تبدو إسرائيل ذاهبة فعل باتجاه اتباع النموذج اللبناني في قطاع غزة لجهة مواصلة خروقات وقف إطلاق النار وتنفيذ الاغتيالات بحق من تبقى من قيادة حركة حماس الميدانية التي تعيد بناء نفسها، لكن ليس عسكرياً وإنما إدارياً وسلطوياً فقط، وبما يسمح بتكريس سلطتها على أقل من نصف القطاع المدمر، وضمن حدود الخط الأصفر الذي يقسم غزة إلى قسمين، شرقية -خضراء يسيطر عليها الاحتلال وغربية -حمراء تسيطر عليها حماس وفق المسميات الجديدة، كما أشارت صحيفتا "وول ستريت جورنال" و"هآرتس" أمس السبت.
خيارات أخرى
لكن اللافت كذلك، سعي إسرائيل لإبقاء الباب مفتوحاً أمام النماذج الأخرى، بمعنى فرض الخط الاصفر كخط حدود دائم مع ابتلاع الحافة الأمامية له خلال الأيام الماضية بحيث باتت تسيطر على ثلثي القطاع تقريباً، مع الانفتاح كذلك على الخطط الأميركية المتضمنة إعادة الإعمار في الجزء الشرقي -الأخضر الخاضع للاحتلال وترك الجزء الغربي مدمراً تحت سيطرة حماس وأعلامها الخضراء. أما المحزن والمؤسف فيكمن بغياب استراتيجية فلسطينية موحدة في مواجهة هذه الخطط والمشاريع، بينما وللأسف أيضاً يتمثل الخيار الوحيد الواقعي أمامنا بخطة دونالد ترامب التي جرت شرعنتها مع تبنيها بقرار رسمي من مجلس الأمن الدولي، وبأغلبية ساحقة، مع ضرورة التوافق الفلسطيني على كيفية التعاطي مع الوقائع المستجدة بعد اتفاق وقف إطلاق النار، بظل استعداد عربي وإسلامي وحتى أوروبي للتأثير إيجاباً علي الخطة-القرار لجهة تخفيف الوصاية الأجنبية، وزيادة الحضور الفلسطيني في إدارة غزة، والحفاظ على الأفق والسياسي نحو الدولة وتقرير المصير، وهو البند الذي أثار ولايزال غضباً ورفضاً واسعاً في إسرائيل وصفوف الائتلاف اليميني المتطرف الحاكم.
خروقات فجة وفظة
إذن تمادت اسرائيل أمس السبت في خرق اتفاق وقفاطلاق النار بعشرات الخر وقات -27 أمس فقط- أوقعت عشرات الشهداء ومئات الجرحى بحيث لامس العدد الإجمالي للخروقات منذ سريان الاتفاق قبل شهر حدود ال 500 خرق أوقعت مجتمعة ما يتجاوز 1000 شهيد وجريح.
بدت خروقات السبت فظة وفجة وبالطبع إجرامية ودموية وكشفت بوضوح عن تبنى اسرائيل النموذج اللبناني لجهة التركيز على عمليات الاغتيال ضد من تبقى من قيادة حركة حماس الميدانية، والانتقام من المسؤولين عن عملية طوفان الأقصى، وإجهاض إعادة بنائها العسكرية -التي تبدو دعائية ومستحيلة نظراً للسيطرة العملياتية الكاملة للاحتلال -لكن ليس السلطوية حيت لا تستهدف الاغتيالات الإسرائيلية محاولات الحركة الهادفة لفرض سيطرتها الإدارية والأمنية على أنقاض نصف قطاع غزة المدمر الخاضع لسيطرتها.
فرض النموذج اللبناني
خلال الأيام القليلة الماضية لم تكتف إسرائيل بتكريس أو فرض النموذج اللبناني بالدم والنار متشجعة من رد فعل حماس العاجزة فعلياً عن مواصلة القتال والمتمسكة باتفاق وقف اطلاق النار والمنشغلة بفرض سيطرتها على أنقاض الجزء غير المحتل من القطاع رغم انتهاك الطرف المعتدي المنهجي والمتعمد له منذ اللحظات الأولى، مع تبني الحركة خطاباً سياسياً وإعلامياً دعائياً مشابه تماماً لذاك الذي يتبناه حزب الله في بيروت، ما شجع تل أبيب على فتح المجال أمام الخيارات والنماذج الأخرى حيث قامت بتوسيع الخط الأصفر غرباً مع احتلال الحافة الامامية له لإبقاء الاحتمال قائماً ولو نظرياً أمام اعتماده حدود دائمة فيما بعد تماماً كما جرى مع الخط الأزرق في لبنان.
