زيارة الجربا للشرع: الصناديد بدمشق و"قسد" أمام اهتزاز مفتوح

خاص - المدنالخميس 2025/11/20
Image-1763637648
زيارة تشي بتحول أعمق من مجرد لقاء سياسي (سانا)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظة سياسية مشحونة بالتوترات داخل مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، ومع تفكك الواجهة العربية التي اعتمدت عليها الإدارة الذاتية لسنوات، برزت زيارة شيخ قبيلة شمر، مانع حميدي دهام الجربا، إلى دمشق، ولقاؤه بالرئيس أحمد الشرع، بوصفها واحدة من أكثر الإشارات المفصلية التي تشي بتحوّل أعمق من مجرد لقاء سياسي، باتجاه إعادة صياغة موازين القوة داخل شرق الفرات، وإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق والمكوّن العربي الذي ظلّ لسنوات الرقم الأكبر بلا قرار داخل بنية قسد.

فالزيارة، بما تحمله من ثقل عشائري يمتد من الحسكة إلى البادية العراقية، ومن الخليج إلى العمق السوري، تتجاوز الطابع الرمزي لشخص الجربا لتلامس جذور الإشكال الأعمق داخل الإدارة الذاتية: هشاشة العلاقة بين القيادة الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK) وبين العشائر العربية التي جرى التعامل معها بصفتها واجهة محلية وظيفية، لا شريكاً أصيلاً في السياسة والسلطة.

 

دمشق تعود عبر البوابة الأعرض

منذ اللحظة الأولى لظهور نبأ زيارة الجربا، بدت دمشق وكأنها تستعيد دورها الأبوي التاريخي تجاه العشائر العربية. فمنذ عام 2013 وما بعده، ومع توسع "قسد"، كانت الدولة السورية خارج المشهد العشائري في الشرق. لكن انهيار الواجهات العربية التي اعتمدت عليها "قسد"، وآخرها الانشقاق الكبير في منبج بقيادة الشيخ إبراهيم البناوي في كانون الأول/ديسمبر 2024، والاحتجاجات الواسعة في دير الزور بعد اعتقال أبو خولة، جعلت العشيرة تدرك أن المشروع الذي قُدّم لها باسم "التمثيل" لم يكن إلا سقفاً زجاجياً.

زيارة الجربا تُعيد التذكير بأن دمشق لم تغادر الذاكرة العشائرية، وأن الشرعية التي يمثلها الرئيس أحمد الشرع، بعد مرحلة انتقال السلطة، تُعيد للدولة مكانتها كمرجعية أوسع من أي سلطة أمر واقع. وفي مناطق تُعتبر فيها العشيرة جزءاً من الهوية قبل السياسة، تمثل إعادة فتح القنوات بين شيخ شمر الأكبر والرئاسة السورية، خطوة تُعيد رسم حدود التأثير بين دمشق و"قسد" داخل البيئات العربية، خصوصاً تلك التي بقيت خلال السنوات السابقة تشعر بأن دورها اختُزل إلى رفع الأعلام في الاحتفالات أو المشاركة الصورية في المجالس.

 

الواجهة العربية تتفكك

لطالما نجحت "قسد" في تسويق نفسها أمام واشنطن والتحالف الدولي كقوة متعددة المكوّنات، تُظهر العرب في الصفوف الأمامية للمؤتمرات واللقاءات الرسمية. لكن ما كان مخفياً لفترة طويلة أصبح مكشوفاً خلال العامين الماضيين: العرب ليسوا جزءاً من مركز القرار. فالقرار العسكري والأمني والسياسي ظلّ يمسك به كوادر جبل قنديل، فيما تُرك للعرب تمثيلٌ وظيفي يقوم على أسماء اختيرت بعناية من الصفوف الثانية والثالثة داخل العشائر، وليس من شيوخها أو وجهائها الحقيقيين.

التجارب التي شهدتها المنطقة كشفت هذه الحقيقة: في دير الزور 2023، تهاوت البنية العربية لـ"قسد" خلال أيام بعد اعتقال أبو خولة. وفي منبج حدث الشرخ الأكبر عندما انقلب الشيخ إبراهيم البناوي بقواته كاملة وانضم إلى الدولة السورية ضمن قوات "ردع العدوان". وفي الرقة والحسكة تكررت الانشقاقات الفردية والجماعية مع كل أزمة، أو مع أي احتكاك بين العناصر العرب وبين الأجهزة الأمنية المرتبطة بقيادات حزب العمال الكردستاني.

هذا كله جعل الولاء العربي داخل قسد هشّاً ومؤقتاً، قائماً على الراتب والحاجز والسلاح ووجود التحالف الدولي، وليس على قناعة بالمشروع السياسي أو الأيديولوجي. ولذلك، فإن أي تغيير في موازين القوى - عودة الدولة، ضغط تركي، تراجع أميركي - يؤدي فوراً إلى موجات انشقاق.

