يكتب جدعون ليفي في صحيفة "هآرتس" أن سلسلة من التطورات السياسية والأمنية، التي تُسوق داخل إسرائيل كضربات مؤلمة أو "هزائم مذلة"، تحمل في جوهرها بشائر إيجابية للمنطقة ولإسرائيل نفسها. ويعتبر ليفي أن الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني يشهد تدويلاً متسارعاً، وأن مجلس الأمن الدولي بدأ أخيراً في رسم اتجاه جديد للصراع، في حين تُنتزع ملفات حساسة – خصوصاً المتعلقة بالفلسطينيين – من السيطرة الإسرائيلية الحصرية.
ويرى ليفي أن هذه المؤشرات "تتساقط كالهدايا من السماء"، لأنها تعيد ميزان القوى إلى طبيعته، وتحاصر الغطرسة الإسرائيلية التي قادت إلى جملة من الكوارث.
نهاية "جنون العظمة"
ويشير ليفي إلى أن أهم تطور هو عودة إسرائيل إلى حجمها الطبيعي بعد عقود من التضخم السياسي والعسكري. فبرأيه، انتهت المرحلة التي تداخلت فيها الأدوار بين "القوة العظمى" ويقصد الولايات المتحدة وبين "الدولة التابعة لها" أي إسرائيل، وهي حالة أربكت العلاقة بين الطرفين لسنوات طويلة.
ويقول ليفي إن هذا التحول جيد لإسرائيل، لأنه يوقف "جنون العظمة وجنون الكبرياء" اللذين جعلاها تتصرف كما لو أنها فوق القانون الدولي وفوق المنطقة بأكملها.
من وقف الإبادة إلى كبح اليد
وفق ليفي، لم يكن إنهاء الحرب في غزة قراراً إسرائيلياً، بل جاء بأمر مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويكتب: "لو لم يأمر ترامب بوقف الحرب، لاستمر الذبح".
ويعد ليفي أن انتقال إدارة الملف الغزي إلى الولايات المتحدة تطوراً إيجابياً، لأن ما قامت به إسرائيل في القطاع طوال عقود – وتحديداً في العامين الأخيرين – حول غزة إلى "مقبرة".
ويتساءل: الآن وقد دخل "شاب جديد إلى الحي"، فهل يمكن أن تكون الإدارة الأميركية أقل سوءاً من إسرائيل؟ بالنسبة له، "أسوأ مما فعلته إسرائيل لم يعد ممكناً".
خطوة لكبح التفوق الإسرائيلي
ويرفض ليفي الرواية الإسرائيلية التي تصف موافقة واشنطن على تزويد الرياض بطائرات F-35 بأنها انتكاسة استراتيجية لإسرائيل. ويؤكد أن تنويع مصادر القوة في المنطقة قد يؤدي إلى "إعادة لجم إسرائيل التي تصرفت حتى الآن مثل بلطجي الحيّ الذي يخشاه الجميع".
ويضيف أن امتلاك طرف آخر للطائرة الأكثر تطوراً في العالم سيدفع إسرائيل إلى توخي الحذر قبل تنفيذ أي ضربة في دول الجوار، ما يعني – حسب ليفي – أنها لن تستطيع التصرف كما لو أنها وحدها في المنطقة.
ويذهب ليفي أبعد من ذلك، معتبراً أن فقدان إسرائيل السيطرة الكاملة على غزة قد يشكل تمهيداً لفقدانها السيطرة المطلقة على الضفة الغربية أيضاً.
ويقول إن دخول قوة دولية إلى الضفة هو "حلم" لم يكن قابلاً للتخيل سابقاً، لكنه اليوم "قد يتحقق" مع استمرار تدويل الملف الفلسطيني.
ويصف الوضع الحالي للفلسطينيين في الضفة بأنه وضع "شعب لا حول له ولا قوة، بلا حماية وبلا حقوق"، وأن وجود قوة دولية وحده يمكن أن يضع حداً لهذا الواقع.
"أسطورة التفوق النوعي" الإسرائيلي
يعتبر ليفي أن مطالبة إسرائيل بتعويض عن "المساس بتفوقها النوعي" تعكس عقلية ترى أن هذا التفوق حق حصري لها، وكأنه "وعد إلهي". ويشير إلى أن إسرائيل تتصرف على أساس أن من حقها أن تمتلك كل أنواع السلاح، وأنه ليس لغيرها الحق نفسه.
ويكتب بنبرة ناقدة أن هذا المنطق سمح لإسرائيل بتنفيذ هجمات في كل مكان، وارتكاب اغتيالات، وخرق وقف إطلاق النار، والتصرف كأن كل شيء مباح لها "من دون أن تُعاقَب".
ويرى ليفي أن تقليص الطموحات العسكرية والسياسية لإسرائيل، وتخفيف تسلحها بـ"أسلحة هجومية مجنونة"، قد يمنحها فرصة لتصبح أكثر قبولاً في المنطقة. ويؤكد أن كثيراً من الكوارث التي حلت بالدولة كانت نتيجة مباشرة لـ"غطرستها ونزعتها إلى القوة"، وأن تصحيح هذه النزعة سيخدم مصالحها على المدى الطويل.
"بركة اللعنة"
ويستعيد ليفي كتاب شبتاي تيفيت "لعنة البركة" الذي صدر عام 1970، الذي تناول الكلفة الباهظة للانتصار العسكري في حرب 1967.
ويقول إن اللحظة الحالية تمثل انعكاساً معاكساً، فليست هناك "لعنة تتساقط على إسرائيل"، بل ربما "بركة تشير إلى نهاية عصر المسيانية والتعالي على الجميع، وبداية العودة إلى الواقع".
ويمضي جدعون ليفي إلى خلاصة مفادها أن إسرائيل لا تعيش مرحلة هزائم، بل مرحلة تصحيح تاريخي يعيدها إلى حجمها الطبيعي ويضع حداً للتفوق المفرط الذي أنتج الغطرسة، وانتهاك السيادات، واستمرار الاحتلال.
ويرى أن هذا التحول – على عكس رواية الحكومة – "بركة لا لعنة" في مسار يعيد ترتيب القوة في المنطقة ويمنح إسرائيل فرصة واقعية لتصبح جزءاً من الشرق الأوسط، لا متعالياً عليه.