إضافة الى النموذج اللبناني وخيار فتح الباب أمام تحويل الحدود المؤقتة إلى دائمة الدائمة نقلت إسرائيل حسب مصادر مطلعة مهام منسقية شؤون الاحتلال التي تتولي التحكم بإدخال المساعدات لغزة للمركز المدني العسكري الأميركي بمستوطنة كريات جات-على انقاض بلدتنا الفالوجا- وهذا ليس تفصيلاً جانبياً يتعلق بالوصاية الأجنبية على غزة، وإنما بالانفتاح الإسرائيلي على الخطط الأميركية لإعادة إعمار المنطقة الخاضعة لسيطرة الاحتلال ضمن الخط الأصفر، تحت مسميات مختلفة من قبيل غزة الشرقية -الخضراء مقابل الغربية -الحمراء الخاضعة لسيطرة حماس.
تشجيع على النزوح
وفق هذا السيناريو ستنطلق عملية اعادة الاعمار أو "مينى" بروفة لها في المنطقة الشرقية الخضراء بمنازل مؤقتة ومرافق تعليمة صحية وخدماتية وإدارة محلية وتشجيع الفلسطينيين على النزوح اليها من المنطقة الغربية الحمراء، مع مناقشة فكرة الاستعانة بالسلطة الفلسطينية أو أطر تابعة لها بينما تتم إعادة وصل "السيروم " المحلول الغذائي للمنطقة الغربية الحمراء تحت سيطرة حماس فيما تشبه العودة لمساء 6 تشرين الأول/أكتوبر ولو على نصف غزة المدمرة.
النماذج والسيناريوهات السابقة تأتي في سياق الاستعداد الإسرائيلي -الأميركي لاحتمال فشل الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب ومشروع قرار مجلس الامن وحذر الدول العربية والإسلامية المشاركة في قوة الاستقرار الدولية من قصة نزع السلاح، كما التوجس العربي الإسلامي من مجلس السلام واحتمال فرضه الوصاية والانتداب على غزة والفلسطينيين، وفي التفكير البراغماتي الأميركي الإسرائيلي، ثمة انفتاح على احتمال تنفيذ الخطة والمشروع على الجزء الشرقي الخاضع لسيطرة الاحتلال المتماهي مع مركز التنسيق المدني العسكري الذي يشبه إلى حد بعيد، ولو بشكل موسع، لجنة الميكانيزم في لبنان مع رئاسة سياسية عسكرية أميركية مماثلة.
مقابل النماذج والسيناريوهات السابقة، نفتقد للأسف إلى رؤية فلسطينية موحدة مع تذاكي حماس وتنصلها من موافقتها على خطة ترامب، بمراحلها المختلفة ونهمها للاحتفاظ بحكمها، ولو على نصف غزة المدمر وانفصام وانغلاق السلطة برام الله وعجزها عن القيام بمسؤولياتها كسلطة شرعية أو رسمية للشعب الفلسطيني والقيام بإصلاحيات شكلية وهامشية والتهرب من الحوار الوطني الجاد، أو حتى مبادرتها منفردة إلى تشكيل حكومة توافق من شخصيات وطنية كفؤة ونزيهة لمواكبة تنفيذ قرار مجلس الأمن وتعظيم إيجابياته وتحجيم سلبياته، والنتيجة فرض الاحتلال وقائع ونماذج وفق مصالحه تتراوح بين مواصلة الانتهاكات والاغتيالات وجعل الخط الاصفر كحدود دائمة تبتلع ثلثي القطاع وفتح الباب أمام نقل الانقسام السياسي والجغرافي إلى داخل غزة نفسها وهو ما حذرنا منه باكراً جداً ومنذ الأيام الأولى لإعلان خطة ترامب وسريان وقف إطلاق النار الشهر الماضي.
