السويداء: مفاوضات تحت الضغط.. وشروط للهجري

دمشق - واصل حميدةالجمعة 2025/11/21
GettyImages-2191173921.jpg
الهجري يضع شروطاً للحوار حول السويداء (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تزال محافظة السويداء تتعامل مع تداعيات الأحداث الدامية التي شهدتها منتصف العام 2025، والتي أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين وتدمير واسع في البنية التحتية المحلية. هذه الأحداث لم تترك أثراً إنسانياً فحسب، بل رسّخت قطيعة عميقة بين المجتمع المحلي والسلطات في دمشق، ما جعل أي محاولة لإعادة فتح قنوات الحوار بين الطرفين مهمة دقيقة وحساسة للغاية.
في هذا السياق، تصاعد الحديث عن جولة مفاوضات جديدة بين الحكومة الانتقالية وقيادات محلية في السويداء، وسط ضغط إقليمي ودولي متزايد، وتحركات عسكرية لافتة في الجنوب السوري. وكشف مصدر خاص من داخل السويداء لـ"المدن" أن هذه الاتصالات ليست مفاوضات رسمية بعد، بل ترتيبات أولية بهدف اختبار الأرض وتهيئة الأجواء للحوار، مع مرونة كبيرة قابلة للتغيير حسب التطورات الميدانية.


فشل "خارطة الطريق" الثلاثية: السويداء غائبة والتوتر مستمر
ويحسب المصدر الخاص، تأتي هذه التحركات في سياق تجربة سابقة فاشلة لما سُمي الاتفاق الثلاثي أو "خارطة الطريق" الذي جرى قبل نحو شهرين بين سوريا و"إسرائيل" برعاية أميركية وأردنية في الأردن.
واشار المصدر إلى أن هذا الاتفاق لم يُفعَّل على الأرض، إذ استمرت الخروقات الأمنية وعمليات إطلاق النار، وظل طريق دمشق-السويداء مقطوعاً جزئياً، حيث كان السبب الجوهري لفشل الاتفاق هو استبعاد السويداء وعدم وجود تمثيل فعلي للمحافظة، ما أثار رفضاً شعبياً واسعاً وعمّق حالة عدم الثقة تجاه أي ترتيبات مستقبلية.


التحضيرات لجولة جديدة: إشراك الزعامة الروحية
في الأسابيع الأخيرة، بدأت ترتيبات جادة لجولة حوار جديدة في الأردن، تهدف إلى إشراك قيادات السويداء الفعلية، وأكد المصدر أن التطور الأبرز هو الاعتراف بأهمية مشاركة الشيخ حكمت الهجري ووفده، بعد أن كانت هناك محاولات مبدئية لاستبعاد الزعامة الروحية من أي ترتيبات.
توضح هذه الخطوة إدراكاً إقليمياً ودولياً بأن أي اتفاق في السويداء لا يمكن أن يُعتمد شرعيته من دون المرور عبر المرجعية الروحية للشيخ حكمت الهجري، الذي يمثل ثقلاً اجتماعياً وسياسياً محلياً لا يمكن تجاهله، وقد وافق الأخير بشكل مبدئي على إرسال وفد، مع التأكيد على شروط محددة لضمان مصالح المحافظة وسلامة سكانها.


شروط الشيخ الهجري: الحرس الوطني والأمن المحلي
وأشار المصدر إلى أن شروط حضور الشيخ الهجري تركز على ثلاثة محاور رئيسية: 
- إدخال الحرس الوطني ككتلة واحدة، والهدف من هذا المطلب هو دمج الحرس الوطني (القوة المسلحة المحلية التابعة للزعامة الروحية) مع الجيش السوري الجديد ككتلة واحدة متكاملة، لضمان وجود قوة موحدة تحت قيادة محلية معترف بها، تحفظ الأمن وتمنع تكرار الاشتباكات السابقة، ويوضح المصدر أن هذا الدمج لا يعني استقلالاً عن الدولة، بل هيكلة القوة المحلية بطريقة مؤسسية تتيح لها العمل تحت إطار الدولة الانتقالية، مع الحفاظ على ولائها المحلي وشرعيتها أمام الأهالي.
- انسحاب قوات الأمن العام ويشمل القسم الشمالي والغربي من المحافظة، والمناطق التي شهدت استمراراً للانتهاكات والخروقات الأمنية.
- إغلاق ملف المحاسبات الأمنية لضمان عدم ملاحقة الأهالي أو اعتقالهم لاحقاً بذريعة مذكرات سابقة، وهو مطلب أساسي لإنهاء حالة عدم الثقة بعد الأحداث الدموية.
وأكد المصدر أن هذه الشروط تهدف إلى إعطاء الأهالي القدرة على إدارة أمن المحافظة بأنفسهم بالتنسيق مع دمشق، دون تعديل دستوري رسمي، بما يحقق توازناً بين السلطات المحلية والمركزية.


