في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تبنى مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2803، بأغلبية ثلاثة عشر صوتاً مقابل امتناع روسيا والصين عن التصويت، في خطوة تأتي بعد عامين من الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة، ليطرح إطاراً جديداً لما يُسمى "ترتيبات ما بعد الحرب" في قطاع غزة، مستنداً إلى خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من عشرين نقطة.
القراءة المتأنية للقرار تكشف عن أبعاد أعمق من مجرد وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، إذ يمثل مدخلاً لإعادة تعريف شكل السلطة والفاعلية السياسية في غزة ضمن إطار دولي جديد يتجاوز حدود التسوية التقليدية. فالقرار لا يقدّم مجرد ترتيبات أمنية أو إنسانية، بل يعيد صياغة بنية الحوكمة نفسها عبر إحلال مؤسسات انتقالية دولية محل البنى المحلية، مع غياب أي صوت فلسطيني شعبي ضمن خطة إعادة الإعمار.
يشكل القرار، عند قراءته في ضوء التجارب الاستعمارية التاريخية، حلقة جديدة في سلسلة طويلة من آليات الوصاية الدولية التي عرفتها الشعوب المستعمَرة. من نظام الانتداب الذي فُرض في المنطقة، إلى الإدارات الانتقالية في العراق وكوسوفو، يكشف هذا النمط عن استخدام المؤسسات الدولية كأدوات لإعادة هندسة المجتمعات وفق تصورات القوى المهيمنة سياسياً واقتصادياً.
تفاصيل القرار
يشكّل القرار الأخير لمجلس الأمن تحوّلاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي لترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، إذ ينتقل من خطاب "إدارة الأزمة" إلى محاولة صياغة إطار متعدد المستويات لإعادة بناء منظومة الحكم والأمن في القطاع. يقوم القرار على تبني الخطة الأميركية بوصفها خريطة طريق شاملة، ما يمنحه طابعاً إلزامياً على مستوى البنية المرجعية الدولية، ويمنح الولايات المتحدة تفويضاً سياسياً لإدارة الانتقال.
في قلب هذا التحول، ينشئ القرار "مجلس السلام" باعتباره هيئة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، تتولى المهام الإدارية والمالية والتنموية خلال فترة إعادة الإعمار، وتعمل مؤقتاً كبديل عن المؤسسات الفلسطينية في غزة إلى حين اكتمال عملية "إصلاح السلطة الفلسطينية".
ويتعامل القرار مع المجلس ليس بوصفه جهة تنسيقية فحسب، بل كفاعل حاكم يمتلك صلاحيات واسعة في تصميم البرامج، والإشراف على التمويل، وتوجيه التدخلات الدولية، وهو ما يضع القطاع أمام نموذج جديد من أشكال الحوكمة الدولية شبه المباشرة، مع منح المجلس القدرة على صياغة السياسات المتعلقة بالمساعدات، وإدارة الخدمات الأساسية، ووضع إطار أولي لمسار اقتصادي جديد.
على المستوى الأمني، يذهب القرار إلى أبعد من أي صيغة سابقة طُرحت منذ بداية الحرب، من خلال تأسيس قوة دولية مؤقتة تتولى مهاماً واسعة تتجاوز التقليدي في عمليات حفظ السلام. فالقرار يتيح لهذه القوة العمل تحت قيادة موحّدة تقبلها الهيئة الانتقالية الجديدة، وبالتنسيق المباشر مع مصر وإسرائيل، وبصلاحيات تشمل استخدام الوسائل اللازمة لتنفيذ مهامها وفق القانون الدولي.
وتُمنح القوة أدواراً مركّبة تشمل مراقبة وقف إطلاق النار، وتأمين الممرات الإنسانية، والإشراف على نزع السلاح داخل غزة، وتدريب كوادر الشرطة الفلسطينية مستقبلاً. كما يربط القرار بين عمل القوة والسيطرة التدريجية على الأرض، بحيث تُعاد هيكلة المشهد الأمني تدريجياً مع انسحاب الجيش الإسرائيلي وفق معايير وجدول زمني متفق عليه.
أما على المستوى السياسي والاقتصادي، فيربط القرار بين إعادة الإعمار وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني من جهة، وفتح أفق مستقبلي نحو "تقرير المصير والدولة" من جهة أخرى، دون أن يقدّم ضمانة صريحة بخصوص حلّ الدولتين. فمن خلال الإشارة إلى أن نجاح إعادة الإعمار واستكمال إصلاح السلطة، قد يُهيّئ الظروف لمسار سياسي لاحق، يقدّم القرار صيغة مشروطة ومفتوحة على تأويلات متباينة. كما يمنح المؤسسات المالية الدولية، خصوصاً البنك الدولي، دوراً مركزياً في إدارة التمويل، بما يعيد غزة إلى آليات الحكم الاقتصادي عبر القنوات الدولية الرسمية.
غياب الصوت الفلسطيني في إعادة الإعمار
يكشف تحليل نص القرار عن تغييب ممنهج لأي صوت فلسطيني في عملية إعادة الإعمار، إذ يختزل دور الفلسطينيين في "لجنة تكنوقراطية غير سياسية" تقتصر مهامها على تسيير الشؤون الإدارية اليومية تحت إشراف "مجلس السلام الدولي".
يمنح القرار مجلس السلام برئاسة ترامب، صلاحيات شبه مطلقة في تصميم البرامج، وإدارة التمويل، وصياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، دون أي آلية للمحاسبة أمام الشعب الفلسطيني أو مؤسساته المنتخبة. حتى السلطة الفلسطينية، برغم كل إشكالياتها التمثيلية، تُوضع في موقع المتفرج المنتظر لاستكمال "برنامج الإصلاح" الذي تحدد معاييره قوى خارجية.
هذا النموذج يُرسّخ سردية مستخدمة تاريخياً في التجارب الاستعمارية تُصوّر المستعمَرين كشعوب قاصرة تحتاج إلى وصاية دولية "متحضرة" لإدارة شؤونها. فبينما تُعطى إسرائيل، القوة المحتلة المسؤولة عن التدمير، دوراً استشارياً في القوة الدولية و"التنسيق الوثيق" مع مجلس السلام، يُحرم الفلسطينيون من أي صوت حقيقي في تقرير شكل مجتمعهم المستقبلي.
من حلم إسرائيلي إلى واقع دولي
منذ بداية الحرب على قطاع غزة، كان الهدف الأساسي لإسرائيل هو نزع سلاح المقاومة والقضاء على حركة "حماس"، وهو ما فشلت في تحقيقه رغم عامين من التدمير الممنهج. لكن القرار 2803 منح هذه المهمة لـ"قوة الاستقرار الدولية" بتفويض أممي، محولاً بذلك الصراع بين القوة الأممي التي ستدير غزة وبين فصائل المقاومة الفلسطينية.
على الصعيد السياسي، فشلت إسرائيل في إيجاد بديل محلي لـ"حماس" أو فرض حكم عسكري مباشر. فجاء "مجلس السلام" كحل جزئي لهذه التصورات، حيث سيتم تشكيل هيئة دولية غير منتخبة تدير غزة حتى 2027 بصلاحيات حكومة كاملة، دون أي خضوع للسيادة الفلسطينية.
كما أن القرار شرعن الحصار الإسرائيلي بصيغة جديدة، حيث منح مجلس السلام والقوة الدولية صلاحية "تنظيم حركة الدخول والخروج" و"ضمان الاستخدام السلمي للمساعدات"، والتخوف الأساسي هنا لدى الجهات الفلسطينية في غزة هو أن ما كان يُدان دولياً كحصار غير قانوني، قد يتحول إلى إجراء أمني مشروع تديره هيئات دولية.
أما الهدف الاستراتيجي بفصل غزة عن الضفة الغربية، فقد بقي كما هو عبر تعامل القرار مع غزة ككيان منفصل تماماً، مجلس سلام خاص، قوة دولية خاصة، خطة إعمار خاصة، دون أي ربط بباقي الأراضي الفلسطينية. وبينما ترفض إسرائيل علناً حل الدولتين، قدم القرار صيغة مراوغة تتحدث عن "احتمال" تهيئة الظروف "لمسار نحو" تقرير المصير، دون أي التزامات واضحة أو جداول زمنية محددة.
القرار 2803 في مرآة التاريخ الاستعماري
يمثل القرار 2803 نموذجاً معاصراً لآليات الوصاية الدولية التي عرفها التاريخ الاستعماري الحديث. تحليل مضمون القرار يكشف تماثلاً بنيوياً لافتاً بين "مجلس السلام" المقترح ونظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى. كلاهما يستند إلى منطق الوصاية الحضارية، حيث تُنزع السيادة عن الشعوب الأصلية بحجة عدم قدرتها على إدارة شؤونها، وتُستبدل بإدارة دولية مؤقتة نظرياً، دائمة عملياً.
التجربة العراقية بعد 2003 تقدم نموذجاً تحليلياً مهماً لفهم آليات الحكم الانتقالي الدولي. سلطة الائتلاف المؤقتة مارست سلطات مطلقة في إعادة هيكلة الدولة والمجتمع، من تفكيك المؤسسات العسكرية والأمنية إلى فرض إصلاحات اقتصادية جذرية. الأوامر التنفيذية التي أصدرها بول بريمر، الحاكم المدني للعراق بعد غزو الولايات المتحدة عام 2003، أعادت تشكيل الاقتصاد العراقي وفق النموذج النيوليبرالي، مع ما ترتب على ذلك من تبعات كارثية.
كذلك، فإن حالات الإدارة الدولية في كوسوفو وتيمور الشرقية توفر إطاراً نظرياً لفهم ديناميكيات الوصاية المعاصرة. في كلا الحالتين، تحولت البعثات الأممية من آليات انتقالية إلى بُنى شبه دائمة للحكم، خلقت اقتصادات ريعية تعتمد على الوجود الدولي، وأنتجت مؤسسات هشة تفتقر للشرعية المحلية. دراسات ما بعد الاستعمار تؤكد أن هذه التجارب فشلت في بناء دول قابلة للحياة، بل خلقت حالات من "السيادة المعلقة" حيث تبقى السلطة الفعلية بيد الفاعلين الدوليين رغم الواجهات المحلية.
