وسط الانشغال بالوقائع اليومية لأيّة أزمة، تضيع من أطرافها أحياناً بعض الحقائق الكبرى التي خلفتها، وتلتبس على البعض، الغايات الاستراتيجية لكل طرف في الأزمة نفسها.
بعض الأطراف في أيّة أزمة لا يرون منها إلا بمقدار قامتهم فيها، أما البعض الأخر منهم فقد يتسور جدار الأزمة ليستشرف مكاناً له في مستقبلها، في حين يستطيع الكبار في الغالب، امتلاك قدر من الرؤية يفوق أحياناً ما تتيحه لهم أدواتهم المتطورة، وخياراتهم المسيطرة.
لدى الأطراف الكبيرة في أيّة أزمة، رؤية استراتيجية، وخطة أو جدول زمني لتحقيقها، وبرنامج لإدارتها والإستفادة منها، ولدى المحظوظين من القوى الكبرى، أو من الشريحة العليا من القوى المتوسطة، قدر من الاطلاع، يتيح لهم الحصول على حصة شريك في الاستفادة من الأزمة، أو من إدارتها، والتفاعل المحسوب معها.
هذه القواعد الحاكمة للأزمات الدولية، قديمة قدم التاريخ نفسه، لكنها متسارعة الإيقاع، بقدر سرعة السلاح، وقوة النيران، لدى الأطراف المتنافسة، أو المتصارعة، أو حتى المتحاربة.
فرصة أميركية كبيرة
نعيش في الشرق الأوسط حالة صراع بلغت طوراً متقدماً على سلم الحرب، و اشتعلت معه الحرائق بأطراف ثياب الإقليم، في اليمن وفي إيران وفي سوريا، وفي السودان، وفي ليبيا، وقبل كل تلك المواقع وبعدها، في غزة، حيث تحاول إدارة ترامب أن تنجز بالدبلوماسية ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه بالحرب.
في الحروب، يربح الأطراف أو يخسرون، بمقدار قدرتهم على فهم الصراع، وقراءة خرائطه، والتعرف الدقيق على الغايات الاستراتيجية للخصم، وفي الحرب على غزة، يبدو كأن الولايات المتحدة هي الطرف الرئيس وربما الوحيد الذي يمتلك هدفاً استراتيجياً يسعى طول الوقت لإنجازه، ويقاوم طوال الوقت محاولات أطراف أخرى لتطويقه.
بانفرادها المزمن بزعامة النظام الدولي، منذ انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو وتفتيتهما، تحتفظ الولايات المتحدة بأولوية تحديد مناطق الصراع أو التنافس الدولي، وبأفضلية تحديد أولويات هذا الصراع، وبالقدرة على وضع سقف له لا يتجاوزه أحد.
فرصة أميركا كبيرة جداً، في كسب أي صراع يدور وفق تلك القواعد، وفرصة خصومها أو منافسيها في إلحاق هزيمة كاملة بها، تبدو غير واقعية.
تغيير خرائط الشرق الأوسط
في الشرق الاوسط، حيث يدور تنافس إقليمي بالحديد والنار، بين قوىً إقليمية تتطلع إلى امتلاك القدرة على إعادة تشكيل علاقات القوى في الإقليم، تبدو إسرائيل أكثر قوى الإقليم جاهزية للسيطرة بأدوات أميركا على مقدرات الشرق الأوسط، ففي لحظة فريدة فور عملية السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، قفز الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إلى طائرته الرئاسية ليظهر في إسرائيل إلى جانب بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الاسرائيلية الذي كان يتأبط ملفاً ربما حمل خططاً انتظرت طويلاً لحظة طوفان الأقصى لتنطلق من عقالها لتغيير خرائط الشرق الأوسط كله.
"سوف نغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد"..هذا ما قاله نتنياهو بالحرف الواحد لدى خروجه من اجتماع مع بايدن، سارع إليه الأخير مبدياً تضامنه الكامل مع اسرائيل، في حين كانت حاملة الطائرات الأحدث والأكبر جيرالد فورد تنضم إلى شقيقتها الحاملة دوايت أيزنهاور في شرق المتوسط، جنباً إلى جنب مع مجموعات القتال لكلتا الحاملتين، وقال مسؤولون أميركيون وقتها إن إرسال حاملتي الطائرات إلى المنطقة يهدف إلى ردع أي أطراف أخرى عن توسيع رقعة الصراع.
الهيمنة على النظام الدولي
كانت الرؤية الاستراتيجية الأميركية-الإسرائيلية، لمستقبل الحرب في غزة تستشرف لحظة رآها نتنياهو وشركاءه من اليمين الديني المتطرف (بن غفير وسوموتريتش) لحظة إسرائيل الكبرى، في حين رأتها إدارة بايدن لحظة تاريخية لتأكيد أجَل الانفراد الأميركي وتمديده بزعامة النظام الدولي ربما لمئة عام أخرى، حلم بها كلينتون، وسعى إليها بالحرب جورج بوش الابن، وحاول أوباما استدامتها بالفوضى البناءة، وها هي الفرصة تقفز إلى حجر بايدن وتداعب خيالاته.
الهيمنة على النظام الدولي، وإقصاء روسيا والصين خارج مضمار السباق، ظل هدف الولايات المتحدة في حضور بايدن وبعد عودة ترامب، في حين اقتربت اسرائيل من تحقيق حلمها في الهيمنة على النظام الاقليمي الشرق اوسطي. أما سائر الأطراف الأخرى في الشرق الأوسط بما فيها إيران وتركيا، وعرب الإقليم، فإن تفويت اللحظة على إسرائيل بات أقصى أمانيها.
كان لدى اسرائيل وأميركا إذن لحظة تتوخيان السيطرة عليها، وكانت لدى عرب الاقليم وتركيا وإيران لحظة تتوخيان تفويتها، أو الهروب منها.
النوم مع العدو
هناك إذن لدى اسرائيل خطة ترعاها إدارة ترامب، هدفها الهيمنة على قرار الحرب والسلم في الشرق الأوسط، وهناك لدى عرب الإقليم وكل من تركيا وإيران، توافق بالصمت على حرمان اسرائيل من حلمها بالهيمنة على الشرق الأوسط.
الفارق بين ما تريده واشنطن وتل أبيب لإقليم الشرق الأوسط، وما تريده سائر القوى الأخرى في الإقليم، هو أن لدى الطرف الأول إرادة، و خطة، وخارطة، وبرنامج، في حين يتعامل الطرف الثاني بلا رؤية ، ولا خطة، ولا برنامج، مكتفياً بتوظيف قدراته لعرقلة خطط الطرف الأول، وهو النهج نفسه الذي حمل في مرحلة سابقة من الصراع عنواناً يتسم بالميوعة أسماه البعض (الممانعة) وهو نفسه العنوان الذي قاد سوريا وايران وحزب الله الى حيث هم الآن، بعضهم، غادر المشهد كلياً، مثل بشار الأسد ونظامه، وبعضهم مازال ينتظر.
التنافس الإقليمي في اللحظة الراهنة، يدخل طور إعادة بناء خيارات جديدة، بات من بينها بالضرورة، خيار التعايش، مع الخطر، أو حتى النوم مع العدو، من أجل شراء بعض الوقت، في حين يشحذ كل طرف سلاحه.
السلام، إبراهيمياً، أو غير إبراهيمي، بات إذن مجرد وسيلة لشراء بعض الوقت، ريثما يتجهز الأطراف، لمستوىً جديد من الصراع، أو هدنة ممتدة، فالسلام ما يزال بعيداً.
