البحث عن اللاحرب

ترامب (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

بروح عملية، وبمزاج براغماتي، وفق مقاييس مطور عقاري يحكم العالم، انطلقت عملية البحث عن اللاحرب في غزة. وصفة سهلة كان الجميع في أمسّ الحاجة اليها، كل الأطراف بمن فيهم من شردتهم الحرب في غزة، كانوا يحتاجون الى بعض الوقت لالتقاط الأنفاس وإعادة شحذ الهمم، وبناء واقع جديد قد يسمح بدوره بمعادلات جديدة للحل أو للتسوية أو للتهدئة.

باختصار، عنوان المرحلة في غزة، وحتى في أوكرانيا، هو "شراء المزيد من الوقت بالمزيد من الغموض". كلما كانت العناوين فضفاضة والمكونات غامضة، كانت فسحة اللاحرب أطول.

بنود غير حاسمة في قرار مجلس الامن بشأن غزة. تمدّ حبال الوقت على طولها. وتتيح عملية خنق منهجي لفرص سلام حقيقية، حيث يجري دقّ عظام أجيال غزاوية تقاوم الخنق القسري، بالاختناق الطوعي.

 

تحت كم هائل من رماد الحرب، يختنق أي سلام، بينما يجرب الاسرائيليون كل يوم تطبيقات جديدة من نوع "قتل آب" أو "دفن آب"،أو "سحق آب"، دون أدنى رد فعل على الارض في غزة أو الضفة أو في لبنان أو في سوريا أو حتى في إيران أو تركيا.

لا رد على الأرض ضد أي عملية اسرائيلية مهما كانت أهمية المستهدفين بها، من أول الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي وحتى المسؤول العسكري لحزب الله هيثم طبطبائي، مروراً برئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" اسماعيل هنية، الذي قُتل في مخدع الضيافة الإيراني، وأمين عام حزب الله حسن نصرالله وقيادات حزبه الذين دفنتهم قذائف اسرائيلية في مخابيء حصينة بالضاحية الجنوبية.

حتى قتل طبطبائي قبل يومين، مرّ دون وعيد غاضب بالثأر أو بأي مستوى من مستويات الانتقام، وانما أتبعه تصريحات اسرائيلية تهدد بعمليات لـ"إضعاف" حزب الله قبل نهاية العام الجاري، ما لم يفعل اللبنانيون ذلك بأيديهم!!

 

إسرائيل تبسط قانونها ومعادلاتها على الإقليم كله، مستفيدة من نقاط تقاطع المصالح مع أطراف عربية حاولت ولم تستطِع، إنهاء تهديدات ايران للمنطقة عبر أذرعتها في لبنان وسوريا واليمن والعراق، تماماً كما تستفيد من خصومة أبدية بين جماعة الإخوان المسلمين وبين حكومات عربية في أغلب دول المنطقة، لا ترغب في رؤية حماس الإخوانية في مركز القرار الفلسطيني أو حتى بالقرب منه.

 

يحاول بنيامين نتنياهو تحقيق الاستفادة القصوى خلال ما تبقى من رئاسة دونالد ترامب، لبسط رؤية إسرائيل على المنطقة، فهو يعرف من خفايا ما يجري في دهاليز السياسة الأميركية، أن ترامب رئيس عارض، وأن برنامجه اليميني المندفع بلا هوادة الى الصدام مع خصومه في الداخل وفي الخارج، هو أيضاً برنامج عارض، لن يجد من يحميه أو يدافع عن استمراريته إذا ما غاب ترامب لسبب او لآخر.

