قد يبدو العنوان للوهلة الاُولى ساخراً، لكنه واقعي.
بُعيد إعلان نتائج الإنتخابات التشريعية العراقية، أعلن الإطار التنسيقي الذي يضم كل القوى السياسية الشيعية التي اشتركت بالإنتخابات، بدء بازار إختيار رئيس الوزراء من خلال فتح باب الترشيح لمن يرى في نفسه الأهلية لهذا المنصب.
سبق هذا الإجراء إعلان الاطار التنسيقي أنه الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً بعد أن التأمت كل القوى الشيعية التي إشتركت بالإنتخابات تحت مظلته من ضمنها تحالف الإعمار والتنمية الذي يترأسه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني والذي حل أولاً في الإنتخابات.
وينص الدستور العراقي على أحقية الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً بتسمية رئيس مجلس الوزراء.
وتضمن بيان الإطار تشكيل لجنة مصغرة ستتولى مقابلة المرشحين للمنصب لإختيار الأفضل "بما ينسجم برنامجه الحكومي مع التحديات السياسية والاقتصادية التي يواجهها العراق".
لم يمر البيان دون موجة تهكم واسعة. وقال ناشطون إن البيان بدى وكأنه صادر عن مكتب الموارد البشرية غايته البحث عن موظف في شركة وليس منصب رئيس وزراء.
شروط التقديم
وبعيداً عن موجة التهكم، أعلنت مصادر من داخل الإطار أن الشروط التي تم وضعها لقبول المرشح للمنصب، بدت وكأنها لائحة إعدام سياسي لمستقبل من سيفوز بالمنصب.
وتتلخص الشروط بتعهد المرشح إعتزال العمل السياسي مستقبلاً، وعدم الترشيح للإنتخابات البرلمانية القادمة والتعهد بعدم تشكيل كتلة برلمانية، وأن لا يكون له تاريخ بالعمل القضائي أو الأمني.
وصف كثيرون مايجري، أن الإطار بدى وكأنه يبحث عن "دُمية" ستكون مهمتها تنفيذ ما سيُملى عليه مستقبلاً من قبل قوى الإطار فحسب، وليس رئيس وزراء قوي.
وبعيداً عن هذا الوصف، فإن ما يجري يعكس حالة التخوف والقلق داخل الإطار التنسيقي من أن يتحول أي رئيس وزراء قادم إلى نقطة إرتكاز وازنة داخل المشهد السياسي العراقي ما يؤهله ليكون لاعباً مهماً في المرحلة المقبلة على حساب القوى السياسية التقليدية التي يتشكل منها الإطار والتي تسعى إلى الإبقاء على نفوذها بالمشهد السياسي العراقي بأي ثمن.
أبرز المتقدمين للمنصب
أعلن تحالف الإعمار والتنمية الفائز بالإنتخابات تمسكه بمرشحه رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني ليكون رئيساً للوزراء للمرحلة المقبلة. وهو موقف ترفضه عدد من قوى الإطار بشكل كبير وخاصة تحالف دولة القانون التي يتزعمها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي قدم نفسه كمرشحاً عن تحالف دولة القانون التي يتزعمها.
ويرى مراقبون أن النية تتجه لتسمية شخصية مستقلة غير متحزبة يمكن أن تشكل نقطة إلتقاء للجميع ليس فقط لقوى الإطار، بل القوى الاُخرى وخاصة السُنية والكردية التي تراقب عن كثب مايجري من تقاطعات داخل الإطار التنسيقي.
بالمقابل، يتصاعد الحديث بشأن أسماء لشخصيات مهمة بدأت تُطرح مؤخراً يمكن أن تشكل نقطة إلتقاء لتسمية شخصية رئيس الوزراء من بينها رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي الذي شكلت عودته المفاجئة للمشهد السياسي تطوراً مهماً في سياق النظر إلى مستجدات المرحلة المقبلة، إضافة إلى رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي الذي أعلن إنسحابه من الإنتخابات، وأخيراً رئيس جهاز المخابرات الحالي حميد الشطري، الذي نجح مؤخراً في لعب دوراً بارزاً في ملفات مهمة وحرجة من بينها دوره في رسم وتأطير شكل العلاقة بين العراق وسوريا في عهد الرئيس أحمد الشرع.
ومع أن الوقت لا يزال مبكراً لحسم هذا الأمر، إلا أن هناك من يؤكد أن الإطار التنسيقي يسعى جاهداً إلى الإنتهاء سريعاً من هذا الأمر بهدف مواجهة الاستحقاقات والمُهل الدستورية لتشكيل الحكومة، وتجنب الوصول إلى مرحلة يمكن أن تشكل توقيتاتها الزمنية عامل ضغط للقبول بأي مرشح بهدف الخروج من عنق الزجاجة التي يمكن أن يصل إليها الجميع لو يتم الإتفاق على مرشح بعينه ضمن المهلة القانونية.
