تبرز إلى السطح مؤخراً بوضوح، أكثر ملامح الإشكالية العميقة في البنية الداخلية للأحزاب الكردية السورية، وكيف تحوّلت من أطرٍ يفترض أن تمثل صوت الشارع إلى كيانات مغلقة تحرس نفوذها بعقلية العائلة السياسية.
لا يعود ذلك فقط إلى شخصنة القرار أو تضخم الزعامات (راجع المدن)، بل إلى منظومة متكاملة من العلاقات والامتيازات والمصالح التي نسجتها هذه الأحزاب عبر عقود، ما جعل أي محاولة للإصلاح أو التغيير أشبه باقتحام "حيز محظور" داخل مزرعة خاصة، لا يُسمح بالدخول إليها إلا بصكّ الولاء.
للاقتراب أكثر من البنية التنظيمية وآليات صناعة القرار داخل تلك الأحزاب، وكيف يُنتج هذا الواقع حالة سياسية هشّة، عاجزة عن مواجهة استحقاقات المرحلة أو تمثيل تطلعات الكرد والسوريين عموماً، لا بد من محاولة فتح الأسئلة المؤجلة:
هل يمكن لحزبٍ يُدار بمنطق الزعيم المُلهم أن يصنع مستقبلاً ديمقراطياً؟ وكيف يُمكن لأي مشروع سياسي أن يدّعي الدفاع عن الحقوق بينما يقمع المشاركة داخل بيته الداخلي؟ ثم ما الذي يفسّر استمرارية هذا النموذج رغم كل الاهتزازات والانقسامات والخيبات التي مُني بها عبر السنوات؟
إجابات هذه الأسئلة تقودنا إلى قلب المشهد الحزبي الكردي، بطبقاته المتراكمة، وحساباته المعقدة، ودوائره الضيقة التي تُعيد إنتاج ذاتها جيلاً بعد جيل.
الحلقة تجمع بين مستويين: غياب مشروع سياسي مشترك بين الأحزاب الكردية، والتأثير الإقليمي والدولي الذي عمّق الانقسام وحوّل كل حزب إلى ملحق لمحور خارجي.
إنه تداخل الداخل والخارج في صناعة "الانقسام الكردي المزمن".
تعدد الرؤى من الفيدرالية إلى الانفصال
لم تستطع الحركة السياسية الكردية السورية الاتفاق على تعريف واحد لـ"القضية الكردية. فأكبر كتلتين اتخذتا مسارين مختلفين. مشروع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المتمثل بالإدارة الذاتية، يعتمد "الأمة الديمقراطية"، ويتجنب الطرح القومي التقليدي، ويقدم نموذجاً لامركزياً أقرب للكونفدرالية.
فيما مشروع المجلس الوطني الكردي (ENKS)، يتبنى الفيدرالية القومية على نموذج إقليم كردستان العراق، ويعتمد الهوية القومية الكردية. أما الأحزاب الصغيرة فتنقسم بين توجهات ثقافية خجولة وتيارات قومية متشددة.
ثلاث مقاربات مختلفة تجاه النظام السوري
مال مشروع "قسد" إلى الحياد والتفاهم في علاقته مع النظام السوري، وهو ما اعتبره خصومه "تعاوناً مع النظام". فيما انضمت المعارضة (ENKS) إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة، واتُّهمت بالارتباط بتركيا. بينما انكفأت الأحزاب الصغيرة بلا مشروع واضح. هذا التباين خلق استقطاباً عميقاً بين الاتجاهين الرئيسيين.
غياب مرجعية كردية سورية مستقلة
على خلاف الحالة العراقية (البارزاني – الطالباني)، تعتمد الأحزاب الكردية السورية على مرجعيات خارجية. فالمجلس الوطني مرتبط سياسياً بالحزب "الديمقراطي الكردستاني" – العراق. فيما "قسد" متصلة تنظيمياً وفكرياً بحزب "العمال" الكردستاني. بينما تدور الأحزاب الأخرى في فلك قوى كردية من تركيا أو إيران. هكذا غابت القيادة المحلية الموحدة.
صراع محاور على الجغرافيا الكردية
تقف تركيا ضد أي مكسب للعمال الكردستاني، ومن خلفه "قسد"، وقد شنّت حربين كبيرتين ضد "قسد" في سوريا، إبان حكم النظام المخلوع، وتميل لدعم المجلس الوطني. كما تعرقل أي اتفاق كردي–كردي يعزز "العمال".
بينما يدعم إقليم كردستان العراق – أربيل، المجلس الوطني الكردي، ويتنافس مع خط قنديل داخل سوريا. وأنشأ "بيشمركة روج" كقوة موازية لوحدات حماية الشعب الكردية.
أما النظام السوري البائد، فقد مارس سياسة فرق تسد منذ الثمانينيات. سمح لـ"قسد" بالسيطرة بعد 2011 لموازنة المعارضة.
بينما دعمت الولايات المتحدة وروسيا "قسد" عسكرياً بلا رؤية سياسية شاملة. السياسة هذا حافظت على التوازن وليس الوحدة.
كيف تأثرت الحركة الكردية
هذه المعطيات أثرت على الحركة السياسية، وأدت إلى نمو أحزاب ملحقة بالخارج، وأصبح كل حزب يُتهم بأنه "أداة" لمحور إقليمي. كما أدت إلى فشل مخرجات الحوارات الكردية –الكردية، مثل اتفاق دهوك 2014، وحوارات 2020 برعاية أميركية، والتي انهارب جميعها، لأن المصالح الإقليمية كانت أقوى من الإرادة المحلية.
كما ولدت المعطيات السابقة انقساماً عسكرياً وأمنياً يتمثل بـ"قسد" مقابل "بيشمركة روج". إضافة شرخ اجتماعي داخل الشارع الكردي، حتى أن العائلات والمناطق باتت أقرب إلى محاور سياسية محددة. وأضعفت القدرة التفاوضية للأكراد ككل، لصالح النظام والمعارضة حينها، والحكم الجديد اليوم، إضافة إلى القوى الدولية.
يتبيّن أن الانقسام الكردي ليس نتيجة الخلاف التنظيمي فقط ولا نتيجة غياب المشروع السياسي فقط، بل هو نتاج تداخل معقّد بين بنية حزبية مغلقة، مشروع سياسي غير موحد، تدخل إقليمي عنيف، دعم دولي بلا رؤية وانقسام اجتماعي داخلي.
وهكذا تصل الحركة السياسية الكردية السورية إلى وضعها الراهن. أكثر تشظياً من أي وقت مضى، وأقل قدرة على صياغة مستقبل موحد.