 

حكام الشرق الأوسط-عربأ وغير عرب- اعتادوا عبر عشرات السنين على إدارة علاقات مع رؤساء تعاقبوا على حكم الولايات المتحدة، استوعبتهم جميعاً، فتحملت صلافة بعضهم، وتجاوزت عن تطرف بعضهم، ولسان حالهم طول الوقت، يلهج بعبارة (نحن الباقون وأنتم الزائلون).. فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان مثلاً (وهو منتخب)، قد تعاقب عليه في حكم الولايات المتحدة من 2003 وحتى اليوم في 2025، ست روؤساء أميركيين. يراهن حكام الشرق الأوسط بمن فيهم اسرائيل، على أن أي رئيس أميركي بالنسبة لهم هو "رئيس عارض" وأنهم سابقون قبله، وباقون بعده، ويديرون، من ثم، علاقتهم معه، على قاعدة "نحن الباقون وأنتم الزائلون"!

وهذا بالضبط ما يجري مع الرئيس ترامب ومع خططه التي يرونها عارضة مثله.

 

يصعب على البعض التسامح مع فكرة أن يدير العارض، شأناً مقيماً، فيلوذون بقاعدة شراء الوقت، وهي قاعدة أقل كلفة في أغلب الأحوال من إهدار مصالح استراتيجية، أو التفريط في أصول سيادية مثل زابورجيا في أوكرانيا، أو مثل غزة في فلسطين مثلاً.

وبسبب هيمنة عنصر شراء الوقت، كأحد أهم أدوات إدارة الصراع، سيحاول نتنياهو إنجاز ما تبقى من حروبه (مع إيران بصفة خاصة)، خلال ما تبقى من رئاسة ترامب، بينما سيحاول الرئيس الأوكراني زيلنسكي تأجيل تنازلاته الى أبعد وقت، ريثما يغادر ترامب البيت الأبيض.

 

معادلات القوة الراهنة على الأرض، في حرب الشرق الأوسط، لا تشير إلى نهاية وشيكة، رغم ميل ميزان القوى الإقليمي في الصراع إلى جانب اسرائيل. وبسبب أضرار جسيمة لحقت بصورة إسرائيل في حرب غزة، فليس من المرجح أن تشنّ إسرائيل حرباً كبرى في غزة مجدداً، اذ يكفيها بعض المداهمات أو الضربات الانتقائية من وقت لآخر.

حال الأوربيين مع الحرب في أوكرانيا، يشبه كثيراً حال العرب في حرب غزة، كلاهما يريد شراء الوقت ريثما تتغير الموازين والحسابات بعد انتهاء رئاسة ترامب. كلاهما، العرب والأوربيون لا يمانع في شراء الوقت لتأجيل مواجهات حاسمة، قد تضر بمصالحهما إن جرى حسمها الآن.

 

ترامب الذي يقول أنه أنهى ثماني حروب في العام الأول من رئاسته الثانية، يبدي ولعاً بالتوقيع بقلمه المميز على قرارات أو اتفاقيات، ثم يستعرض توقيعه أمام الكاميرات متأملاً أن تنهي الاتفاقيات الممهورة بتوقيعاته كل الصراعات بما يجلب لأميريكا المزيد من الأموال أو الصفقات أو المعادن الثمينة، وقد أفلح أسلوبه كثيراً مع عرب الفضاء الإبراهيمي الذين ضخوا في خزانته أرقاماً ترليونية، لكنه لم يحرز ذات النجاح مع غير العرب، الذين يراوغونه، ويتجنبون بحذق السقوط في شراكه.

تتجنب أوروبا طول الوقت صيغ حل للحرب في أوكرانيا يمليها ترامب عليها، بينما لا يبالي ترامب كثيراً بمخاوف أوروبا اذا انفتحت شهية روسيا لقضم المزيد من الأراضي.

لا يستطيع ترامب أن يفرض واقعاً جديداً على أوروبا، لكنه قد يستطيع ذلك بدرجة ما في الشرق الاوسط، لكن أغلب حلوله ستظل موقوتة برئاسته، ومحدودة بحدود إقليم الشرق الأوسط، وقد تخيّم عليها روح اللاسلم واللا حرب، تحت وطأة الخوف من الحرب والعجز عن فرض السلم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث