القرار الذي اتّخذه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ليل (الإثنين -الثلاثاء)، ليس أقل من قرار تاريخي؛ وذلك بحسب الكاتب الإسرائيلي باراك رافيد الذي قال إن هذه هي المرة الأولى التي ستُنشر فيها قوة عسكرية دولية في قطاع غزة في إطار محاولة حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
لماذا يُعتبر مهماً
فعلى مدى 58 عاماً، منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، تحاول إسرائيل صدّ أي تدخل دولي مباشر في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بكل وسيلة ممكنة. وبحسب رافيد، فقد شغل بنيامين نتنياهو خلال نصف هذه الفترة تقريباً مواقع محورية في هذا المسعى: كملحق في واشنطن، وسفير في الأمم المتحدة، ونائب لوزير الخارجية، ورئيس للوزراء. لكن "تدويل" الصراع حدث الآن في ولايته، واعتبر رافيد أن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني لن يكون بعد اليوم كما كان.
ويضيف الكاتب أن القرار الذي اعتمده مجلس الأمن يخوّل هيئتين دوليتين إدارة قطاع غزة بشكل موقت: "مجلس السلام"، الذي سيكون بمثابة حكومة موقتة، وقوة حفظ الاستقرار الدولية، التي ستكون الجيش الموقت؛ ستعمل هاتان الهيئتان مدة عامين على الأقل، ومن المرجح أن تكون الفترة أطول كثيراً. ووفقاً لرافيد، ستعمل هاتان الهيئتان "بالتنسيق" مع إسرائيل، لكنهما لن تتلقيا الأوامر منها. ويدلّ السلوك المحيط بقطاع غزة، خلال الشهر الأخير، على أن إسرائيل هي التي ستجد نفسها مضطرة إلى التزام خطهما.
خلف الكواليس
يُعَد قرار مجلس الأمن إنجازاً دبلوماسياً ضخماً للرئيس ترامب وطاقمه، ولا سيما صهره جاريد كوشنر والمبعوث ستيف ويتكوف والسفير في الأمم المتحدة مايك وولتز. وأوضح رافيد أن هؤلاء صاغوا قراراً حاز دعماً دولياً واسعاً للغاية، وجنّدوا العالم العربي والإسلامي إلى جانبهم، ومنعوا القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية من معارضة الخطوة، وعزلوا روسيا والصين، اللتين لم تتجرآ حتى على محاولة عرقلة المسار باستخدام حق النقض. وكل ما تبقى للسفير الروسي، بحسب رافيد، هو إلقاء خطاب سلبي-عدواني ادّعى فيه أن الخطوة الأميركية القسرية ستفشل، وأضاف: "عندما يحدث ذلك، تذكروا أننا قلنا لكم."
بين السطور
واعتبر رافيد أن إسرائيل لم تكن ترغب في صدور هذا القرار في مجلس الأمن، غير أن إدارة ترامب أوضحت أنه من دون هذا القرار لن توافق الدول على إرسال قوات إلى غزة، ولم يكن لدى إسرائيل القدرة الحقيقية على الاعتراض. وقال رافيد إن قرارات مجلس الأمن كانت دائماً مصدر صعوبة لبنيامين نتنياهو.
فقبل بضعة أشهر، كان نتنياهو نفسه من أوضح أنه لا يمكن الموافقة على صفقة تبادُل أسرى ووقف إطلاق النار لأن "حماس" ستطالب بعرضها على مجلس الأمن. وبحسب رافيد، ادّعى نتنياهو أن القرار الذي سيصدر عن مجلس الأمن سيقيّد يد إسرائيل بحيث لن تتمكن من العودة إلى العمل ضد "حماس". أمّا أمس، وتحت عجلات جرافة ترامب، اضطر نتنياهو إلى الخضوع والموافقة على قرار كهذا.
وأشار رافيد إلى أن الموقف الإسرائيلي تجاه القرار لا يختلف كثيراً عن الموقف الروسي، فنتنياهو ومستشاروه يشككون كثيراً في القدرة على تنفيذ القرار، وفي إمكان إنشاء القوة الدولية نفسها، وفي قدرتها على نزع سلاح "حماس" وتسريع إعادة إعمار غزة. والحكومة الإسرائيلية تلتزم الصمت، على الأقل في هذه المرحلة؛ فهي لا تبارك ولا تنتقد، بل تنتظر احتمال فشل الخطوة الأميركية، عندها يستطيع نتنياهو أن يطلب من ترامب الضوء الأخضر لاستئناف الحرب ضد "حماس"، ومن غير المؤكد أن الرئيس الأميركي سيسمح بذلك.
الصورة الكبرى
الفقرة الواردة في القرار، التي تتحدث عن "مسار نحو دولة فلسطينية"، أثارت عاصفة سياسية تفوق حجمها الفعلي. ووفقاً لرافيد، جاء نص هذه الفقرة أضعف كثيراً من قرارات سابقة لمجلس الأمن. ومع ذلك، فإن حقيقة مرورها من دون معارضة إسرائيلية حقيقية داخل الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل تُعد أمراً لافتاً.
وأوضح رافيد أن إدارة ترامب احتاجت إلى هذه الفقرة لحشد دعم الدول العربية والإسلامية، وكذلك لمحاولة تلبية الشرط الذي فرضته السعودية من أجل التطبيع مع إسرائيل. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان السعوديون سيكتفون بقرار مجلس الأمن، أم أنهم سيرغبون في سماع هذه الكلمات مباشرة من فم رئيس الحكومة الإسرائيلية. أمّا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي سيصل اليوم إلى البيت الأبيض، يضيف رافيد، فيستطيع أن يسجل لنفسه انتصاراً أولياً، في ضوء إعلان الرئيس ترامب أنه سيبيع المملكة السعودية طائرات F-35.
ويرى رافيد أن الهستيريا المحيطة بهذه الصفقة مبالَغ فيها، وجزء منها مصطنع، فهي تذكّر بحالة الذعر بعد قرار إدارة ترامب بيع الإمارات طائرات F-35 سنة 2020. وبعد خمسة أعوام، لم تُنفذ الصفقة، جزئياً، لأن الإماراتيين لم يوافقوا على الشروط الأميركية. كما أن الصفقة السعودية لا تزال بحاجة إلى اجتياز العديد من العقبات، بما في ذلك الكونغرس الأميركي الذي قد ينتقل خلال عام إلى سيطرة الديمقراطيين. وحتى في حال تقدمها ونفاذها، فستمر ستة أعوام على الأقل قبل أن تهبط الطائرة الأولى في السعودية، وسيظل الأميركيون قادرين على تقييد كيفية استخدامها.
وتبقى المسألة المركزية، بحسب رافيد، هي ما إذا كانت صفقة الـF-35 ستشكّل جزءاً من مسار التطبيع مع إسرائيل. فإذا كانت الإجابة إيجابية، فسيكون ذلك إنجازاً سياسياً بالغ الأهمية لنتنياهو؛ أمّا إذا كانت سلبية، فهو فشل سياسي كبير له تبعات أمنية خطِرة.
الخلاصة
ويختم الكاتب بالقول إن قرار مجلس الأمن بشأن قطاع غزة خلق سابقة سياسية سيكون من الصعب جداً على إسرائيل التراجع عنها. واعتبر أن هذه السابقة قد تتحول إلى نموذج لخطوات مشابهة في الضفة الغربية مستقبلاً. وبالأمس، تراجعت قدرة إسرائيل على إدارة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بشكل مستقل وبصورة ملموسة.
