لم يكن تقرير منظمة "Oil Change International " لعام 2025، مجرد كشف لأرقام شحنات النفط المتجهة إلى إسرائيل خلال حرب غزة، بل كان تفكيكاً لطبقات عميقة من التمويه الجيوسياسي.
مسارات نفط تضلل العالم
ففي تقريرها لعام 2025 بعنوان "خلف البرميل"، كشفت منظمة "أويل تشاينج إنترناشيونال"، عن سلسلة إمدادات النفط التي غذت الآلة الحرب العسكرية الإسرائيلية خلال ما يعرف بـ"حرب غزة"، والتي وصفتها محكمة العدل الدولية بأنها إبادة جماعية.
ركزت الدراسة على كل شحنة نفط خام ومنتجات بترولية مكررة وصلت إلى موانئ إسرائيل بين تشرين الثاني/نوفمبر 2023 وتشرين الأول/أكتوبر2025، لتصل إلى 323 شحنة مجموع وزنها نحو 22 مليون طن متري. من بين هذه الشحنات، كان المصدران الرئيسيان للنفط الخام هما أذربيجان وكازاخستان، حيث شكلتا معا نحو سبعين في المئة من إجمالي حجم النفط الخام المستورد.
يتم نقل النفط الأذربيجاني عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان (BTC) الذي يخرج من بحر قزوين إلى ميناء جيهان التركي على الساحل المتوسطي. عند وصوله إلى جيهان يُنقل إلى ناقلات نفط ضخمة تتجه مباشرة إلى موانئ إسرائيل مثل أسدود وحيفا. وبسبب خروج النفط من الخط عند محطة تركية، تسجل وثائق الشحن تركيا كبلد الأصل، مما يخفي حقيقة أن النفط جاء من أذربيجان.
أما النفط الكازاخستاني فيُنقل عبر مجموعة الأنابيب المشتركة في بحر قزوين(CPC) التي تدار جزئيا من قبل روسيا وشركة "لوكويل". تنتهي رحلته في ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود، ومن هناك يُنقل إلى إسرائيل عبر ناقلات نفط. وبالتالي تظهر الوثائق روسيا كبلد المصدر، رغم أن النفط أصلا مستخرج في كازاخستان.
إلى جانب هذين المصدرين، شاركت روسيا والولايات المتحدة في توفير كميات أصغر من النفط الخام، بينما جاءت المنتجات المكررة مثل وقود الطائرات من مصافي في الولايات المتحدة وأوروبا. إلا أن حجم هذه الشحنات لم يقفز عن نسبة صغيرة مقارنة بالكمية الضخمة القادمة من أذربيجان وكازاخستان..
دور شركات الطاقة الكبرى الخفي
إخفاء أصل النفط بهذه الطريقة له تداعيات قانونية وأخلاقية هامة. فقد حذرت المحكمة الدولية من أن أي دولة تقدم دعما مادياً أو لوجستياً لإسرائيل قد تعدّ متواطئة في الإبادة الجماعية. وعند تسجيل الأصل كتركيا أو روسيا، يتم التحايل على آليات العقوبات والرقابة الجمركية التي تعتمد على بلد المنشأ لتحديد المسؤولية.
كما يظهر التقرير تورط شركات طاقة عالمية كبرى مثل "بي بي"، "شيفرون"، "إيني"، "إكسون موبيل"، "شل" و"توتال إينرجى"، التي تمتلك حصصاً في خطوط الأنابيب أو في الموانئ أو تشتري النفط الخام لتكريره. هذا الربط يجعلها جزءاً غير مباشر من سلاسل الإمداد التي تغذي الحرب، ما يثير أسئلة حول مسؤوليتها الاجتماعية وضرورة إجراء تقييمات حقوقية دقيقة قبل التعامل مع مثل هذه الصفقات.
من الناحية الجيوسياسية، تستفيد تركيا من رسوم عبور النفط عبر جيهان، كذلك تستمر روسيا في جني عوائد من رسوم موانئها ومشاركتها في مشروع " CPC" ما يمنحهما حافزاً اقتصادياً للحفاظ على تدفق النفط رغم الضغوط الدولية للحد من الدعم العسكري لإسرائيل.
شراكة في الإبادة
كشف هذا التقرير عن الحاجة إلى سياسات أكثر شفافية تتطلب إعلانات واضحة عن الوجهة النهائية للنفط، وإجراءات عقابية تستهدف نقاط العبور وليس فقط الدول المنتجة، فضلا عن المطالبة بإجراء فحوصات حقوقية تشمل جميع مراحل السلسلة اللوجستية.
بهذا الفهم المتعمق لمسارات النفط من أذربيجان وكازاخستان إلى إسرائيل، يصبح من الممكن توجيه الجهود الدولية نحو قطع هذا الرابط الخفي، وتعزيز الضغط على الحكومات والشركات لتجنب تمويل النزاعات الإنسانية، والسعي نحو نظام طاقة أكثر عدالة واستدامة.
يضع هذا التقرير العالم أمام حقيقة محرجة، الإبادة في غزة كانت ممكنة لأن بنية دولية كاملة من دول، شركات، موانئ، وخطوط أنابيب قررت أن تواصل عملها كما لو أن شيئا لا يحدث.
فما دام النفط يتدفق بلا مساءلة، ستظل الحروب قادرة على الاستمرار، مهما علا صوت الضحايا، ومهما ازدحمت أدراج العدالة بقرارات لا تجد من ينفذها.
