قبل أكثر من عقدٍ من الزمن، وقف المرشد الإيراني علي الخامنئي، ليخطب خطبةً مفارقة أمام قادة الحرس الثوري، في حقبةٍ استثنائية من عمر الجمهورية الإيرانية الخميينة الصنع، اتسمت يومها بالصعود المضطرد خارجياً، رغم الحصار الاقتصادي الخانق داخلياً.
آنذاك، كان يحيك كلامه من موقع القوة، بشيءٍ من الهدوء الاستراتيجي، وبناءً على مقتضيات المصلحة الإيرانية التي ستُحرك تكتيكات العمل يميناً أو يساراً حسب الظرف. هكذا، اجترح المُرشد مصطلح "المرونة البطولية"، وأدخله إلى المعجم السياسي للجمهورية، في سياقٍ اندفعت فيه إيران الثورة، بشخص قائدها، نحو توقيع اتفاقٍ نووي مع "الشيطان الأكبر". اتفاقٌ انزعج منه الثوريون في الداخل والخارج، معتبرين أنه فخ أو تضييعٌ للبوصلة، فيما اغتبط من رأى فيه عقلانيةً سياسيةً واتساقاً مع منطق التكيف أمام تعقيدات المشهد.
قال خامنئي يومها، إنه ليس ضد الحركات التصحيحية والمنطقية في الدبلوماسية والسياسة الداخلية، وعرف المرونة البطولية بكونها "مرونة فنية" في بعض الظروف: "المصارع أحياناً يظهر مرونة لأسباب فنية، لكن يجب ألا ينسى من خصمه". ولفت إلى أن المرونة لا تعني التنازل عن المبادئ أو الأهداف الأساسية للنظام الإسلامي، وأن "الحفاظ على المبادئ لا يتعارض مع المصلحة". ولم ينسَ في الختام أن يذكر قادة الحرس بواجبهم في حماية "الرسالة الثورية" والقيم التي أنشئ الحرس من أجلها.
لم يكن المصطلح إذاً مجرد وصف ظرفي لعملية تفاوض جارية، بل محاولة واعية لإعادة تأطير مفهوم التراجع التكتيكي داخل بنية أيديولوجية تعتبر نفسها ثورية منذ العام 1979. لقد أراد خامنئي أن يقول إن الانفتاح على المفاوضات ليس خروجاً عن روح الثورة بل استمرار لها بأساليب مختلفة، في خطوة نحو تحضير الشارع الثوري لقبول تسوية مع "العدو".
في ذاك الحين، أيضاً، قوبل تكتيك المرونة البطولية بتكتيك أميركي جديد، حيث استثمر أوباما، الرئيس الأميركي وقتها، عيد النيروز الإيراني، ليرسل رسائل سياسية واضحة للشعب الإيراني والشباب الإيراني خصوصاً، عبر خطاب ألقاه في حفلٍ أقامته عائلته في البيت الأبيض بمناسبة هذا العيد، وقدمت فيه المائدة التقليدية التي تحتوي على سبعة عناصر ترمز إلى الأماني والتجديد وفق الثقافة الإيرانية، بالإضافة إلى بعض العروض الفنية المتصلة بالمناسبة. لقد استثمر معاني الأمل والتجدد في العيد من أجل الدعوة إلى "مستقبل جديد"!
خلق هذا الفضاء الجديد في تلك المحطة من عمر الجمهورية أسئلةً غير تقليدية، تتعلق بهوية إيران السياسية، وطبيعة الإسلام السياسي القائم فيها، فبعد أن أُشبِعت الخطابات بالأيديولوجيا الثورية، وما رسمته من مصطلحات وشعارات، فرض الظرف استدعاء ذاكرة عميقة في التاريخ الشيعي، متمثلة في صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية، كوسيلة مرنة تجيز التراجع التكتيكي في سبيل حفظ الوجود دون إعطاء شرعية للخصم (وهو بالمناسبة استدعاء تجدد في خطاب أمين عام حزب الله السابق السيد حسن نصرالله في الفترة الفاصلة ما بين حراك 17 تشرين وترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل). وقد أثار النقاش يومها مسائل شائكة حول الشيعية السياسية، وخصوصاً بلحاظ أن تلك الأخيرة، وُلدت مع الإمام الخميني بنسخة جديدة ومغايرة لما كانت عليه في السابق؛ فقبل ولاية الفقيه، شكل الشيعة نموذجاً سياسياً غير ثوري في الغالب، يتراوح بين سمة التقية أولاً، حيث كان الاندماج في الدول القائمة من دون مشروع صدامي هو القاعدة، ولم يكن للشيعة برنامج دولة أو مشروع انقلاب، بل كان الهدف حفظ المجتمع من الاضطهاد.
أما السمة الثانية فتمثلت بحلول المرجعية العلمية كبديل عن السلطة، بحيث كان دور الفقيه إرشادياً لا سلطوياً، وكانت المرجعية تراقب وترفض الظلم، لكن لا تقيم دولة دينية ولا تمسك بإدارة الجيش. انقلب الموروث الشيعي رأساً على عقب مع الخمينية السياسية التي أسست لدولة دينية ولتشيع ثوري خلق "أمة شيعية"، صارت بمثابة جزء من جبهة عالمية تواجه الاستكبار، بعد أن كانت عبارة عن جماعات مضطهدة تسعى للاندماج، ما أعطى لشيعة إيران ـ إن جاز التعبيرـ اعترافاً عالمياً بوزنهم كقوة فاعلة، وشعوراً بالاستعادة التاريخية لقوتهم، بل والاستعادة الحاضرة لتمثيلهم السياسي في دولهم، وإبعاد خطر الإبادة عنهم في لحظات حرجة. وإن كان هذا الواقع قد خلق لـ"شيعة إيران" مشاكل من نوع آخر، من قبيل ربط مصيرهم بمصير دولة واحدة، وصعود حساسيات سنية-شيعية في المنطقة (حتى منذ ما قبل الصراع في سوريا)، بالإضافة إلى انخراطهم بفعل الواقع بمشاريع تتجاوز حدودهم الوطنية.
هذا العرض الشديد الاختصار لتباينات الشيعية السياسية وآثارها كان جزءاً من نقاش دائرٍ إذاً، استولدهُ فضاء المرونة البطولية، المغاير بطبيعة الحال لفضاء اللامرونة الكربلائية. لكنه سرعان ما تلاشى مع تلاشي الاتفاق النووي نفسه، وما استتبعه من استنهاض للخطاب الثوري القديم الجديد. ولكن، بعد "الطوفان" الذي حلّ بمحور المقاومة وبإيران نفسها كجزء من تداعيات عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فإن هذه المساحة من الأسئلة والمراجعات عادت لتُفتح من جديد، وبطبيعة أكثر جذرية هذه المرة، لا سيما بلحاظ أن الخطاب الثوري التقليدي بدا أقل قدرة على تفسير الواقع، إذ كان مبنياً على معادلة تقول بأن المقاومة تتراكم، العدو يتراجع، والزمن يعمل لصالح "المستضعفين". في حين تجلى الطوفان عبر الصعود القوي لمشروع "الاستكبار"، وقدرته التهديدية الحقيقية على زعزعة الوجود، سواء وجود الشيعة في الشرق الأوسط، أو وجود نظام ولاية الفقيه نفسه في إيران. فهل بتنا أمام لحظة مراجعة جذرية للخمينية السياسية أم أمام لحظة انحناء تكتيكي؟ هنا كل المعضلة.
عبر تاريخها، اتبعت الجمهورية الإسلامية نمطاً ثابتاً في العمل السياسي، من حيث لجوئها إلى المرونة في أوقات عجزها (وإن لم تُنظّر لها سياسياً)، لا إلى التغيير الأيديولوجي. حدث هذا مع اتفاق إيران-كونترا في الثمانينيات من العقد المنصرم، ومع الحرب العراقية الإيرانية حين قَبِل الخميني تجرع "كأس السم"، وهكذا حصل مع الاتفاق النووي عام 2015، بل حتى مع طريقة التفاعل مع طوفان الأقصى تباعاً. في كل تلك الحالات، بقي الجوهر العقائدي واحداً، متنه ولاية الفقيه ومركزية "العداء للغرب"، وتصوير التراجع نفسه كجزء من الشجاعة الثورية.
قد تشي هذه المحطات السياسية بأن إيران اليوم لن تشهد تحولاً فكرياً عميقاً بقدر ما تشهد إعادة إنتاج للمرونة البطولية في نسخة أعقد، تعيد تنظيم المحور ولا تلغيه. لكن ثمة فرضية أخرى تلوح في الأفق، لا سيما في ظل الحديث عن تصاعد احتمالية حدوث جولة جديدة من الحرب على إيران. وبغض النظر عن الجزئية الأخيرة، فإن عوامل موضوعية مستجدة قد تدفع فعلاً باتجاه تغيرٍ أعمق من مجرد مرونة تكتيكية، وتجعل السؤال يُطرح في أوسع مدياته: هل بلغ المشروع الثوري حدّه الأقصى؟
نحن أمام سيناريوهان في هذا الإطار، فإما أن يحصل تحول بنيوي تقلص فيه الجمهورية من العقائد الثورية (وربما من تبنّي القضية الفلسطينية)، وتعطي فيه أولوية للدولة الوطنية على الأمة المقاومة، وتتحول إلى بناء اقتصاد قومي قوي، وهذا يتطلب بطبيعة الحال قبولاً أميركيا- أوروبياً لصفقة كبرى ومراجعة شبه دستورية وصدمة كبرى داخل النظام، أما السيناريو الثاني فهو أن تلجأ الجمهورية إلى انحناءة لا تغيّر معها المشروع، فتخفف الانخراط العسكري وتذهب نحو تسوية إقليمية تجمّد حدود الاشتباك، وتقلص الطموح الإقليمي دون أن تعترف بذلك نظرياً، مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة ضبط الخطاب. وبهذا تكون قد بقيت ضمن الإطار الفكري العام للخمينية السياسية (ضد الاستكبار نظرياً، مع المقاومة نظرياً، مع ولاية الفقيه دستورياً)، لكن مع إعادة توزيع للقوة وتبريد للساحات، وتحويل الصراع إلى إدارة طويلة الأمد بدل من المواجهة المفتوحة.
في كل الأحوال، ومما لا شك فيه، أن إيران اليوم أمام مفترق تاريخي لا يمكن القول معه إن زمن الخمينية السياسية قد انتهى، كما لا يمكن القول أننا أمام ولادة جديدة. ما يمكن الإشارة إليه بثقة هو أن إيران لن تعود إلى ما قبل الطوفان، ومحور المقاومة لن يعود إلى ما قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، والشيعية السياسية لن تعود إلى ما قبل الأزمة الوجودية الحالية، لكن شكل هذا التغير ما زال مفتوحاً على احتمالين. وفي كلتا الحالتين، يبدو الزمن القديم للشيعية الثورية كما عرفناه في العقود الماضية في نهايته. أما ما سيليه، فصراع على مشروعين داخل إيران نفسها: أمة ثورية أو دولة قومية. وللمرة الأولى قد تجد الخمينية السياسية نفسها مضطرة لأن تختار بينهما، لا أن تجمعهما معاً.. إلا إن أحدثت أي حرب خارجية جديدة مفاجآتٍ غير منطقية ليست في الحسبان!