وتعتبر عملية تسمية رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة آخر حلقات المسار الدستوري لمرحلة مابعد إعلان نتائج الانتخابات والتي تبدأ بتسمية رئيس البرلمان ثم رئيس الجمهورية وأخيراً رئيس الوزراء.
الفاعل الخارجي
وبعيداً عن التقاطعات الداخلية، فإن الفاعل الخارجي، وخاصة الأميركي والإيراني، يبقى حاسماً ومهماً في رسم شكل هذه الإستحقاقات، كما حدث في كل المرات السابقة.
وفي تحذيرات متضادة، شكَّلت تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية ومبعوث الرئيس الأميركي الخاص للعراق، علامة بارزة في تصور شكل التاثير الذي يمكن أن يحدثه الفاعل الخارجي في رسم ملامح المرحلة القادمة والمفصلية في العراق.
إيرانياً، أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية قبل يوم من موعد الإنتخابات أن بلاده "ترفض أي تدخل خارجي بالانتخابات العراقية".
أما أميركياً، فقد أعلن مبعوث الرئيس الأميركي الخاص للعراق المعين حديثاً مارك سافايا بعد إنتهاء الإنتخابات، أن بلاده "تراقب عن كثب مايجري في العراق وإنها لن تسمح بأي تدخل خارجي في رسم ملامح الحكومة العراقية".
تعكس هذه التصريحات بشكل واضح موقف البلدان والصراع الذي قد يتصاعد بينهما خلال الأيام المقبلة بشأن تسمية شخصية رئيس الوزراء المقبل والذي يعتبر هو القائد العام للقوات المسلحة العراقية.
أبرز التحديات المقبلة
لا يختلف إثنان أن المرحلة المقبلة ستكون مصيرية في العراق. فالملفات التي سيتعين على رئيس الوزراء القادم مواجهتها على المستوى السياسي والأمني والإقتصادي داخلياً وخارجياً ستكون حاسمة، وستساهم في إعادة رسم شكل الدولة العراقية للمرحلة المقبلة حيث تشهد المنطقة برمتها إعادة تشكيل موازين القوة فيها في إطار مابات يعرف بالشرق الأوسط الجديد.
داخلياً، فان ملف حصر السلاح بيد الدولة سيكون واحداً من أهم الملفات لأي حكومة قادمة. إن استمرار وجود فصائل مسلحة خارج سيطرة الدولة بات أمراً مقلقاً ومحرجاً للدولة العراقية وسيتعين على الحكومة المقبلة الإنتهاء من هذا الملف وبما يعزز من قوتها وحضورها السياسي داخلياً وخارجياً.
ويعتقد أن يُشكل الملف الاقتصادي تحدياً آخر للحكومة المقبلة في ظل تصاعد غير مسبوق لحجم الدين الخارجي والخارجي العراقي. ويخشى مراقبون أن يتسبب هذا الأمر في دفع الحكومة المقبلة إلى تخفيض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار كسبيل لمواجهة إستحقاقات المرحلة المقبلة اقتصادياً خاصة مع تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وهو المورد الرئيسي للعراق والذي يشكل مايزيد عن التسعين بالمائة في تحديد قيمة الموازنة الاتحادية للبلاد.
خارجياً، سيتعين على الحكومة المقبلة حسم موقفها من تحالفاتها وتحديد إتجاه البوصلة في علاقاتها الخارجية بشكل واضح خاصة موضوع التحالف مع إيران والذي بات مزعجاً لكثير من القوى الخارجية في مقدمتها الإدارة الأميركية.
إن محاولة البقاء ضمن مايعرف "المنطقة الرمادية" في السياسة الخارجية العراقية قد لا يُجدي نفعاً مستقبلاً وقد لا تحظى بقبول القوى المتصارعة في الإقليم وصاحبة التأثير الكبير في الشأن الداخلي العراقي، خصوصاً واشنطن التي قد ترى في محاولة البقاء في هذه المنطقة وسيلة للتهرب من مواجهة استحقاقات المرحلة وما تتطلبه مستقبلاً. ويعتقد كثيرون أن البقاء في هذه المنطقة قد يكون خياراً لا بد منه للحكومة المقبلة التي سيتعين عليها إقناع طرفي الصراع بالبقاء فيها لتجنيب العراق أي إهتزازات قد لا تتمكن من مواجهة إستحقاقاتها المستقبلية وقد تتسبب بتداعيات كارثية على الداخل العراقي.
