نتنياهو في جنوب سوريا.. استعراض عسكري-أمني ورسائل سياسية

خاص - المدنالخميس 2025/11/20
Image-1763635479
زيارة نتنياهو لجنوب سوريا تحمل أبعاداً سياسية وأمنية (انترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

في خطوة لافتة، توغل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس الأربعاء، في جنوب سوريا، برفقة وزير الأمن يسرائيل كاتس، ووزير الخارجية جدعون ساعر، إضافة إلى رئيس أركان الجيش إيال زامير، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) ديفيد زيني.

وجاء التوغل بعد يومين من إعلان هيئة البث الإسرائيلية، أن المفاوضات الجارية بين الجانبين الإسرائيلي والسوري حول اتفاق أمني، وصلت إلى طريق مسدود.

وبحسب المصادر الإسرائيلية، فإن الخلاف تمحور حول مطلب الرئيس السوري أحمد الشرع، بانسحاب إسرائيل من جميع النقاط التي سيطرت عليها بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، أي بعد سقوط نظام الأسد، إذ رفضت إسرائيل هذا الطلب، مؤكدةً أن أي انسحاب يجب أن يتم في إطار "اتفاق سلام كامل"، وليس اتفاقاً أمنياً، معتبرةً أن مثل هذا الاتفاق ليس وارداً في الأفق القريب.

وحسب مراقبين، فإن الموقف الإسرائيلي يشير إلى رغبة في ترسيخ حضور عسكري مستمر في جنوب سوريا، خصوصاً في منطقة القنيطرة، عبر سلسلة من التوغلات المتكررة تهدف إلى "اعتياد" السوريين على هذا الواقع على المدى المتوسط.

 

واقع أمني جديد

ويُفسر هذا التوجه بحسب تحليلات ميدانية على أنه محاولة لإثبات قدرة إسرائيل على فرض واقع أمني جديد لا يرتبط بمعادلة الانسحاب مقابل ضمانات، بل بمعادلة الاستمرار في التمركز طالما لم تُقدَّم تنازلات سياسية حاسمة من الطرف السوري.

ويرى المراقبون أن تصعيد إسرائيل في الجنوب السوري، يرتبط بحسابات إقليمية ودولية واضحة، فهي تراهن على غياب الممانعة الأميركية بقيادة دونالد ترامب، وعلى انخراط الإدارة الأميركية في دفع مفاوضات غير متكافئة، ما يعطي نتنياهو هامشاً أوسع لفرض شروطه الميدانية.

وقال الباحث والمحلل السياسي محمد القيق، لـ"المدن"، إن "هذه الخطوة ليست رمزية بل استراتيجية، مَغزاها رسالة إسرائيلية: إذا تجرّأت قوات تركية أو روسية على الدخول إلى جنوب سوريا، فإن المستوى السياسي والعسكري الإسرائيلي كاملاً من رئيس الوزراء إلى وزير الأمن، ورئيس الأركان، جاهز للتحرك إلى المنطقة، وكأنه يقول: نحن لا ننسحب، بل نتوسّع".

وأضاف أنه "من السذاجة الاعتقاد بأن إسرائيل ستنسحب من جنوب سوريا، بل العكس هو الصحيح، لأن ذلك ينسجم مع استراتيجيتها طويلة الأمد، وبالتالي، فإن هذا التحرّك يُعتبر إشارة واضحة بأن إسرائيل لن توقّع اتفاقيات أمنية أو سياسية، لا مع الإدارة السورية الانتقالية ولا مع أي طرف آخر، طالما أن هدفها هو التمدد، لا السلام، ووجود أرفع مستوى قيادي إسرائيلي في منطقة محتلّة يُؤكد هذا التوجّه بوضوح".

وأكد أن "المسألة ليست مواجهة مع واشنطن، بل هي محاولة لفرض واقع أرضي جديد، وبهذا، تُطمئن إسرائيل الأطراف الأخرى، خصوصاً روسياً، بأن مخططها قائم، وتُبلّغ السوريين والأتراك والروس معاً أن المعادلة في الجنوب ليست نتاج مفاوضات أو ترتيبات مؤقتة، بل قرار استراتيجي صادر عن إسرائيل، ويعكس رؤيتها الثابتة لمستقبل المنطقة".

 

أوراق سوريا

في المقابل، تشدد مصادر سورية وخبراء على أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً في الظرف الراهن، نظراً للاختلال الواضح في موازين القوة.

ويرى هؤلاء أن المدخل الأمثل للتعامل مع هذا الوضع، هو التفاوض السياسي المتوازن، وتفكيك الشبكات التي تستخدمها إسرائيل داخلياً لخلق فوضى تُسهّل التموضع الإسرائيلي. ودعا ناشطون وأكاديميون سوريون إلى إطلاق "هبّة رافضة عارمة" على مختلف الأصعدة، كحد أدنى من ردّ الفعل على دخول نتنياهو ومن معه إلى داخل الأراضي السورية. واعتبر الداعمون أن مثل هذه الهبة تُعبّر عن رفض وطني واضح لانتهاك السيادة، وللخطط الإسرائيلية الرامية إلى تقسيم الجنوب وتثبيت تقسيم واقعي على الأرض.

وقال الباحث في مركز عمران للدراسات، علي عبد المجيد، لـ"المدن"، إن "التوغل الذي أقدمت عليه نتنياهو، لا يمكن التعاطي معه كخطوة استعراضية أو مناورة عابرة، بل هو تحرك محسوب يحمل عدة أبعاد ورسائل في اتجاهات مختلفة"، لافتاً إلى ان "إسرائيل تدرك أن الجنوب السوري يعيش حالة فراغ معقدة نتيجة انهيار منظومات السلطة السابقة وبروز قوى انفصالية محلية مثل جماعة حكمت الهجري، وهذا يفتح باباً أمام تل أبيب لتثبيت وقائع ميدانية جديدة، ولو بصورة محدودة، بحجة منع تمدّد تهديدات إيرانية أو فوضى أمنية يمكن أن تصل إلى حدودها".

واعتبر أن "ما أرادت إسرائيل قوله بشكل واضح، هو أن دمشق، رغم سقوط النظام السابق، لم تستعِد بعد القدرة الكاملة على ضبط الجغرافيا الجنوبية، لذلك تعمل تل أبيب على فرض معادلة ردع جديدة، مفادها أن أي نية سوريا لاستعادة زمام المبادرة في الجنوب ستكون محكومة بسقف الدور الإسرائيلي".

ورأى أن "نتنياهو يريد أن يذكر واشنطن بأنه اللاعب الأكثر فعالية على الحدود الشمالية، وأنه قادر على رسم خطوط الاشتباك مع إيران ووكلائها دون انتظار ضوء أخضر أميركي كامل".

 

قواعد اشتباك جديدة

وفي ما يتعلق بالموقف التركي، ذكر عبد المجيد أن تركيا تراقب الجنوب السوري باعتباره ساحة مفتوحة يمكن أن تؤثر على توازناتها في الشمال، وبالتالي فإن الرسالة الإسرائيلية لأنقرة هي أن تل أبيب موجودة في المعادلة، ولن تسمح بأن تتحول الجغرافيا السورية إلى ترتيبات ثنائية بين دمشق وأنقرة فقط.

واعتبر أن ما حدث ليس "محاولة مبكرة لفرض قواعد اشتباك جديدة في الجنوب، مستفيدة من الفراغ الأمني وتباين المواقف الدولية". لكنّ قدرة إسرائيل على تحويل التوغل إلى واقع دائم تبقى محدودة، في ظل الرفض العربي، والرفض السوري، وتعقيدات البيئة الميدانية، ووجود قوى محلية قد توظفها تل أبيب ولكنها في الوقت نفسه قادرة على تفجير المشهد، وفق قوله.

من جانبه، أدان مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، خلال جلسة لمجلس الأمن عقدت أمس، "الجولة الاستعراضية" التي قام بها نتنياهو في مناطق التوغل جنوب سوريا. وحمّل مجلس الأمن مسؤولية التحرك الفوري لوقف الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث