شهد السبت الذي يصادف اليوم 43 لسريان اتفاق وقف إطلاق النار بغزة، تصعيداً إسرائيلياً بدأ صباحاً باستئناف عمليات القصف المدفعي، ونسف المزيد من المنازل بالمناطق الشرقية لمدينة غزة وخانيونس والوسطى، ثم ادّعى الاحتلال بعدها أن مسلحاً فلسطينياً تجاوز الخط الأصفر وأطلق النار باتجاه قوة إسرائيلية قبل أن تقوم الأخيرة بقتله.
23 شهيدا و80 جريحاً.. في ساعتين!
وبعدها استغل جيش الاحتلال هذا الزعم وقرر شنّ غارات مركّزة، بدءاً من استهداف مركبة مدنية غربي مدينة غزة، تلاه قصف منزل سكني بمخيم النصيرات وآخر في دير البلح، مروراً باستهداف شقة سكنية بمنطقة اللبابيدي غربي غزة، وهو ما أسفر عن استشهاد نحو 23 فلسطينياً وإصابة نحو 80 آخرين، عدد كبيرهم أطفال ونساء، ناهيك أن هناك عدداً منهم فُقدوا تحت الأنقاض.
وفي الوقت الذي أعلن فيه جيش الاحتلال انتهاء تصعيده بعد ساعتين من الغارات المكثفة، أفادت مصادر محلية بغزة "المدن" باستمرار نسف المنازل والغارات في مناطق الخط الأصفر؛ أي تلك الخاضعة لسيطرة الاحتلال بموجب خريطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضمن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
"ما جرى.. سيناريو متوقع"
بدوره، أكد مصدر من حركة "حماس" لـِ "المدن" أن ما جرى هو سيناريو توقعته الحركة وأخذته بعين الاعتبار عندما قبلت باتفاق وقف إطلاق النار، موضحاً أن الحركة قبلت بالاتفاق؛ لأنها "أرادت وقف القتل الجماعي للناس"، مع علمها أن الفهم الإسرائيلي للاتفاق، هو تحول الحرب إلى شكل آخر ومواصلة ملاحقة قادة وعناصر الحركة وجهازها العسكري في أي لحظة.
وبيّن المصدر أن ما جرى السبت من تصعيد هو الأكبر منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، بمنزلة جولة أرادها الاحتلال عبر افتعال مبررات مزعومة، لاستهداف ما عدّها أهدافاً استخباراتية محدثة، بالرغم من أن عمليات القصف أدت إلى استشهاد عدد كبير من المدنيين. وهذا يعني أن الاحتلال سينفّذ جولات من التصعيد بهذا الشكل، لمحاولة استنفاد "أهداف مستجدة" بين الحين والآخر.
ما هو موقف "حماس"؟
وأوضح مصدر "حماس" المقيم في غزة، أن الحركة طلبت من الوسطاء الضغط على الولايات المتحدة، لتقوم الأخيرة بلجم الخروقات والانتهاكات الإسرائيلية للاتفاق، منعاً لتفجيره أو حدوث مفاجآت تعيق الخطة الأميركية. ووفق المصدر، فإن الاتفاق هو "هش"، لكن الحركة لم تتخذ أي قرار بالخروج من الاتفاق في هذه المرحلة؛ لعدم منح الاحتلال ذريعة للعودة إلى العدوان الشامل والواسع، عدا أن الخيارات الفلسطينية والعربية تكاد أن تكون معدومة.
مزاعم إسرائيلية: اغتيال 3 من قادة "القسام"
بدورها، زعمت وسائل إعلام عبرية نقلاً عن مصادر بالجيش الإسرائيلي، أن الأخير تمكن من اغتيال قائد كتيبة الزيتون بالقسام وقائد الوحدة البحرية وعنصر ثالث. ووفق مواقع أمنية إسرائيلية، فإن تل أبيب لا تريد أن يمنح الاتفاق "حماس" وقتاً للراحة، وهو ما يعني أن الاحتلال سيواصل الضربات والاغتيالات في القطاع على شكل موجات تحت ذرائع مختلفة. ووفق تلك المواقع العبرية، فإن الجيش الإسرائيلي أبلغ مسبقاً مركز التنسيق العسكري الأميركي في كريات غات، بشأن نيته تنفيذ تصعيد لبضع ساعات في القطاع، لكن تل أبيب حرصت على عدم توضيح ما إذا كانت قد حصلت على موافقة من المركز الأميركي من عدمها.
تصعيد.. وملاحقة "قسّاميين" محاصرين
والحال أن الاحتلال يحاول تجيير وقف إطلاق النار لتنفيذ خططه في القطاع من جانب واحد، سواء بافتعال جولات من التصعيد في أماكن سيطرة "حماس"، أو بتكثيف عمليات القصف والنسف في المنطقة الصفراء، ضمن ما يسميها "عملية تطهيرها من مسلحين حماس والأنفاق". وفي ظل ملاحقته مقاتلي "حماس" المحاصرين داخل المنطقة الصفراء، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته التابعة للواء الناحل رصدت خمسة مسلحين خرجوا من نفق شرق رفح، وتم قصفهم جواً، وفق بيانه.
وذكرت قناة "كان" أن عناصر "حماس" المتحصنين في نفق في رفح بدأوا شيئاً فشيئاً بـِ "فقدان الأمل وصُفّي خمسة منهم بعد محاولتهم إخلاء المنطقة الصفراء، وفي الأسبوع الماضي قُتِل ثلاثة منهم، كما اعتُقل عدد آخر".
ما مصير المقاومين المحاصرين؟
وتدّعي تقديرات إسرائيلية أن عدد المسلحين العالقين داخل أنفاق رفح هو 80، ورفضت إسرائيل حصولهم على ممر آمن عبر الوسطاء، في حين أكدت مصادر من "حماس" لـِ "المدن" أن معطيات تفيد بأن عدد الشهداء في صفوف مقاتلي "القسام" المحاصرين في المنطقة الصفراء، أكبر من المعلن إسرائيلياً؛ لأن الاحتلال كثف عمليات القصف لهذه المناطق في الأسبوعين الأخيرين، عدا أن الحركة غير قادرة على تحديد مصير العديد منهم؛ بسبب فقدان الاتصال معهم، ولصعوبة التحقق من مصيرهم؛ لوجودهم في أماكن خاضعة لسيطرة الاحتلال.
وأشارت تقارير عبرية إلى أن الخطة الإسرائيلية هي العمل على قتل أكبر عدد ممكن من مقاومي "حماس" المحاصرين بالمنطقة الصفراء، إما قصفاً أو جوعاً وعطشاً، ثم تسوية قضية من تبقى على قيد الحياة، عبر حلول أخرى عبر الوسطاء.
وذكر مراسلون عسكريون إسرائيليون أن الجيش يحاول الاستفادة من تقسيم القطاع إلى مناطق صفراء وحمراء؛ كوسيلة للتدرج في "تطهير القطاع من المسلحين الفلسطينيين والأنفاق وبنىً تحتية أخرى".