 

الصناديد في قلب السياسة

ما يضاعف أهمية الزيارة هو أن قوات الصناديد، خلافاً لكثير من التشكيلات العربية داخل "قسد"، حافظت على استقلالية نسبية. لم تكن ملحقة بالكامل بهندسة قسد العسكرية، ولم تتورط في الصدامات الداخلية، وكانت دائماً أكثر تمثيلاً لعشيرتها من ارتباطها بالمركز الكردي.

وبذلك، فإن زيارة قائدها الجربا إلى دمشق تُطرح كتطور استراتيجي: هل بدأت مرحلة إعادة التموضع العسكري العربي في شرق الفرات؟ وهل تتجه الصناديد إلى صيغة جديدة في حال دخل الجيش السوري إلى المنطقة أو في حال اتُّفق على هيكل عسكري موحد تشارك فيه "قسد"؟

القيادة الكردية داخل "قسد" تدرك أن هذا السؤال ليس نظرياً. فظهور الجربا في دمشق يعني عملياً فتح بوابة تُقلق شبكة العمال الكردستاني وتضيّق مساحة نفوذها داخل بنية "قسد"، خصوصاً إذا تحركت عشائر أخرى على الطريق نفسه. وقد تكون الزيارة بداية مسار أوسع يتجه نحو فرز داخلي بين القوات العربية التي بدأت تستعيد ثقتها بذاتها، وبين قيادة كردية باتت معزولة عن محيطها الاجتماعي العربي.

 

الإقليم يراقب

زيارة الجربا لا تُقرأ فقط في سياق العلاقة بين دمشق و"قسد"، بل في السياق الإقليمي أيضاً. فالرجل حافظ على علاقة مفتوحة مع التحالف الدولي خلال الحرب ضد "داعش"، وتُعتبر قواته (الصناديد) نموذجاً للقوة العربية التي استطاعت واشنطن الاعتماد عليها ميدانياً. وفي الوقت نفسه، فإن تركيا تنظر بحساسية عالية إلى أي خروج للقوات العربية من عباءة "قسد"، لأنها تعتبر ذلك خطوة تضعف مشروع حزب العمال وتفتح الباب لمعادلة أكثر قابلية للتفاوض.

دمشق، عبر لقاء الجربا، تبدو كأنها تُرسل رسائل متعددة الاتجاهات:

- إلى واشنطن: أن الدولة السورية ما زالت القناة الأكثر استقراراً للعرب في الشرق.

- إلى أنقرة: أن البديل العربي لـ"قسد" ممكن، وأن مشروع الإدارة الذاتية ليس قدراً.

- إلى القوى الإقليمية الأخرى: أن الفراغ في شرق الفرات يمكن ملؤه بمرجعية الدولة لا بمرجعيات خارج الحدود.

 

العرب يعودون إلى مركز السياسة

في الخلفية البعيدة لكل ذلك، يبدو المشهد واضحاً: العرب داخل "قسد" لم يخرجوا يوماً من عباءتهم العشائرية. وكل تجربة أثبتت أن التمثيل الذي قدمته "قسد" للعرب كان تمثيلاً رقمياً فقط: عدد كبير من المقاتلين، بدون أي قرار فعلي. ولذلك، فإن أي فرصة للعودة إلى مرجعية سياسية أكبر، سواء كانت دمشق أو أي صيغة سورية جامعة، تتحول فوراً إلى خيار منطقي للعشائر التي لا ترى نفسها جزءاً من مشروع سياسي ذي لون واحد.

وهكذا تكتسب زيارة الجربا ثقلاً يتجاوز مجرد اللقاء. إنها إشارة إلى أن إعادة توزيع القوة داخل الشرق قد بدأت بالفعل. وأن المكوّن العربي لم يعد مستعداً للبقاء في موقع "الواجهة" بينما تُمسك قنديل بمفاصل السياسة والقرار.

زيارة مانع حميدي دهام الجربا إلى دمشق هي واحدة من اللحظات السياسية النادرة التي تجمع بين الرمزية والعملية. فهي ليست مجرد لقاء بين شيخ عشيرة والرئاسة، بل هي خطوة تعكس حجم التحول الذي يمر به شرق الفرات: تراجع أثر "قسد" على ساحتها العربية، تزايد رغبة العشائر في الانفكاك عن مشروع قنديل، وصعود الدولة السورية مجدداً لاعباً أساسياً في المنطقة التي غابت عنها لسنوات.

إذا تراكمت هذه الإشارات، فإن المشهد قد يتغير بسرعة. وقد نشهد خلال المرحلة المقبلة حركة عربية أوسع داخل "قسد" باتجاه دمشق، ما يضع الإدارة الذاتية أمام لحظة الحقيقة: مشروع لا يستطيع الاستمرار دون حاضنة عربية، ولا يمكنه أن يواجه الانشقاق المقبل إذا بقيت قيادته محصورة بمنظومة لا ترى الآخر إلا ظِلاً في صورة جماعية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث