورية الجديدة القدرة على نشر مؤسسات أمنية في كل قرية شرقية بين ليلة وضحاها، ولكنها تستطيع عبر العشائر إعادة بناء "نظام حُكم محلي" قائم على الولاء والثقة، لا على القوة فقط، وقد بدأت دمشق بالفعل في تفعيل لجان "مصالحات عشائرية" في الرقة، وتوظيف شخصيات قبلية في مجالس المحافظات والخدمات.

وحسب مراقبين، فإن العشائر ليست بديلاً عن الدولة، بل جزء من استعادتها، وفي المناطق التي تسيطر فيها الدولة فعلياً، دور العشائر استشاري، لكن في المناطق المُدارة ذاتياً، قد تكون العشائر البوابة الوحيدة لدخول الدولة من دون صدام، وفق تعبيرهم.

من جهته، قال الشيخ خالد الحماد، المشرف العام على مركز وسط للبحوث والدراسات الفكرية في حديثه لـ"المدن": قوات الصناديد رغم أهميتها الرمزية في شرق الفرات، لا تشكّل قوة عسكرية ضاربة في المنطقة، فهي في جوهرها تُعتبر تمثيلاً رمزياً لقبيلة شمر في الجزيرة السورية، ولا تمتلك سجلاً قتالياً معروفاً أو مشاركات بارزة في المعارك الميدانية".

وأشار إلى أن الدور الحقيقي للصنانيد يتمثل في دعم التعاون بين المكونات المحلية في الجزيرة من عشائر عربية وأخرى كردية، وانخراطها في النسيج المجتمعي المشترك. 

وقد ساهم في تعزيز هذا الدور وجود أبناء عرب في مؤسسات الدولة، وتعاونهم مع قيادات محلية مثل الشيخ جهاد عيسى، إلى جانب الروابط الاجتماعية والمادية المشتركة، ما جعل هذه الترتيبات محل نجاح نسبي في ظل الظروف الراهنة، وفق تعبيره.

 

تفاوض مستمر

وفي السياق نفسه، أكّد الشيخ الحمّاد أن الحكومة السورية تسعى حالياً إلى تنظيم العمل العشائري بشكل مؤسّسي، وذلك بعد تعيين الشيخ جهاد عيسى (أبو أُحمد زكور) مستشاراً لرئيس الجمهورية لشؤون القبائل، إذ يشمل هذا الجهد فتح مكاتب عشائرية في المحافظات السورية كافة، وتنظيم ارتباط العشائر بالدولة في مختلف المناطق.

وأضاف أن هذا الترتيب قيد التنفيذ حالياً، ومن المقرّر لاحقاً الإعلان عن برنامج عمل مفصّل لهذا التكتل العشائري، بالتنسيق المباشر مع رئاسة الجمهورية عبر المستشار المعيّن، بما يضمن شفافية العلاقة ووضوح الأدوار.

أما بخصوص لقاء الشرع بشيخ قبيلة شمر، فأوضح الشيخ الحمّاد أنه لقاء رمزي بحت، لا يشكل بحضوره أو غيابه أي تأثير على مسار الاتفاقات الجارية، فالتفاوض ما زال مستمراً عبر لجان مشتركة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بهدف ترتيب وتنفيذ البنود المتفق عليها. وبالتالي، فإن مثل هذه اللقاءات لا تُعتبر مُلزِمة، ولا تُعدّ جزءاً من الآلية الرسمية للمفاوضات، بحسب كلامه.

بدورهم، يرى محللون أنه إذا كان اتفاق 10 آذار/مارس ينص على حلّ "التشكيلات العسكرية غير التابعة للدولة"، فإن دمشق تحتاج إلى شركاء محليين لتجنّب الفراغ الأمني، وهنا تبرز القبائل كـ"قوة احتياط" غير رسمية، لكنها فعّالة.

 

رصيد رمزي

ورغم تضخّم الصورة الإعلامية لـ"الصناديد"، فإن واقعهم الميداني اليوم محدود، ومع ذلك، يحتفظون بـ"رصيد رمزي"، فكونهم ينتمون إلى شمر يمنح قسد غطاءً عربياً في منطقة تشكّل فيها القبائل العربية غالبية سكانية.

لكن هذا الرصيد بدأ يتآكل، مع تصاعد الاستياء من التهميش داخل قسد، وتركيز السلطة في يد القيادات الكردية، ولذلك، فإن أي تقارب بين الجربا ودمشق، حتى لو كان رمزيً، يُنظر إليه من قبل قسد كـ"اختبار ولاء"، لا كـ"خيانة".

 ومن هنا، جاء اجتماع مظلوم عبدي مع الجربا في الحسكة بعد أيام من لقاء دمشق: رسالة داخلية وخارجية بأن العشائر لا تزال في فلك قسد، وأن أي تفاهم مع دمشق يجب أن يمرّ عبر "الشراكة في الإقليم"، لا بتجاوزها.

وخلال اللقاء، أكد عبدي على "أهمية مشاركة الفاعليات العشائرية في تنفيذ اتفاق 10 آذار" حسب إعلام كردي تابع لقسد، مُلمحاً إلى أن مستقبل شمر ومستقبل العشائر عموماً، مرتبط بقدرة قسد على تكيّف مشروعها مع مطالب العرب، وليس فقط ببقاء الجربا في موقعه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث