عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن اعتقاده بأن يوم الخميس المقبل يمثل "الموعد النهائي المناسب" لأوكرانيا لقبول مقترح السلام الذي تدعمه واشنطن لإنهاء الحرب مع روسيا.
وقال في مقابلة إذاعية، اليوم الجمعة، إن لديه "مواعيد نهائية كثيرة"، وإن من الممكن تمديدها "إذا سارت الأمور على ما يرام"، لكنه شدد على أن الإدارة الأميركية ترى أن الخميس هو "الوقت الأنسب" للموافقة على الخطة.
ويأتي تصريح ترامب في لحظة تصاعدت فيها الضغوط الأميركية على كييف لدفعها إلى القبول بخطة السلام المثيرة للجدل، بينما يحذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن بلاده تقف أمام "خيار قاسٍ للغاية" بين الحفاظ على الكرامة الوطنية أو المجازفة بخسارة أهم شريك لها في الحرب، واصفاً المرحلة الحالية بأنها "واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ أوكرانيا".
خطة أميركية مثيرة للجدل
وتتلقى كييف في هذه اللحظة ضغوطاً مكثفة من واشنطن لقبول خطة سلام مكوّنة من 28 نقطة، صاغها مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، بالتعاون مع المبعوث الروسي كيريل ديميترييف. وتكشف الوثيقة، وفق مصادر مطلعة لـ"رويترز" و"واشنطن بوست"، عن استجابة واسعة لمطالب موسكو المتعلقة بالحدود والأمن الإقليمي، بينما تترك الضمانات الخاصة بأمن أوكرانيا بصياغة فضفاضة وغير محددة، الأمر الذي أثار قلقاً واسعاً داخل كييف.
وتنص الخطة على تنازل أوكرانيا عن أراضٍ إضافية وانسحاب قواتها من مواقع شديدة التحصين في الشرق، مع منح روسيا سيطرة رسمية على القرم ولوغانسك ودونيتسك ومناطق واسعة من خيرسون وزاباروجيا، بما يرسخ ما تمكنت موسكو من فرضه عسكرياً منذ عام 2014. وتشترط الخطة أيضاً خفض حجم الجيش الأوكراني إلى 600 ألف جندي، وإدراج بند دستوري يمنع كييف من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وفرض حظر دائم على انتشار أي قوات أطلسية فوق الأراضي الأوكرانية.
وتتضمن الوثيقة مساراً لرفع العقوبات عن روسيا بصورة تدريجية، وإعادة دمجها بمجموعة الثماني، إضافة إلى آلية مالية تمنح واشنطن نصف الأرباح المتأتية من استثمار الأصول الروسية المجمّدة، بينما تستعيد موسكو بقية الأصول لاحقاً. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تصف الخطة بأنها توفر "ضمانات أمنية قوية" لكييف، إلا أن النص لا يقدم أي تفاصيل حول طبيعة هذه الضمانات أو حدودها.
مهلة عيد الشكر
وبحسب خمسة مصادر تحدثت لـ"واشنطن بوست"، فقد تلقت كييف رسالة أميركية واضحة بأن الدعم العسكري والاستخباراتي قد يتوقف بالكامل إذا لم تُوقّع أوكرانيا على الاتفاق قبل عيد الشكر. ورغم أن وزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول حاول خلال لقائه زيلينسكي في كييف، تقديم الصورة بطريقة أقل حدة، فإن مصادر دبلوماسية أكدت أن واشنطن تتبع أسلوب "الضغط المزدوج"، حيث يتولى ويتكوف دور المفاوض الصلب بينما يظهر دريسكول بصورة الشريك الراغب في التعديل والتعاون.
ووصل الأمر إلى حد إبلاغ المسؤولين الأوكرانيين بأن جميع أشكال المساعدة — بما في ذلك مشاركة المعلومات الاستخباراتية وعمليات تزويد السلاح عبر شركاء أوروبيين — قد تصبح "غير مضمونة" إذا تأخرت كييف في إعطاء رد قاطع. وتؤكد عدة جهات مشاركة في المباحثات أن هذه الضغوط تُعدّ الأكثر مباشرة منذ اندلاع الحرب.
زيلينسكي: لن نخسر الكرامة
وفي خطاب اليوم، شدد زيلينسكي على تمسكه بالسيادة الوطنية وعلى رفض أي صفقة تهدد مستقبل أوكرانيا الأمني أو السياسي. وأكد أن بلاده لن تمنح روسيا فرصة لاتهام كييف بإفشال مسار السلام، لكنها كذلك لن تقبل بخطة تُقدم تنازلات "تمس جوهر الدولة". وأشار إلى أنه سيطرح البدائل المناسبة في إطار يحفظ "الكرامة والحرية"، مشدداً على ضرورة تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الضغوط الخارجية.
أوروبا تتحرك
ورغم أن الخطة الأميركية صيغت من دون استشارة الأوروبيين، فإن باريس وبرلين ولندن سارعت إلى إجراء اتصال مشترك مع زيلينسكي لإبلاغه موقفاً موحداً يدعو إلى الحفاظ على السيادة الأوكرانية ومراعاة مصالح أوروبا الأمنية. وفي بروكسل، اعتبرت رئيسة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس أن "الطريقة التي تنتهي بها الحرب لا تقل أهمية عن انتهائها"، محذرة من لحظة "بالغة الخطورة للجميع".
وفي روما، أكدت الحكومة الإيطالية خلال اتصال بين جورجيا ميلوني والمستشار الألماني فريدريش ميرتس أهمية دعم الجهود الدبلوماسية، مع الإشارة إلى أن بعض بنود الخطة تستدعي "تمحيصاً أعمق". وتعمل العواصم الأوروبية على إعداد مسودة مضادة يجري بحثها على هامش قمة العشرين في جوهانسبرغ، وسط قناعة أوروبية عامة بأن الخطة الحالية تميل بشكل واضح لصالح موسكو.
كييف تحت الضغط
يأتي هذا المسار الدبلوماسي المعقد في وقت تشهد فيه الجبهات الأوكرانية تقدماً روسياً بطيئاً لكنه ثابت، بينما تكثف موسكو ضرباتها على منشآت الطاقة مع اقتراب الشتاء، ما يضع الحكومة الأوكرانية تحت ضغط اقتصادي وخدمي متزايد. وترافق ذلك مع أزمة سياسية داخلية أثارتها فضيحة فساد كبيرة طالت شخصيات مرتبطة بدوائر القرار، في لحظة حساسة سياسياً وعسكرياً.
ويرى خبراء أن قبول الخطة الأميركية بصيغتها الحالية قد يؤدي إلى اهتزاز الاستقرار الداخلي في أوكرانيا، نظراً للرفض الشعبي القوي لأي تنازلات تتعلق بالأراضي أو بالجيش أو بالسياسة الدفاعية، وهي النقاط التي تشكل جوهر الهوية السياسية الأوكرانية منذ عام 2014.
موقف موسكو… وتحفظ روسي
في المقابل، نفى الكرملين تسلم أي مقترح رسمي من واشنطن، لكن المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف شدد على ضرورة أن تتخذ كييف "قراراً مسؤولاً" في هذه المرحلة، مؤكداً أن التواصل مع الولايات المتحدة لا يزال في حالة "جمود"، وأن الملفات العالقة بين البلدين لم تشهد "أي تقدم". ورغم التفوق العسكري النسبي لروسيا على بعض الجبهات، يعتقد محللون أن موسكو تفتقر إلى القدرة على تحقيق اختراقات واسعة، وأنها تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة نتيجة العقوبات، ما يجعلها تبحث عن اتفاق يرسخ مكاسبها الحالية.
بداية لمسار طويل
وبحسب مصادر مطلعة على المباحثات، فإن الخطة الأميركية، رغم الضغوط لتمريرها سريعاً، تحتاج إلى أشهر من التفاوض لتصبح مقبولة أو قابلة للتنفيذ. وتستند هذه التقديرات إلى تشابه الخطة مع اتفاقيات سابقة — مثل اتفاق "المعادن" بين كييف وواشنطن — استغرقت وقتاً طويلاً للتعديل قبل توقيعها. ويؤكد دبلوماسيون أن المشروع الحالي يمثل في أفضل الأحوال "بداية لمسار سلام طويل ومعقّد"، وليس نهاية الحرب كما تروّج بعض الأطراف. وفق "واشنطن بوست".