التعددية العسكرية والضغوط الإقليمية
لا يمكن فهم الترتيبات الأمنية والسياسية في السويداء بمعزل عن التعددية الفصائلية المحلية، حيث بيّن المصدر أن المحافظة ليست كتلة واحدة، بل فسيفساء من القوى المسلحة التي تتنوع ولاءاتها ومرجعياتها وهي بشكل أساسي: 
- الحرس الوطني وفصائل الكرامة ويمثل العمود الفقري للزعامة الروحية ويضم تشكيلات مثل لواء الجبل وقادة من حركة رجال الكرامة، بهدف حماية المحافظة وفرض وحدة القيادة المحلية.
- المجلس العسكري والقوى الموالية للحلول الإقليمية وتشمل ضباطاً منشقين وفصائل مثل بيرق سليمان بن داوود، التي تميل أحياناً للتنسيق مع أطراف خارجية.
هذه التعددية تزيد صعوبة أي تفاهم، ما يجعل مطلب دمج الحرس الوطني استراتيجية لتوحيد القوى المحلية تحت مظلة واحدة، وتقليل النزاعات الداخلية، وضمان فاعلية الاتفاق المستقبلي.
وفي السياق الإقليمي، اشار المصدر إلى تصعيد واضح في الجنوب السوري خلال اليومين الماضيين، من تحليق مكثف للطيران الحربي إلى تحركات ورسائل إسرائيلية مباشرة، ويفسر ذلك كجزء من ضغط إقليمي ودولي على الحكومة الانتقالية لدفعها نحو الجلوس إلى طاولة التفاوض مع وفد السويداء، ورفع سقف التوقعات قبل أي اتفاق محتمل.


مرونة وحذر: الطريق نحو تفاهم مستدام
أكد المصدر المحلي من السويداء أن الوضع الحالي مرحلة ترتيب أولية وليست مفاوضات رسمية مكتملة، وأن أي اتفاق محتمل يجب أن يُبنى على مرونة الطرفين، مع مراعاة التجارب السابقة التي أظهرت هشاشة أي تفاهم يفرض من الخارج، مشدداً على أن الشيخ الهجري معروف بمرونته وتغيير مواقفه وقدرته على التوازن بين الضغط الدولي ومتطلبات المحافظة المحلية، ما يجعله عاملاً حاسماً في نجاح أي مفاوضات مستقبلية.
ويظل الطريق أمام السويداء محفوفاً بالتحديات، إذ يعتمد النجاح على القدرة على تجاوز الجراح السابقة، وحماية السكان، وضمان مراقبة دقيقة لتفادي تجدد العنف، مع احترام خصوصية المجتمع المحلي وقدرته على إدارة شؤونه الأمنية تحت إطار الدولة الانتقالية.


السويداء على مفترق الطرق
تجسد السويداء اختباراً حقيقياً للحكومة الانتقالية، بين إدارة ملفات المحافظات الخارجة عن السيطرة، والتعامل مع الضغوط الإقليمية، والتحركات العسكرية، والتعددية الفصائلية المحلية.
الترتيبات الحالية، وفق المصدر الخاص، لا تزال أولية وقابلة للتغيير، لكنها تحمل مؤشراً على إدراك الجهات الدولية والمحلية بأن أي اتفاق في السويداء لن يكون ممكناً دون المرور عبر الزعامة الروحية، وضمان وجود قوة أمنية موحدة، وإغلاق ملفات المحاسبات السابقة.
ويبقى مستقبل المحافظة مرتبطاً بقدرة الأطراف على بناء تفاهم حقيقي قائم على الحوار والضمانات العملية، بعيداً عن الإملاءات، مع إبقاء الدور القيادي للزعامة الروحية محورياً لضمان شرعية القرارات وحماية الأهالي

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث