سوريا: هكذا أصبحت الأحزاب الكردية دكتاتورية والزعيم قدر

خاص - المدنالجمعة 2025/11/21
Image-1763745135
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

على مدى عقود، رفعت معظم الأحزاب الكردية في سوريا شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وقدمت نفسها بوصفها النموذج الأقرب من قيم التعددية والانفتاح داخل المشهد السياسي السوري. لكنها في الواقع، خلف تلك الشعارات، تحولت إلى كيانات مغلقة، تتحكم فيها الزعامات، وتتعامل فيها المؤسسات الداخلية كمجالس شكلية تكرس سلطات القائد وتعيد إنتاج ولاء أفراده بدل إنتاج سياسات فعلية.

 

الزعيم… من مؤسس لقدر

أحد أبرز السمات في الأحزاب الكردية هو غياب التداول الديمقراطي على أعلى المستويات، فالزعيم لا يُنتخب حقاً بل يُكرس. ويمكن تلخيص آليات هذا التكرس في ثلاثة مسارات متداخلة تقوم أولا، على الشرعية التاريخية. فالزعيم المؤسس أو أحد أجيال المؤسسين يصبح "رمزاً" لا يمكن المساس به، وعطفاً يتحول تاريخ المشاركة في تأسيس الحزب إلى غطاء لاستمرار سلطته.

ثانياُ، الشرعية الكاريزمية. يُصنع حول الزعيم هالة من القداسة السياسية، ويتم تضخيم دوره في وسائل الإعلام، ويصوَّر على أنه صاحب رؤية استثنائية يفهم "القضية الكردية" أفضل من أي أحد آخر. أخيراً، الشرعية التنظيمية. تصبح مؤسسات الحزب أدوات لتثبيت الزعيم لا لمساءلته. القرارات الكبرى تُتخذ داخل دائرة ضيقة، بينما اللجان والمجالس الداخلية تصادق عليها وتبررها فقط.

نتيجة هذه الآليات، يتحوّل الحزب إلى بنية مغلقة لا تقبل المنافسة، وتصبح القيادة مركزاً ثابتاً، والانتقاد أو الاعتراض يُترجم إلى خيانة، والانشقاق يصبح الحل الوحيد لمن يفكر خارج إطار الزعيم.

 

طقس إعادة إنتاج الطاعة

كان من المفترض أن تكون المؤتمرات الحزبية لحظة مساءلة ومراجعة، لكنها غالباً تتحول إلى مهرجانات ولاء: يتم الإعلان عن انتخاب الزعيم بالإجماع أو الأغلبية الساحقة، رغم أن النتيجة محددة سلفاً. كما تتم إعادة انتخاب وجوه الحزب نفسها دون تجديد حقيقي للقيادات.

من يعترض أو يقترح أفكاراً جديدة يُهمَّش أو يُطرد، ومن يمدح الزعيم يرتقي في المناصب. بهذا تتحول المؤتمرات إلى طقس يشبه التجديد السنوي للولاء، وليس مساحة للحوار أو الديمقراطية.

 

الهيئات القيادية… مؤسسات بلا قرار

الأحزاب الكردية تمتلك لجاناً ومجالس شكلية، لكنها في الواقع بلا استقلالية حقيقية، بلا قدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، أداة لتبرير قرارات الزعيم، بحيث يتحول الخطأ إلى "قرار مؤسسي" ويُخفى المسؤول الحقيقي وراء الإجماع الوهمي. هذا ما يخلق بيئة لا تشجع على الإبداع أو تطوير سياسات جديدة، بل تحافظ على الوضع القائم بشكل دائم.

 

المعارضة… من حق سياسي إلى خيانة

في أي حزب ديمقراطي، المعارضة الداخلية جزء طبيعي من الحياة السياسية. لكن داخل الأحزاب الكردية، الاعتراض يُترجم فوراً إلى اتهامات جاهزة: عميل، مدسوس، مأجور ومشروع لتفكيك الصف الكردي.

أي محاولة لتقديم نقد أو إصلاح تُواجه بمقاطعة، وتهديد، وحتى الطرد النهائي. الانشقاق هنا يتحول إلى أداة سياسية، لا مجرد ظاهرة فردية.

 

صناعة الولاء… الحاشية حول الزعيم

الولاء الشخصي يتفوق على الكفاءة والخبرة والتعليم. ومن يثبت ولاءه عبر الثناء المستمر، تبرير أخطاء القيادة ومهاجمة المعارضين، يتدرج بسرعة في سلم الحزب. أما أصحاب الفكر المستقل أو المقترحات الإصلاحية، فيتعرضون للإقصاء أو التهميش. النتيجة تكون تكوين "نظام ولاءات" حول الزعيم، يتحرك فيه الأفراد حسب قربهم منه وليس حسب المصلحة العامة أو قدراتهم.

 

أحزاب بلا تجديد… وجمهور بلا ثقة

البنية الحالية أنتجت أحزاب غير قادرة على تداول القيادة، ومؤسسات عاجزة عن إنتاج سياسات جديدة، وجمهور يشاهد تكرار الخطاب نفسه منذ ثلاثة عقود، وأجيال شابة منفصلة تماماً عن العمل الحزبي، وانشقاقات لا تنتهي، وزعماء يعتبرون الحزب ملكية خاصة. هكذا، تتحول الأحزاب إلى "مزارع سياسية"، بينما الديمقراطية تبقى شعاراً للاستهلاك الخارجي.

 

السياق التاريخي والمقاربات الإقليمية

من المهم أن نفهم هذه الظاهرة ضمن سياق أوسع: الأكراد السوريون لم ينجحوا في إنتاج مشروع سياسي مستقر، من جهة بسبب العوامل التنظيمية الداخلية، ومن جهة أخرى بسبب التداخل الإقليمي. ويمكن تقسم هذه العوامل إلى:

- العلاقات مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، و"PDK" في إقليم كردستان العراق.

- الضغوط والتوازنات مع دمشق وأنقرة وواشنطن وموسكو.

- غياب مشروع اقتصادي واجتماعي موحد يحمي مصالح الشعب الكردي.

هذه العوامل جعلت الحركات الكردية أكثر هشاشة وأكثر انقساماً. هكذا تتكشّف هشاشة البنية التنظيمية للأحزاب الكردية السورية، وكيف تحوّل الولاء الشخصي إلى معيار للسلطة، وأصبح الزعيم محوراً مطلقاً داخل حزبه، بينما المؤسسات مجرد أدوات تزييفية.

وبهذا، يصبح السؤال الجوهري: هل يمكن لأي حزب كردي أن يحقق مشروعاً ديمقراطياً ويمثّل تطلعات الأكراد في ظل هذه البنية؟

الإجابة، وفق ما أظهرته الوقائع، تتطلب إعادة هيكلة جذرية للمؤسسات، ونقل المركز من الفرد إلى المؤسسات، وإرساء مشروع سياسي موحد قادر على تمثيل الأكراد السوريين أمام الداخل والخارج.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث