خلف البرميل... النفط الذي حرك الإبادة الجماعية في غزة

شفيق طاهرالأربعاء 2025/11/19
Image-1762419865
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن تقرير منظمة ‏"Oil Change International ‏" لعام 2025، مجرد كشف لأرقام شحنات النفط ‏المتجهة إلى إسرائيل خلال حرب غزة، بل كان تفكيكاً لطبقات عميقة من التمويه الجيوسياسي.‏

 

مسارات نفط تضلل العالم

ففي تقريرها لعام 2025 بعنوان "خلف البرميل"، كشفت منظمة "أويل تشاينج إنترناشيونال"، عن سلسلة ‏إمدادات النفط التي غذت الآلة الحرب العسكرية الإسرائيلية خلال ما يعرف بـ"حرب غزة"، والتي وصفتها ‏محكمة العدل الدولية بأنها إبادة جماعية.

ركزت الدراسة على كل شحنة نفط خام ومنتجات بترولية ‏مكررة وصلت إلى موانئ إسرائيل بين تشرين الثاني/نوفمبر 2023 وتشرين الأول/أكتوبر2025، ‏لتصل إلى 323 شحنة مجموع وزنها نحو 22 مليون طن متري. من بين هذه الشحنات، كان المصدران ‏الرئيسيان للنفط الخام هما أذربيجان وكازاخستان، حيث شكلتا معا نحو سبعين في المئة من إجمالي حجم ‏النفط الخام المستورد‎.‎

يتم نقل النفط الأذربيجاني عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان‎ (BTC) ‎الذي يخرج من بحر قزوين إلى ‏ميناء جيهان التركي على الساحل المتوسطي. عند وصوله إلى جيهان يُنقل إلى ناقلات نفط ضخمة تتجه ‏مباشرة إلى موانئ إسرائيل مثل أسدود وحيفا. وبسبب خروج النفط من الخط عند محطة تركية، تسجل ‏وثائق الشحن تركيا كبلد الأصل، مما يخفي حقيقة أن النفط جاء من أذربيجان‎.‎

أما النفط الكازاخستاني فيُنقل عبر مجموعة الأنابيب المشتركة في بحر قزوين(CPC) التي تدار جزئيا ‏من قبل روسيا وشركة "لوكويل". تنتهي رحلته في ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود، ومن ‏هناك يُنقل إلى إسرائيل عبر ناقلات نفط. وبالتالي تظهر الوثائق روسيا كبلد المصدر، رغم أن النفط ‏أصلا مستخرج في كازاخستان‎.‎

إلى جانب هذين المصدرين، شاركت روسيا والولايات المتحدة في توفير كميات أصغر من النفط الخام، ‏بينما جاءت المنتجات المكررة مثل وقود الطائرات من مصافي في الولايات المتحدة وأوروبا. إلا أن ‏حجم هذه الشحنات لم يقفز عن نسبة صغيرة مقارنة بالكمية الضخمة القادمة من أذربيجان وكازاخستان‎..

 

دور شركات الطاقة الكبرى الخفي

إخفاء أصل النفط بهذه الطريقة له تداعيات قانونية وأخلاقية هامة. فقد حذرت المحكمة الدولية من أن أي ‏دولة تقدم دعما مادياً أو لوجستياً لإسرائيل قد تعدّ متواطئة في الإبادة الجماعية. وعند تسجيل الأصل ‏كتركيا أو روسيا، يتم التحايل على آليات العقوبات والرقابة الجمركية التي تعتمد على بلد المنشأ ‏لتحديد المسؤولية‎.‎

كما يظهر التقرير تورط شركات طاقة عالمية كبرى مثل "بي بي"، "شيفرون"، "إيني"، "إكسون موبيل"، "شل" ‏و"توتال إينرجى"، التي تمتلك حصصاً في خطوط الأنابيب أو في الموانئ أو تشتري النفط الخام لتكريره. ‏هذا الربط يجعلها جزءاً غير مباشر من سلاسل الإمداد التي تغذي الحرب، ما يثير أسئلة حول ‏مسؤوليتها الاجتماعية وضرورة إجراء تقييمات حقوقية دقيقة قبل التعامل مع مثل هذه الصفقات‎.‎

من الناحية الجيوسياسية، تستفيد تركيا من رسوم عبور النفط عبر جيهان، كذلك تستمر روسيا في جني ‏عوائد من رسوم موانئها ومشاركتها في مشروع "‎ CPC" ما يمنحهما حافزاً اقتصادياً للحفاظ على تدفق ‏النفط رغم الضغوط الدولية للحد من الدعم العسكري لإسرائيل‎.‎

 

شراكة في الإبادة

كشف هذا التقرير عن الحاجة إلى سياسات أكثر شفافية تتطلب إعلانات واضحة عن الوجهة النهائية ‏للنفط، وإجراءات عقابية تستهدف نقاط العبور وليس فقط الدول المنتجة، فضلا عن المطالبة بإجراء فحوصات حقوقية تشمل جميع مراحل السلسلة اللوجستية‎.

بهذا الفهم المتعمق لمسارات النفط من أذربيجان وكازاخستان إلى إسرائيل، يصبح من الممكن توجيه ‏الجهود الدولية نحو قطع هذا الرابط الخفي، وتعزيز الضغط على الحكومات والشركات لتجنب تمويل ‏النزاعات الإنسانية، والسعي نحو نظام طاقة أكثر عدالة واستدامة‎.

يضع هذا التقرير العالم أمام حقيقة محرجة، الإبادة في غزة كانت ممكنة لأن بنية دولية كاملة من دول، ‏شركات، موانئ، وخطوط أنابيب قررت أن تواصل عملها كما لو أن شيئا لا يحدث‎.

فما دام النفط يتدفق بلا مساءلة، ستظل الحروب قادرة على الاستمرار، مهما علا صوت الضحايا، ‏ومهما ازدحمت أدراج العدالة بقرارات لا تجد من ينفذها‎.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث