في الفترة الأخيرة، تصدّر اسم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب المشهد الدولي كـ"صانع سلام" قادر على حل النزاعات الأكثر سخونة في العالم. من غزة إلى أوكرانيا وصولاً إلى السودان، يتم تقديم خطط ترامب للسلام على أنها إنجازات دبلوماسية كبرى، تحل النزاعات وتعيد الاستقرار إلى مناطق مزقتها الحروب. إلا أن النظر بعمق في هذه الاتفاقيات يكشف فجوة كبيرة بين الطموح الإعلامي والواقع الميداني، حيث تستمر الصراعات، ويتفاقم العنف، ويظل المدنيون يدفعون الثمن الأكبر، في حين تتصرف القوى الإقليمية والدولية وفق مصالحها الخاصة.
غزة: اتفاق بلا أثر
في غزة، بعد اعتماد مجلس الأمن خطة ترامب المكوّنة من عشرين نقطة، كان الهدف المعلن هو نشر قوة دولية لمراقبة نزع السلاح وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية. القوة الدولية المفترضة، التي من المفترض أن تتألف من دول مسلمة مثل تركيا، إندونيسيا وأذربيجان، صُممت لتكون ضامنة للسلام وواجهة لإنهاء الحرب المستمرة منذ عقود. لكن الواقع على الأرض يختلف جذرياً. القصف الإسرائيلي لم يتوقف، وتسبّب بسقوط عشرات الشهداء والجرحى يومياً، حتى أن الهجمات تمددت لتشمل الضفة الغربية، حيث يواصل المستوطنون هجماتهم اليومية على الفلسطينيين، فيما تتعاظم عمليات الاعتقال والتفتيش العسكري.
توسّع العنف خارج غزة يظهر بوضوح في جنوب لبنان، حيث تستمر الهجمات الإسرائيلية والاغتيالات، ووصلت إلى صيداً بغارات استهدفت مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين. تنسيق هذه العمليات يتم من غرفة عمليات مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة في إيلات، بمشاركة قوات مشاة البحرية الأميركية. في المقابل، يرفض الجيش اللبناني تحويل جنوب البلاد إلى قاعدة عسكرية إسرائيلية، هذا الرفض أدى إلى توتر ملحوظ بين الجيش اللبناني والولايات المتحدة، الحليف العسكري التقليدي للمؤسسة العسكرية اللبنانية، إذ ترى بيروت أن الاستجابة للمطالب الإسرائيلية ستجرّ البلاد إلى مواجهة مباشرة، بينما تتوقع واشنطن تعاوناً أكبر على الأرض.
الداخل الإسرائيلي نفسه يعكس هشاشة كبيرة، مع احتجاجات واسعة داخل الجيش وطلبات لإنهاء الخدمة من أكثر من 600 ضابط. هذا التوتر الداخلي لا يوقف الحرب، لكنه يكشف عن ضغط متصاعد داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، في حين يظل المدنيون في المخيمات الفلسطينية أهدافاً مباشرة للصراع.
السودان: ضغط خارجي
السودان يمثل حالة إضافية على هذا النمط. ترامب أعلن أنه سيبدأ بالتدخل بعد طلب مباشر من ولي عهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لإنهاء الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، والتي اندلعت منذ 2023 بعد صراع على السلطة عقب سقوط الرئيس عمر البشير.
اهتمام ترامب بالملف السوداني يُعرض على أنه خطوة دبلوماسية كبيرة، لكن الخبراء يشيرون إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة ضغطاً مباشراً أو إجراءات على الأرض، وأن أي جدية أميركية ستظهر فقط من خلال تعيين مبعوث رفيع المستوى والتنسيق الوثيق مع السعودية، الإمارات ومصر. الهدف المعلن هو فرض آلية مشتركة لتسهيل هدنة أو تسوية سياسية، لكن بدون وجود توافق داخلي حقيقي بين الأطراف المتحاربة، تبقى أي مبادرة معرضة للفشل.
حتى مع تدخل واشنطن وتنسيقها مع الدول العربية المعنية في السودان، تظل التحديات قائمة: الحرب مستمرة، الأطراف متعبة ومتوترة، وأي شعور بالانحياز لأحد الطرفين قد يؤدي إلى عرقلة المسار السلمي.
أوكرانيا: تنازلات تحت ضغط السلام
في أوكرانيا، يتكرر نفس النمط ولكن في سياق أوروبي - روسي أكثر تعقيداً. خطة ترامب للسلام تتضمن 28 نقطة، أبرزها تسليم أوكرانيا كامل منطقة دونباس، تقليص الجيش للنصف، الاعتراف بالروسية كلغة رسمية، ورفع الحظر عن الكنيسة الروسية. هذه المطالب تمثل تنازلات كبيرة لأوكرانيا، وتعبّر عن ميل الخطة لخدمة المصالح الروسية أكثر من حماية سيادة الدولة.
وبينما الولايات المتحدة وروسيا تفاوضان على "اتفاق سلام" يفترض أن ينهي الحرب في أوكرانيا، الدول الأوروبية على الأرض تتصرف وكأن الحرب بدأت بالفعل. بولندا، التي تعيش على خط التماس، تحذّر حلفاءها من أن روسيا قد تنفّذ هجمات تخريبية خلال فترة عيد الميلاد. قائد الجيش البولندي يتحدث عن "مرحلة ما قبل الحرب" وينشر عشرة آلاف جندي لحماية البنية التحتية من التفجيرات الروسية، بينما تستعد بريطانيا لضرب سفينة تجسس روسية إذا اقتربت من مياهها. وكان وزير الدفاع البريطاني قد أعلن أن لندن جاهزة لضرب سفينة التجسس الروسية بعد استخدامها الليزر ضد طيّاري سلاح الجو البريطاني. وفي الكواليس، تتحدّث الجيوش الأوروبية عن التصدّي لـ "أسطول ظلّي" روسي يرفع أعلام مزوّرة ويتحرك بخفة قرب المياه الأوروبية في بحر البلطيق.
أوروبا استقبلت تسريبات الخطة الأميركية - الروسية برفض شبه كامل. مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، قالت بصراحة إن "أي خطة لإنهاء الحرب يجب أن يشارك فيها الأوكرانيون والأوروبيون". فرنسا، بريطانيا، وحتى السويد، أعلنوا بوضوح أن أي اتفاق لا يمكن أن يُكتب فوق رأس أوكرانيا أو خارج إطار الأمن الأوروبي. كلمات مسؤولي الاتحاد جاءت مباشرة: لا يمكن تحقيق السلام عبر تجاهل الضحية ومكافأة المعتدي.
تسريبات الخطة الجديدة تُظهر تنازلات أكبر: تجميد الحرب عند خطوط التماس الحالية، تحويل الجزء الأكبر من الشرق والجنوب إلى مناطق روسية بحكم الأمر الواقع، منع أوكرانيا من دخول الناتو ونزع أي وجود عسكري أجنبي على أراضيها. مقابل ذلك، تحصل كييف على "ضمانات" روسية ووعود بفتح الاقتصاد العالمي أمام موسكو ورفع العقوبات.
ومع ذلك، تأتي المفاجأة الأكبر اليوم من واشنطن: أوكرانيا تتعرّض لضغط غير مسبوق لتوقيع الاتفاق في فترة زمنية قصيرة جدًا. ترامب نفسه تحدث عن مهلة أميركية حتى الخميس المقبل، مع تهديد مباشر بقطع الدعم العسكري والمالي إذا لم توافق كييف على الإطار الأولي للاتفاق قبل عطلة عيد الشكر. الضغط لا يأتي فقط من واشنطن، بل من المسار الموازي الذي صاغه مستشارون مقرّبون من ترامب ونظراؤهم الروس عبر قنوات غير رسمية، وهو ما أثار غضب العواصم الأوروبية التي وجدت نفسها خارج النقاش مع خطة تعتبرها مشروع استسلام لا أكثر.
أما كييف، المحاصرة بين الحرب من جهة والضغط الأميركي من جهة أخرى، فتقدم صورة واضحة: رئيس مُنهك، دولة تخوض معارك على الجبهة، وتهديد صريح بخسارة أهم حليف إذا لم تقبل بخطة تُفرّغ سيادتها من مضمونها.
ما يربط كل هذه الملفات معاً هو نمط واضح: اتفاقيات ترامب للسلام واجهات إعلامية أكثر من كونها اتفاقات عملية. فهي غالباً ما تُصاغ بعيداً عن إرادة الشعوب المعنية بالصراع، وتُقدم كإنجاز سياسي أو دبلوماسي دون آليات تنفيذية واضحة. على الأرض، يستمر العنف، وتظل الدول المهددة متأهبة للتصعيد، بينما تُستخدم هذه الاتفاقيات لعرض صورة واهية عن التقدم نحو السلام. في غزة، الحرب اليومية مستمرة رغم الاتفاقيات، وفي أوكرانيا تُفرض تنازلات على دولة مستقلة تحت غطاء السلام، وفي السودان يظل المدنيون ضحايا النزاع المسلح.
